الإقامة في مكان لا تجعلك تنتمي إليه

ألبير ممي وألبير كامو كلاهما احتقر أهل البلد الذي نشأ فيه.
الخميس 2020/08/20
ما يكتب لا يعبّر عن الانتماء

لكل لغة مرجعيتها الفكرية والثقافية والحضارية بوجه عام، ولكن أغلب الكتاب بلغات ثانية يأتون بثقافات وعناصر حضارية من أصولهم إلى اللغة الجديدة، فيؤثرون فيها بقدر تأثيرها فيهم. من ناحية أخرى إن كان نسب الكاتب إلى لغة بحضارتها وثقافتها أمرا صعبا، فإن نسب الكاتب إلى جغرافيا وبلد بعينه أمر أصعب. 

عادة ما يُنسب هذا الكاتب أو ذاك إلى بلد لمجرّد أنه ولد فيه أو أقام على أديمه ردحا من الزمن، ولو أمعنّا النظر لألفينا أن ما يكتبه لا يعبّر عن انتمائه إلى البلد المعنيّ قدر ما يعكس جذوره الأصلية، أو انتماءه العقدي، أو الثقافة التي نشأ عليها، والتي تجعله ينظر إلى الأشياء من زاوية تخالف رؤية ابن البلد الأصيل.

يحضرنا في هذا المقام مثالان. الأول هو الكاتب الفرنسي من أصل تونسي ألبير ممّي (1920 – 2020) والثاني هو الكاتب والمفكر الفرنسي المولود في الجزائر ألبير كامو (1913 – 1960).

كاتبان خارج المكان

رأى ألبير ممّي النور في أحد أحياء تونس العاصمة، وتعلم فيها قبل أن يغادرها نهائيا فجر الاستقلال ويقيم بقية حياته في باريس. هذا الكاتب الذي أطنب بعضهم في وصفه بابن تونس عند وفاته، كان يضيق بتونس وأهلها ولغتها، ولا يرجو إلا مغادرتها حين تسنح له الفرصة، وهو الذي أكد مرارا في يومياته على استحالة أن يجد له مكانا في هذا البلد الذي تخلص حديثا من الاستعمار، إذ كتب يقول “1- ينبغي مساعدة التونسيين لأن قضيّتهم عادلة. 2- ينبغي الرحيل لأن هذه القضية ليست قضيّتي”.

فكيف يدير لها الظهر إذن إن كانت عادلة؟ لقد غادرها وهو شاب (36 سنة) واستقر بفرنسا حتى وفاته، ولم يعد ينظر إليها إلا كبلد رأى فيه النور، وعانى فيه الاستعمار، فلا بقاء فيه في رأيه إلا للمسلمين.

فقد اعترض على الفصل الأول من دستور 1959 الذي ينص على أن تونس بلد عربي دينه الإسلام، إذ رأى فيه استبعادا للأقليات اليهودية والمسيحية، ومضى يؤلف دراسات عن مكانة الآخر في المجتمع التونسي، وهو يحس في قرارة نفسه أنه لم يعد ينتمي إليه، ويعرّف نفسه بكونه يهوديّا يساريّا ذا ثقافة فرنسية، أقرب إلى روسو ودو فينيي من أي كاتب عربي، مثلما يعترض على تعريب التعليم، وهو الذي لم يلتحق أبدا بالمدرسة العمومية.

أما ألبير كامو، الذي تغنى بالجزائر وشمسها وبحرها وأشجارها، وأهمل أهلها، لأنه كان كالسائح الأوروبي لا يهمّه إلا ما يشبع رغبته في مناخ لا يجده في بلده الأصلي. فهو عندما يقول “لن أستطيع العيش خارج مدينة الجزائر. أبدا. سوف أسافر لأني أريد أن أعرف العالم، ولكني على يقين بأني في مكان غيرها سأكون دائما في منفى”.

ألبير ممي يعرّف نفسه كيهودي يساري بثقافة فرنسية أقرب إلى روسو ودو فينيي من أي كاتب عربي

 إنه لا يختلف في الواقع عن “الأقدام السوداء”، أي المستوطنين الأوروبيين الذين حلّوا بالجزائر أو ولدوا فيها إبان الاحتلال الفرنسي (1830 – 1962)، هم أيضا ما انفكّوا يعبرون عن تعلّقهم بهذا البلد، ولا يزال الباقون منهم يحنّون إليه كما يحنّ أيّ كان إلى مسقط رأسه، دون أن يعني ذلك انتماءهم للمجتمع الجزائري أو حبّا لمواطنيه.

صحيح أن كامو تغنّى بها ولكن كأرض، كمستوطنة، كموطن ذكريات طفولته وشبابه، دون أن يهتم بمن فيها، ممن ذاقوا الثكل والويل، وحرموا من خيرات أرضهم طيلة قرن وثلث القرن. فهو كسائر بني جلدته، من عوامّ ومثقفين إلا ما ندر، لم يكن يتخيل أن الجزائر قد تستقل عن فرنسا، إذ كان يعرف مسبقا ما سوف يفقد باستقلالها.

