الإقالة والاستقالة والعزل ثالوث يفاقم حدة المأزق السياسي في تونس

الواقع الراهن محكوم بتحالفات أملتها المصالح الحزبية والحسابات الشخصية.
الخميس 2021/02/18
معركة إرادات بين أقطاب السلطة

ثلاث عبارات مُتشابهة في المعنى لكنها مختلفة في السياق، رغم أنها تؤدي إلى هدف واحد له أبعاد سياسية فارقة، باتت تُسيطر هذه الأيام على الخطاب السياسي في تونس وتتردد كثيرا في وسائل الإعلام بعناوين لافتة وأخرى مُثيرة وذلك في إطار الحديث عن حلول مُمكنة للخروج من الأزمة الراهنة.

تونس - لا تكاد تصريحات السياسيين التونسيين في علاقة بتبعات الصراع المفتوح على كل الاحتمالات بين الرئاسات الثلاث، تخلو من عبارات “الإقالة” و”الاستقالة” و”العزل” التي فرضتها حسابات ومعادلات باتت تتشكل على أرضيتها موازين قوى بتحالفات جديدة.

وتعكس هذه العبارات رغبة في إعادة تشكيل المشهد عبر تغيير رموزه، إذ يتم الدفع بعبارة “الإقالة” عند الحديث عن راشد الغنوشي الذي يواجه رفضا مُتصاعدا له ولدوره كرئيس للبرلمان، و”الاستقالة” بالنسبة إلى رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي تسبب تمسكه بمنصبه في تعميق الأزمة، و”العزل” أثناء الحديث عن الرئيس قيس سعيّد بحجة خرقه للدستور.

وتختلف الأسباب التي يتم الدفع بها لتبرير الاستنجاد بهذه العبارات، لكنها تبقى مع ذلك نتاج واقع ما زال حتى اللحظة محكوما بتحالفات أملتها المصالح الحزبية والحسابات الشخصية، وأخرى جاءت تحت ضغط المشهد بتوازناته المُتحركة في اتجاهات مُتشابكة وسط تعقيدات مُتنوعة.

ومع ذلك يرسم انتقاء هذه العبارات بأبعادها المُتنوعة وطريقة إخراجها وتداولها خطوطا مُتعرجة في ظاهرها، لكنها مُحددة بأهداف وغايات تختلف أجنداتها ضمن إطار معادلة الصراع الحالي الذي تجاوز دائرة المُناكفات داخل منظومة الحكم ليقترب كثيرا من مُربع كسر العظم.

ولا تبدو مساحات حديث “الإقالة” و”الاستقالة” و”العزل” ضمن هذه المعادلة مرتبطة بخارطة واحدة ولا على قاعدة واحدة، بل يتخللها تنازع حاد على الصلاحيات ومزيج من الاستهدافات المُبررة سياسيا بالنسبة إلى المطالبة بإقالة الغنوشي، والمطلوبة من باب الحكمة بالنسبة إلى استقالة المشيشي، والمحكومة بنزعة انتقامية بالنسبة إلى الدعوة إلى “عزل” قيس سعيّد.

ولفهم هذه الاستهدافات كان لا بد من التوقف أمام عبارة “إقالة” الغنوشي وتخوم السجالات المرافقة لها التي برزت كسابقة أثارت وما زالت تُثير الكثير من الأسئلة المتواترة التي لا تزال تتفاعل حول طبيعة المرحلة الجديدة التي قد تدخلها تونس في صورة نجاح المُطالبين بها في تجسيدها على أرض الواقع.

إقالة الغنوشي

ما يحدث مُحدد بغايات تختلف أجنداتها ضمن معادلة صراع تجاوز دائرة المُناكفات داخل منظومة الحكم ليقترب من مُربع كسر العظم

الحديث عن إقالة الغنوشي عبر سحب الثقة منه كرئيس للبرلمان وما رافقه من مساع جدية لتحقيق هذا الهدف بأدوات دستورية ليس مدفوعا فقط بأنه فشل في إدارة شؤون المؤسسة التشريعية، وإنما يعود بالأساس إلى أنه تحول إلى جزء رئيسي من الأزمة الراهنة التي تفرعت عنها أزمات أخرى.

وساهمت مُناورات الغنوشي وألاعيبه السياسية التي اتسمت بالازدواجية في الخطاب حينا، وبالمُغالطات في أحيان كثيرة، في جعل الأزمة التي تعاني منها البلاد تتجاوز أسوار البرلمان لتشمل المسار الحكومي وصولا إلى المس من صلاحيات رئيس الدولة بتصريحات فيها الكثير من التحدي والاستفزاز.

ودفعت هذه الممارسات التي تُجمع مختلف القوى السياسية على خطورتها عددا من البرلمانيين إلى المُطالبة بإقالته بأدوات دستورية، وذلك في تحرك بدأ في صيف العام الماضي عكس خشية مُبررة في تفاصيلها التي تؤكد إدراكا جماعيا بمدى خطورة بقاء الغنوشي رئيسا للبرلمان على الاستقرار السياسي في البلاد.

وسعى أولئك البرلمانيون (73 برلمانيا من أصل 217) إلى التقدم بعريضة لسحب الثقة من الغنوشي تم عرضها على البرلمان في منتصف يوليو الماضي، لكنها فشلت في تحقيق هدفها نتيجة الاصطفافات السياسية غير المحسوبة والحسابات الحزبية الضيقة لبعض الكتل البرلمانية.

