الإقبال الكبير على الخبز يضع المغاربة أمام تحديات كبرى

يواجه المغرب باعتباره من أكثر البلدان استهلاكا للخبز، تحديات كبيرة في بيع وصناعة الأرغفة على مختلف أنواعها وأصنافها، بين ارتفاعات مستمرة للأسعار وبين محاولات الغش في العجين التي يرى بعض المختصين أنها يمكن أن تسبب تسمما عند الاستهلاك، وقد أوجدت بعض ربات البيوت حلولا عملية من خلال صناعة أرغفة منزلية تناسب ميزانية العائلة وتحافظ على صحة أفرادها.
الثلاثاء 2017/10/24
محاولات فردية

الرباط- بدأ جيل جديد من المغاربة يوطدون أقدامهم في عمل مشاريع اقتصادية صغيرة ناجحة في مجال عمل الخبز، وبيعه في أفران صغيرة. وتعتبر قصة الخبز قصة الإنسانية في الكفاح لاستمرار الحياة على الأرض، فقد بدأت معرفة الإنسان الأولى بعمل الخبز منذ ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد.

عرف الإنسان وقتها سحق حبوب القمح، وعجنها مع الماء، وعرضها بعد ذلك كأقراص للشمس، لتجف تماما ثم أخذ يتناولها مع شرائح اللحم أو وحده كغذاء مكمل ومغذ. ويؤكل الخبز في المغرب في ثلاث وجبات رئيسية، ولا تخلو منه مائدة. والشعب المغربي من أكثر الشعوب المستهلكة للقمح والشعير والذرة والشوفان في العالم.

وتدخل كل هذه الحبوب، وغيرها من الإضافات كالسمسم والزعتر والكمون ومواد القرمشة (المحسنات) في صناعة الخبز، والخبز بمختلف أنواعه تفنَّن المغاربة في عمله.

ومن بين أنواع الخبز الذي يتم إعداده وبيعه في الأفران والمخابز الشعبية، الخبز العادي، الذي يتم إعداده من الحنطة والسميد، والشعير، والخبز المحسن بطبقة صفراء من دقيق الذرة، والبغرير، وخبز السميد، وخبز الزبيب، وخبز البرقوق، وخبز الخليع ــ محشو بالقديد ــ والخبز المحراش، وخبز البطبوط وغيرها.

الخبز الحلو والمالح

تشير الإحصائيات، التي نشرتها وزارة الفلاحة والصيد البحري المغربية 2016 إلى أنَّ معدل استهلاك الفرد المغربي لثلاثة أقراص من الخبز، وتزيد الكمية في فصل الشتاء إلى 5.3 قرص من الخبز. وأنَّ الاستهلاك اليومي للخبز بالمغرب يصل إلى أكثر من 200 مليون قرص من الخبز، لتغطية استهلاك يومي لأكثر من 34 مليون مغربي.

جودة وإتقان

ويعتبر المغرب من أكثر الشعوب العالم استهلاكا للخبز، فهو يؤكل في كل وجبة طعام، وفي أوقات العصر يؤكل مع زيت الزيتون، والزبدة، والمربى والشاي الأخضر، والبعض في الأرياف يأكلونه مع العنب والموز أو أي فاكهة أخرى متوفرة في مزارعهم، قبل الظهيرة.

وبالرغم من أنَّ سعر قرص الخبز في الأفران الرسمية المدعومة بالدقيق المدعَّم من الحكومة يصل إلى 2.1 درهم (الدولار يساوي 6.9 دراهم) ولا يوفر لمن لديه مشروع لعمل الخبز وبيعه ربحا معقولا، لذلك يعمد أصحاب هذه الأفران إلى عمل الخبز المحشو بالحلو والمالح وبيعه. وهو بمختلف الأنواع منها المُحلّى بالسكر والكاكو والمربيات والزبيب والبرقوق والمكسرات. والخبز المالح المحشو بالجبن واللحم المثروم والزيتون والكاشير والبيتزا الصغيرة، المزينة بشرائح التن والزيتون.

ويصل سعر الكيلوغرام من هذه المعجنات الحلوة والمالحة بين 80 و120 درهما، فتوفر لأصحاب الأفران ربحا معقولا يغطي مصروفات الوقود والعمال والضريبة وفواتير الكهرباء والماء والكراء.

غش الخبز

يعدّ حميد كتاني (35 سنة)، صاحب فرن صغير بمدينة الرباط، من الشباب الذين قرر دخول هذا الميدان. وبدأ مشروعه بفرن صغير في منطقة التقدم ثم توسع، ليؤجر محلا أكبر لفرن جديد في منطقة النهضة.

