الإقصاء المبكر من أمم أفريقيا يضع الخضر على صفيح ساخن

لا زالت ارتدادات المشاركة المخيّبة للمنتخب الجزائري في أمم أفريقيا بالغابون، تلفّ الشارع الرياضي، وتفاقم من حدة الجدل الملتهب لدى الأوساط المهتمة، بشكل يوحي بأن إخفاق المنتخب هو أكبر من إخفاق كروي، وأن الاستقطاب القائم يتعدى حدود اللعبة، بالنظر إلى نتائج مماثلة أو أسوأ سجلت في دورات سابقة من المنافسة، لكن الأمر لم يثر كل هذا الجدل المشتعل خلال الدورة الحالية، ولم يشهد مثل هذا الزخم الذي يبقى قشورا بالنظر إلى القضايا الحساسة المغيّبة عن النقاش والاهتمام.
الأحد 2017/01/29
المحاربون يخرجون من الباب الضيق

الجزائر- يوجد المنتخب الجزائري الأول لكرة القدم الآن في منعرج حاسم، في ظل الاهتزازات الشديدة التي خلفتها مشاركة رفاق رياض محرز في دورة الغابون الحالية، فبعد استقالة المدرب البلجيكي جورج ليكنز من تدريب المنتخب بعد أشهر من تنصيبه، أبدى المهاجم إسلام سليماني نيته في الاعتزال الدولي، في حين يوجد رئيس الاتحاد محمد روراوة على كفّ عفريت، وقد تكون الجمعية العامة للاتحاد المقررة في مارس المقبل الباب الذي سيخرجه من مبنى دالي إبراهيم.

وأكدت مصادر محيطة بعناصر المنتخب الجزائري لـ”العرب”، بأن رفاق رياض محرز، يمرّون بظروف نفسية صعبة ومعقدة، قد تؤثر على مسارهم الكروي مع نواديهم في المستقبل، نتيجة ردود فعل الأنصار المستهجنة لأدائهم في الدورة، وحملة الانتقادات الشديدة على شبكات التواصل الاجتماعي، وعبارات الازدراء والسخرية التي طالت أعضاء المنتخب.

ويمرّ المهاجم إسلام سليماني بوضعية نفسية معقدة، بعدما أسرّ لمقربيه برغبته في الاعتزال الدولي، بعد شعوره بعدم رغبة الجمهور وبعض وسائل الإعلام في رؤيته مستقبلا في المنتخب الوطني، لا سيما بعد دخوله في مناوشات وملاسنات مع بعض الجماهير التي رافقت المنتخب إلى الغابون، ومع بعض الصحافيين لدى العودة إلى أرض الوطن.

وتعرف علاقة رئيس الاتحاد محمد روراوة مع بعض الأوساط الكروية والإعلامية المقربة من الحكومة، قبضة حديدية غير مسبوقة، في ظل إدارة تلك الأوساط لحملة قوية من أجل رحيل الرجل، وحتى اتهامه بـ”الخيانة وسوء التسيير”، والدعوة إلى محاسبته رياضيا وحتى جنائيا أمام القضاء، وهو الأمر الذي قابله بتمسّكه بالمنصب واستمراره إلى غاية موعد الجمعية العامة الانتخابية للاتحاد المقرّرة في شهر مارس المقبل.

ورغم الإشاعات التي رافقت محيط رئيس الاتحاد، حول قراره بالانسحاب من موقعه، خاصة بعد إصابته بوعكة صحية اضطرته بعد انطلاق الجولة الأولى من النهائيات، للانتقال من ليبرفيل إلى باريس من أجل تلقّي العلاج وإجراء فحوص طبية معمقة، إثر ظهور متاعب قلبية لديه، فإن الرد جاء سريعا من الرجل القوي، وأبدى تمسكه بمنصبه وما أسماه بـ”احترام من وضعوا فيه الثقة”، في إشارة للجهات التي تدعمه في هرم السلطة.

وأسر محمد روراوة لمقرّبيه بأنه “لم يتعود من قبل على التهرب من مسؤولياته، وأنه عازم على رفع التحدي وتقديم ترشحه لعهدة رئاسية أخرى، خلال أشغال الجمعية العامة القادمة، وأنه وفر كل شيء للمنتخب من أجل النجاح، لكن شاءت الأقدار أن يغادر المنتخب دورة الغابون مبكّرا”.

وما يؤكد نوايا الرجل في الاستمرار في مبنى دالي إبراهيم، إقراره لتصور جديد من أجل إعادة ترتيب بيت المنتخب، من خلال الإعلان عن مناقصة للراغبين في قيادة الإدارة الفنية للمنتخب، سيعلن عنها منتصف شهر فبراير المقبل، بالمركز التقني للمنتخبات الوطنية بضاحية سيدي موسى بالعاصمة الجزائرية.