واستطاعت حركة النهضة الإسلامية توظيف تلك الاصطفافات والحسابات في مواجهة تلك العريضة التي تقدم بها في ذلك الوقت نواب أربع كتل هي الكتلة الديمقراطية (38 مقعدا برلمانيا) وكتلة الإصلاح (17 مقعدا) والكتلة الوطنية (16 مقعدا) وكتلة تحيا تونس (10 مقاعد) لصالح تمكين الغنوشي من تفادي السقوط.

وأسقط البرلمان في جلسة عامة عقدها نهاية يوليو الماضي تلك العريضة لينتهي الأمر بتجديد الثقة للغنوشي بدل سحب الثقة منه وتنحيته عن رئاسة البرلمان وذلك في صورة بدت مُثيرة في تفاصيلها وإيحاءاتها التي تؤكد في جزء كبير منها حجم الحسابات الخاطئة لبعض الأحزاب التي اختارت الغنوشي على حساب استقرار البلاد.

لكن هذا الفشل لم يُثن بعض القوى البرلمانية عن إعادة المحاولة مرة أخرى خاصة بعد أن اتسعت دائرة الغاضبين من الغنوشي، مع تزايد الإدراك بأن الخناق الذي يضيق حول عنقه داخل البرلمان وعلى مستوى حركته النهضة قد يقود في نهاية المطاف باتجاه تعميق عزلته بما يُسهل إمكانية إقالته.

وانطلاقا من هذه التقديرات تقدمت عبير موسي رئيسة حزب الدستوري الحر (16 مقعدا برلمانيا) بعريضة جديدة لسحب الثقة من الغنوشي أيدتها إلى غاية الآن العديد من الكتل البرلمانية الأخرى، حيث تجاوز عدد الموقعين عليها 73 نائبا وهو العدد المطلوب دستوريا لعرضها على البرلمان، حيث تعمل هذه القوى على جمع المزيد من التواقيع لضمان نجاحها.

ويقول الذين يعملون على هذه العريضة إنهم يسعون إلى جمع أكثر من 109 توقيعات عليها حتى يتأكدوا من تمريرها أمام البرلمان ووضع الغنوشي أمام هذا الاستحقاق السياسي وبالتالي تفادي ما حصل في يوليو الماضي.

استقالة المشيشي

Thumbnail

بالتوازي مع تواصل الحديث حول إقالة الغنوشي برز حديث آخر حول ضرورة “استقالة” المشيشي من منصبه كرئيس للحكومة كمخرج للأزمة الراهنة التي تحولت إلى ما يُشبه الصدام بينه وبين قيس سعيّد على خلفية التنازع حول الصلاحيات الذي تسبب فيه التعديل الحكومي الأخير المُثير للجدل.

وبدأ هذه الحديث بالتواتر عندما أعلن قيس سعيّد رفضه السماح للوزراء الجدد الذين شملهم التعديل الحكومي المذكور (11 وزيرا) أداء اليمين الدستورية أمامه رغم حصولهم على ثقة البرلمان في السادس والعشرين من الشهر الماضي.

ولم يُؤدّ قرار رئيس الحكومة إعفاء خمسة وزراء دفعة واحدة من مهامهم إلى تجاوز الانسداد السياسي الذي تسببت فيه أزمة “أداء اليمين الدستورية” التي اندلعت في أعقاب التحوير الوزاري المُعلن عنه في السادس عشر من يناير الماضي، بل على العكس ساهمت الخطوة في تعميق الوضع ما دفع بالعديد من الفاعلين السياسيين إلى دعوة المشيشي للاستقالة ليتحول بذلك حديث الاستقالة إلى عنوان كبير ما زال يُثير المزيد من السجالات السياسية التي يبدو أنها لن تتوقف قريبا باعتبار أن رئيس الحكومة مدعوما بحركة النهضة وحليفها حزب قلب تونس أغلق الباب أمام هذه الفرضية.

عزل قيس سعيّد

أكد المشيشي في تصريحات لافتة قرأ فيها البعض تصعيدا مقصودا لا يخلو من الاستفزاز والتحدي، أنه لن يستقيل من منصبه لأنه “جندي في خدمة البلاد لا يهرب من المعركة”، ليرتفع مع ذلك الحديث حول “عزل” الرئيس قيس سعيّد من منصبه وهو الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب.

وترافق هذا الحديث مع حماس أبداه البعض من قادة حزب قلب تونس وخاصة منهم النائب عياض اللومي الذي كثف من تصريحاته التي تضمنت كما هائلا من التهويل في استهداف قيس سعيّد، والذي ذهب الغنوشي قبل ذلك إلى محاولة التقليل من مكانته وصلاحياته عبر وصف دوره بـ”الرمزي”.

وبدا واضحا أن توقيت إطلاق الحديث حول “عزل” قيس سعيّد الذي تحول إلى ما يُشبه الحملة المُبرمجة، ليس بريئا ولم يأت من فراغ، وإنما جاء لتخفيف الضغط على الغنوشي الذي تُلاحقه عريضة سحب الثقة ولتشجيع المشيشي في تحديه لقيس سعيّد بما يُبقي الصراع مفتوحا.

لذلك يُنظر على نطاق واسع إلى أن حديث “عزل” قيس سعيّد سيبقى يتردد على شكل مونولوج مسرحي هزلي بإخراج رديء، لكنه يرسم معالم مشهد سياسي جديد بدأت قواعده تتشكل بأدوات تختلف عن سابقاتها يصعب معها الحسم بما ستُفرزه من نتائج في نهاية المطاف.

7