وقال كتاني “هناك بعض الخدع التي تستخدم من قبل بعض السيئين للحصول على ربح أكبر بغشّ الخبز، وهو على نوعين. الأول أن لا يلتزم صاحب الفرن بوزن قرص خبز، الذي حددته الدولة بـ200 غرام، فيقلل من الوزن ليصير وهو ساخن بين 176 و180 غراما. وهذا يمارسه قسم من عديمي الضمائر، ويعرضهم هذا إلى عقوبات صارمة من الدولة في حالة اكتشافه من قبل الجهات الرقابيّة”.

وأضاف “هذا تتم مراقبته بشكل جيد في الأفران والمخابز المسجلة برقم بتانت خاص ــ رقم تسجيل ضريبي ــ وهي مسجلة رسميا لدى الدولة، ولكن للأسف يمارس هذا الغشّ بشكل واسع في الكثير من الأفران غير المسجلة رسميا، المنزوية في الحارات الضيقة، وما يسمى بالمخابز العشوائيّة ويعمل خبزها في أفران خاصة في البيوت، ويباع على “بسطات” في الأسواق والطرقات و”الأكشاك” والحوانيت. وهؤلاء يعمدون إلى تقليل وزن الرغيف بدلا من رفع سعر قرص الخبز.

وتابع كتاني “كذلك، يقوم هؤلاء بغشّ آخر، هو بدلا من إضافة مادة كلوكوز الذرة إلى الخليط لإكسابه المرونة، وهي مادة غالية نسبيا يقومون بإضافة كيلو ونصف الكيلو من السكر لكل خمسين كيلو من الدقيق، وذلك لإكسابه المرونة واللون الذهبي. ويزيدون أيضا من كمية الخميرة، لجعل الفقاعات الإسفنجيّة داخل القرص كبيرة، فينتفخ القرص، ويكبر حجمه على حساب الوزن.

لا استغناء عن الخبز

وهناك إضافات أخرى، عندما يقوم البعض بزيادة كمية الملح إلى 20 غراما لكل كيلو من الخبز، وهو فوق الحدّ المسموح به، وإضافة مواد أخرى إلى العجين لغرض زيادة الوزن، كالنخالة، وغير ذلك من حبوب مطحونة وخبز يابس، تكون أقل سعرا من الفرس ــ الدقيق الأبيض ــ المستخدم الرئيسي في عمل الكوميرا أقراص الخبز”.

الملح الزائد

قال يونس أكديرة، صيدلي متخصّص بالتحليلات الدوائيّة والسموم بالدار البيضاء، لـ”العرب” حول أضرار زيادة الملح في أقراص الخبز، إن “زيادة كمية الملح في الطعام فوق المعدل المسموح به يسبب تسمّما غذائيا، والحد المحدد للإنسان من الملح يوميا هو 5 غرامات، وهو ما يجب أن يكون ما مجموعه في طعام يوم واحد للفرد، وإلا تعرض للتسمّم بهذه المادة. والمعروف دوليا أنّ الملح والسكر مادتان قاتلتان إذا أفرط الإنسان في تناولهما”.

وأضاف “وبحسبة بسيطة نستنتج أنَّ الفرَّان عندما يضع 20 غراما لكل كيلو غرام خبز، وعرفنا أنَّ الاستهلاك اليومي للخبز للفرد الواحد أكثر من 520 غراما من الخبز، فمعنى هذا أنَّ من الخبز وحده يتناول الفرد كمية ملح تساوي 1.10 غرامات وهذا ضعف قدرة الإنسان على التحمل فيشعر بالتوعك والصداع والإسهال وألام في الأمعاء في بعض الأحيان”.

وقال الدكتور هشام فنيش، متخصّص بالتغذية الصحية في الرباط “زيادة الملح في الطعام أي طعام في الخبز أو غيره عن الحدّ المقدر أو أي غذاء آخر يتناوله الإنسان من الأمور التي تسبب إضافة إلى السمية العالية أمراضا كضغط الدم المرتفع وزيادة الوزن وكرمشة البشرة، وتسرع من ظهور علامات الشيخوخة المبكرة، وتزيد مخاطر الإصابة بالسرطانات، ومنها سرطان الأمعاء والمعدة، والسكتة القلبية”. وأضاف “ولأجل حياة صحية خالية من المخاطر على الصحة تجنب الكميات الكبيرة من الملح والسكر في غذائنا اليومي”.