أوساط كروية في الجزائر تتداول عدة أسماء، لخلافة المدرب البلجيكي جورج ليكنز، على غرار الفرنسي رولان كوربيس، والمغربي بادو الزاكي، والجزائري جمال بلماضي، وحتى خير الدين ماضوي

حملة الإطاحة

في المقابل قالت مصادر مطلعة لـ”العرب”، بأن تحرك دوائر مقربة من السلطة في حملة الإطاحة بالرجل لم تأت من العدم، لو لم تتلقّ إشارات خضراء من دوائر عليا في السلطة، لتشويه صورة الرجل في الشارع الجزائري وتهيئة الرأي العام لإسقاطه وتعليق شماعة الفشل على مشجبه، في خطوة لامتصاص غضب الجماهير العريضة والحفاظ على استقرار الشارع، وفي ظل توظيف السلطة لورقة المنتخب الوطني لكرة القدم، كورقة للسلم الاجتماعي.

ويسود إجماع لدى الفنيين والمختصين في الجزائر، على أن الحصيلة المخيبة لأشبال المدرب المستقيل جورج ليكنز، هي نتيجة طبيعية لجملة من التراكمات السابقة ومن العوامل المختلفة التي ساهمت في الأداء الباهت للخضر والخروج المبكر من الدورة، رغم الإمكانيات المتاحة والصخب الإعلامي الذي رافق المنتخب.

ويرى التقني سعيد حموش في تصريح لـ”العرب”، بأن المشاركة المخيّبة كانت منتظرة رغم محاولة البعض القفز على الحقائق والأمر الواقع، والأهمّ في هذه الظروف هو الهدوء والرصانة والتشاور الهادئ حول تشخيص الوضعية، واقتراح الحلول الناجعة، وكلّ توجّه إلى ردود الفعل الانفعالية والقرارات الساخنة، سيزيد من تأزيم الوضع والاستمرار في حالة انحدار الكرة الجزائرية بشكل عام.

وأضاف حموش قائلا “الشيء الواضح هو أن عدم الاستقرار في الإدارة الفنية للمنتخب ساهم في اهتزاز اللحمة وعدم التناسق والانسجام بين عناصره، فمن غير المعقول تغيير أربعة مدربين في ظرف سنتين، وهذا في غير صالح المنتخب تماما، وحتى أحادية القرارات في السابق، وعدم تفعيل الهيئات المختصة كالمديرية الفنية للمنتخبات الوطنية، وغياب سياسة واضحة في الاهتمام بالدوري المحلي، كلها أمور ساهمت في هذه الوضعية البائسة للمنتخب، فلا أحد علم أو أستشير في شأن المعايير المنتجة في اختيار الناخب الوطني، وغير منطقي أن يخطئ الاتحاد في الاختيار للمرة الثانية على التوالي”.

وعلى ذكر الخليفة المنتظر للمدرب البلجيكي جورج ليكنز، تتداول أوساط كروية في الجزائر عدة أسماء، على غرار الفرنسي رولان كوربيس، والمغربي بادو الزاكي، والجزائري جمال بلماضي، وحتى خيرالدين ماضوي المدرب العائد لتدريب نادي وفاق سطيف، والهدف من كل ذلك البحث عن الشخصية القوية والممارسة للعبة، من أجل إعادة الانضباط داخل المجموعة.

إلا أن مصادر من محيط روراوة، تؤكد بأن الرجل لا يريد الوقوع في أخطائه السابقة، وينوي إنشاء لجنة فنية وطنية توكل لها مهمة اختيار مدرب كفء، بإمكانه قيادة المنتخب إلى برّ الأمان، وتتشكل من لاعبين قدماء وفنيين من جميع الأجيال، لتضطلع بمهمة وضع المعايير المطلوبة في الناخب الجديد واقتراح الأسماء على روراوة للشروع في عملية التفاوض.

ويبقى الموقف النهائي للجهات الداعمة لمحمد روراوة، هو الحاسم في مستقبل الاتحاد والمنتخب، لأن تصريحات الوزير الأول عبدالمالك سلال، ووزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي، حول تقييم المشاركة في أمم أفريقيا، لا تعدو إلا مجرد زوبعة في فنجان، بالنظر إلى قوة الرجل واستقوائه بجهات نافذة في السلطة، وهي الكفيلة بتجديد الثقة فيه أو إبعاده، حسب النوايا والمعطيات المتوفرة لديها، حول تراجع تأثير المنتخب في إلهاء الشارع عن القضايا الحساسة الأخرى.

وكان وزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي، قد طالب اتحاد الكرة بتقديم توضيحات للشعب على خلفية خروج الخضر من الدور الأول، وقال “الموضوع يستدعي تقييما هادئا ومتأنيا، لاستخلاص العبر ودعم استقرار الفريق الذي تنتظره مواعيد أخرى هامة”. وأضاف ولد علي “من الطبيعي جدا أن تجتمع الوزارة مع اتحاد الكرة وأعضاء المكتب التنفيذي لتقديم الشروحات اللازمة وأسباب الإخفاق والمشاركة الضعيفة، ومن ثمة إيجاد الحلول وتصحيح الأخطاء بعيدا عن الإثارة والانتقاد الهدام، وأظن أن الجميع يتحمل الخسارة، اتحاد الكرة مطالب بتقديم توضيحات للشعب، لأن المنتخبات الوطنية تمثل السيادة الوطنية”.