صحيح أيضا أنه لم يسئ بكلمة إلى الشعب الجزائري، ولكنه لم يذكره أيضا، بل تجاهله وكأنه لم يوجد على تلك الأرض التي عشقها، ففي روايتيه “الغريب” و”الطاعون” اللتين دارت أحداثهما في الجزائر العاصمة ووهران، لا ذكر إلا لعربي مجهول، غائم الملامح، لا اسم له ولا صفات، لا يعرف القارئ عنه إلا أنه كان ضحية البطل مورسو.

صحيح كذلك أنه أبدى في مقالاته الصحافية استياءه من حياة البؤس التي يحياها البلَديون indigènes التي تضع سكان البلد الأصليين في موضع التابع، ولا نعتقد أنه كان يجهل ذلك النعت الذي ينضح بتمييز عنصري وديني منذ أن فرضه قانون 1881، ولكن لا وجود لأولئك البلَديين في أعماله الإبداعية والفكرية.

العربي صفة للتحقير

ألبير كامو تجاهل الشعب الجزائري وكأنه لم يوجد
ألبير كامو تجاهل الشعب الجزائري وكأنه لم يوجد

يقول ياسمينة خضراء “كامو لخّص الجزائريّين في عبارة واحدة: العربي. وفي هذا العربي شيء من التحقير، شيء لا يُحتمل رأى فيه الجزائريون نوعا من الإلغاء. فالعربي اسم شامل، هو الخرج الذي كان يضع فيه كل من ليسوا أوروبيين. كان يشذّب فلا يبقي إلا من له اعتبار في نظره، ولم يكن للعربي في نظره اعتبار”.

ويخطئ من عزا ذلك إلى وجود حاجز حقيقي بين الجزائريين والفرنسيين، وغياب جسر يربط بينهم، فلا يعقل أن يبقى كل طرف على حِدة طيلة مئة واثنيتن وثلاثين سنة، ولا يصدق عاقل أن يدار بلد في حجم الجزائر من وراء أسوار قلعة، ولكنه آثر أن يدين دخول دبابات خروتشيف إلى العاصمة المجرية على أن يدين المجازر التي اقترفها بنو جلدته.

وفي كلتا الحالتين، نجد أنفسنا أمام كاتبين لا ينظران إلى أهالي المنطقة كمواطنين يشتركان معهم في الانتماء والمصير، ولم يعبّرا عن همومهم وتطلعاتهم، لأن انتماءهما الأساس لثقافة أخرى.

يقول أحمد ممّو في افتتاحية العدد الجديد من مجلة “قصص”: الآخرون، وإن شاركوا شعوب الضفة الجنوبية للمتوسط في وجودهم لفترة ما من تاريخ الأقلية التي ينتمون إليها، إلا أنهم كثيرا ما يعكسون في تفكيرهم انتماءهم إلى ثقافة أخرى وتطلعا إلى مصير مختلف.

ويضيف “وجدت في تلك النصوص كاتبا له بعد المتوسطي، ينظر إلى الدنيا بعيني إنسان أوروبي خبر الحياة على الضفة الجنوبية للمتوسط وامتلأ بشمسها، وهو يجد في الحياة على هذه الأرض  الجنوبية ما لا يتوفّر له من راحة نفسية وتواصل اجتماعي بأوروبا. وما أثار انتباهي أنه لم يستطع أن ينظر إلى أبناء الضفة الجنوبية كمواطنين يشترك معهم في الانتماء والمصير. وهذه الفكرة ترسخت لدي أكثر من خلال كتابات أدباء آخرين تشدهم إلى هذه الأرض صدفة المنبت ويبعدهم عنها مسار حياتهم في ما بعد”.

ويتابع ممو “ذلك ما كان شعوري وأنا أنتهي من قراءة روايتين عن شعور بالانتماء إلى ‘تمثال الملح’ لألبير ممي و’كريستال’ لجلبار نقاش، وكلتاهما تعبر عن هذه البلاد الجنوبية التي نشترك معهما في وجودنا عليها، لكن المرجعية الفكرية والثقافية لكل منهما تتعلق بثقافة وتاريخ الضفة الأخرى. تقوم بالأساس على التعلق، فمهما كان التعاطف مع الكتاب الذين صبغتهم الثقافة الفرنسية ممن تحدثوا عن هذه التربة وأشادوا بشمسها وطيبة الحياة فيها، إلا أنهم في النهاية، مختلفون عن أبناء البلاد ممن يحملون في ذاكرتهم تاريخ المجموعة الغالبة في شعبها ويعبرون عن ذلك بلغته”.

ويخلص إلى أن الآخرين وإن شاركوا شعوب الضفة الجنوبية للمتوسط في وجودهم لفترة ما من تاريخ الأقلية التي ينتمون إليها، إلا أنهم كثيرا ما يعكسون في تفكيرهم انتماءهم إلى ثقافة أخرى وتطلعا إلى مصير مختلف.

ألبير ممّي كان يضيق بتونس وأهلها ولغتها
ألبير ممّي كان يضيق بتونس وأهلها ولغتها

 

16