بركة خبز البيت

تعيش أسعار الخبز في المغرب بين تجاذبات الدولة المغربية التي تدعم الخبز، وترفض رفع سعره لما يمثله من غذاء رئيسي للأسرة المغربية، ونقابات أرباب المخابز والحلويات، الذين يسعون منذ العام 2012 إلى زيادة ثمن رغيف الخبز سنتيمين إضافيين ليصير ثمن قرص الخبز 4.1 درهم، وذلك لتغطية مصاريف الأفران كأجور الخبازين، وتغطية مصروفات الوقود وفواتير الماء والكهرباء والاندثار في مكائن الأفران، كالعجانات الكهربائية، والكونفيرات ــ الأحزمة الناقلة – لكرات العجين، وغيرها من الوسائل الميكانيكية والكهربائية الضرورية لإدامة العمل.

3 أقراص من الخبز معدل استهلاك الفرد المغربي

وقالت نعيمة رجراجي (45 سنة) ربة بيت حول عمل الخبز البيتي “أحرص على أن أعمل خبز أولادي بنفسي في البيت، فهو أفضل من شراء الخبز من الأفران. وحرص نساء هذه الأيام على شراء الخبز من الفرن العمومي يجعل دور سيدة البيت ناقصا. أُعدُّ العجين في البيت وأنا أعرف مكوناته، أما ما نشتريه من الزنقة فلا نعرف ما هي مكوناته. وزوجي لديه ضغط الدم المرتفع وأعمل له خبزا مع خبز العائلة بلا ملح، وهذا بتوصية من الطبيب المختصّ، والحمد لله خبز البيت أكثر بركة ولذة للأولاد. عندي فرن صغير في البيت يعمل على الغاز وأُعدّ كمية خبز تكفينا ليومين أو ثلاثة في كل مرة”.

وترى سيدات آخريات أنَّ عمل المخابز ضروري لتطور الحياة وخصوصا، للسيدة التي تعمل في القطاع الخاص أو العام، فهي لا تجد الوقت الكافي للعجن والخبز والتنظيف والطبخ والتسوق.

وأكثر الموظفات يفضلن شراء خبز العائلة من بسطات الشارع لأن مذاقه أفضل من مذاق خبز الأفران، الذي يجدنه منفوخا بالخميرة الزائدة، ولا يمكن تناوله إلا بإزالة أحشائه الإسفنجيّة غير الناضجة. ولكنهن يطالبن بزيادة مراقبة الجهات البلدية، لما يباع من الخبز في الأسواق أو في الأفران ويعتبرنه من عملها للحفاظ على الصحة العامة، ومراقبة الغش في أوزان الخبز المباع لكي تضع حدّا لاستغلال البعض لهذه المهنة على حساب صحة الناس.

ولكن هناك عاملات وموظفات يجدن الخبز البيتي أفضل، واتبعن طريقة وسطى توفر لهن الوقت والجهد، وتجمع بين عمل سيدة البيت كخبازة للعائلة، وعاملة أو موظفة في الوقت نفسه.

وأفادت سمية زهراوي (30 سنة)، موظفة حول الحل التوفيقي هذا “وجدت أنَّ أفضل طريقة أن أعمل العجين في البيت وأحافظ على نوعية وكميات المواد المستعملة من قمح وسميد وملح وخميرة ونظافته، لأنه سيكون طعام العائلة.

وبعد ذلك أقسمه إلى أقراص كبيرة وأغطيه بقطعة قماش وأرسله إلى أقرب فرن ليتم تحميص الخبز فيه لقاء أجر بسيط. وبعد أقل من خمس عشرة دقيقة تكون أقراص الخبز حارة، ومنظرها يسرّ العين، فأخذها إلى البيت وأقسم الأقراص الكبيرة إلى أجزاء على عدد العائلة، وتكفينا ليوم كامل أو يومين. وهي أطعم مذاقاً واعرف ما فيها من مواد وأكثر صحية وأكثر اقتصاداً في المصاريف”.

ويبقى الخبز في المغرب من أهم ما تتناوله وسائل التواصل وبرامج الأحزاب، ومداخلات أعضاء البرلمان المغربي يوميا، وهو أيضا قطاع اقتصادي مهم يجذب أعدادا كبيرة من الشباب من الباحثين عن فرصة عمل في القطاع الخاص كل عام، خصوصا أنَّ مهنة الخباز لا تتطلب سوى دورة سريعة أمدها 8 ساعات، لتعلم أسرار البراعة في إعداد الخبز الصحي اللذيذ.

20