دعوات لإصلاح كروي شامل والعودة إلى خزان الدوري المحلي

وتابع “من المهم جدا المحافظة على الأمل ومساندة المنتخب في الظروف العصيبة والتحضير للمستقبل، يجب رفض سياسة نكران الجميل والجحود في حق منتخب لطالما أثلج قلوب المشجعين، لذلك من الضروري دعم الاستقرار، وإن الحكومة مستعدة لانتقاء أحسن اللاعبين وانتداب أحسن المدربين”.

وشدد على أن الحكومة لا تتدخل في عمل الاتحادات التي تحكمها الجمعيات العمومية، ولكن نتشاور وننسق معها بغرض إيجاد الحلول، وهي إشارة واضحة لتلافي الحكومة الدخول في صدام مع الهيئات الرياضية الدولية و”الفيفا” تحديدا، التي تحظر تدخل السّلط الحكومية في عمل الهيئات التابعة لها. وهو نفس الخطاب الذي صرّح به في وقت سابق رئيس الوزراء الجزائري عبدالمالك سلال حول تقييم مشاركة المنتخب الجزائري في نهائيات بطولة كأس أمم أفريقيا، بعد عودة المنتخب إلى البلاد.

التمسك بالبقاء

كان رئيس الاتحاد محمد روراوة، قد أكد في بيان نشر على موقع الهيئة على الإنترنت، بأنه باق في منصبه إلى غاية موعد الجمعية العامة الانتخابية المقررة في شهر مارس المقبل، ونفى نفيا قاطعا أن يكون قد صرّح أو أسرّ لأيّ جهة من الجهات بقرار انسحابه، وأنه كان بصدد فعل ذلك قبل سنتين، إلا أنه نزولا عند رغبة الجهات التي تثق فيه واحتراما لها لم يفعل ذلك حينذاك ولن يفعله الآن. وهو الرد الذي يوحي بأن الرجل لا زال يحظى بثقة الجهات النافذة في السلطة، وأن مصيره لا يحدده حتى المسؤولون في الحكومة، ما يعكس قوة وتغوّل الرجل وثقل ورقة المنتخب الوطني في حسابات السلطة، وهناك في الشارع الرياضي ومن الفنيين، من يساند خيار الإبقاء على روراوة من أجل استقرار المنتخب، مع إعادة النظر المنتهجة في بناء وتسيير التشكيلة الوطنية. وكان الرجل قد أعلن منذ سنتين عن استغناء الاتحاد عن المساهمات المالية للحكومة، وتحقيقه لاكتفاء مالي ذاتي في تسيير شؤونه، وهي خطوة تحرج الجهات الرسمية بطلب تقديم الحساب لها، بما أن خزينة الهيئة مموّلة بجهد ذاتي، والهيئات التابعة له هي المخول الوحيد للنظر أو محاسبة الرجل، وهو الذي لن يحدث نظير تحكّمه في محيطه الإداري والفني العامل معه.

وصرّح نجم منتخب ثمانينات القرن العشرينات ونادي بورتو البرتغالي رابح ماجر، المحسوب على التيار الكروي المناوئ لمحمد روراوة، عقب إقصاء الخضر في الدور الأول، بأننا “تحدثنا عن الحلول العاجلة قبل أن يأتي المدرب البلجيكي جورج ليكنز، والمنتخب الوطني لن يصل إلى أيّ شيء ولن يحقق أيّ نتيجة بسبب السياسة المنتهجة”.

وأضاف “منذ سنوات وأنا أقول هذه السياسة لن توصلنا إلى أيّ هدف، والناس الذين أوصلونا إلى هذا المطاف هم الذين يتحمّلون المسؤولية، وهناك أشياء كثيرة يجب أن تتغير، وتغيير المدرب لن يجدي نفعا إذا استمرت السياسة المنتهجة، وكما تم إفشال المنتخب وتخييب أمل ملايين الجزائريين، لا بد للمسؤولين أن يجدوا الحلول المناسبة”.

وتابع “ليكنز مدرب انتهازي، جاء لقضاء مصالحه ثم يغادر، ومهمته لم تتعدّ التقليل من حجم الكارثة، وكان على المسؤولين الإنصات لصوت المختصين واللاعبين القدماء، وهذه النتائج المخيّبة هي نهاية سياسة التفرد بالقرار والتعتيم على المنتخب، وتغييب الدوري المحلي، والتحضير السيء وغير المناسب لمثل هذه المنافسة”.

ويرى رابح ماجر، بأن حلول المنتخب الوطني، تكمن في إصلاح الدوري المحلي، وتكوين نادي المنتخب، الذي يضم النواة الأساسية من لاعبين محليين، تتدرب أسبوعا في الشهر وتجري مباريات وديّة في الجزائر وأفريقيا، ويتم تعزيزها باللاعبين اللامعين في الدوريات الأوروبية خلال تواريخ الفيفا، وهكذا يتم صنع الانسجام والتوافق والتكيف مع المناخ الأفريقي، ويكون اللاعبون في متناول الناخب في أيّ توقيت.

كاتب جزائري

22