الإقصاء والتهميش في الثقافة التونسية

الثلاثاء 2013/09/24

التّباغض والحسد والكراهيّة والحقد بين المثقّفين في تونس ظاهرة قديمة ومتأصلة فيهم. وقصّة ابن خلدون أكبر شاهد على ذلك. فقد عاد صاحب "المقدّمة" إلى تونس، مسقط رأسه، بعد غياب زاد على العشرين عاما. وكان آنذاك قد تجاوز سنّ الأربعين، واكتسب خبرة سياسية واسعة في مجالات متعدّدة، وأصبح مسموع الكلمة لدى الأمراء والسلاطين وذوي الشأن.

وما إن باشر التدريس في جامع الزيتونة، وأصبح يحظى بتقدير من السّلطان الحفصي حتى شرع الشيوخ والفقهاء بتحريض من الإمام ابن عرفة المعروف بالتزمت والتحجّر في تدبير المؤامرات والدسائس ضدّه. وظلّوا ممعنين في ذلك إلى أن انتفى صبر ابن خلدون فغادر موطنه موجع القلب ليتوجّه إلى الشرق ولن يعود منه أبدا.

وحورب الشابي، أشهر شاعر تونسيّ في القرن العشرين، بشدّة من قبل مثقّفي زمنه، واُتهم بالإلحاد. فلمّا "يئس من المشاريع التونسيّة" حسب تعبيره، أرسل قصائده إلى مجلّة "أبولو" فسارعت باحتضانه ليصبح أحد ألمع أصواتها. وفي مذكراته، كما في رسائله، نلْمسُ المرارة الكبيرة التي كان صاحب "أغاني الحياة" يشعر بها جرّاء الحروب التي كانت تشنّ ضدّه قصد الحطّ من موهبته.

وفي رسالة بعث بها إلى صديقه محمد الحليوي في صيف 1934، أي قبيل وفاته، وفيها يطلب منه إعادة المقتطعات التي كان قد ترجّاه ترويجها بهدف الحصول على ما يمكن أن يساعده على طبع ديوانه، كتب الشابي يقول: "وأمّا المقتطعات التي كنت أرسلتها إليك، وكلّفت بها بعض معارفك، فإذا تؤمل زيادة الرواج فيها فأبقها عند أصحابها إلى حين، وإذا كان لا أمل لك في زيادته فارجعها إلى "الحامّة" أيضا، والمجنون من يحرق نفسه بخورا أمام هذا الإله الغبيّ الجاهل الذي يسمّى "الشعب التونسي". وأنا ذلك المجنون يا صديقي". وعانى الطاهر الحداد من مثقّفي عصره ما عاناه الشابي فمات كمدا، ولم يحضر جنازته غير نفر قليل من المخلصين له ولأفكاره التي ألهبت غضب المتزمّتين من رجال الدين فكفّروه، وحرّضوا عليه العامّة لضربه وإهانته في الشوارع وفي الأسواق.

وأذكر أن الراحل البشير خريف اشتكى لي بمرارة وحزن في حوار أجريته معه قبل وفاته بشهرين، من المظالم التي تعرّض لها من أهل زمنه، ومن الأساتذة الجامعيين بالخصوص الذين دأبوا على مدى عقود طويلة على تعْيير إنتاجه القصصي والروائي زاعمين أنه "أدب شعبويّ ساذج". فلمّا رحل عن الدنيا عام 1983، طفقوا يصنّفون حوله الدراسات والأطروحات!!

وبعد سقوط نظام بن علي، اقتحم المشهد الثقافي "ثورجيون" متطفّلون على الإبداع والثقافة، وباسم ثورتهم الكاذبة اعتلوا المنابر واقتحموا وسائل الإعلام بمختلف أنواعها ليشيعوا ثقافة الرداءة والزيف، مقصين أصحاب المواهب الحقيّقيّة، ومشوّهين صورتهم عبر الأكاذيب والإشاعات المغرضة. والبعض منهم اشتطّ بهم الحقد حدّ أنهم سعوا إلى قطع أرزاق من يعلمون جيّدا أنهم يفوقونهم موهبة.

وظنّي أن أوضاع المثقفين، والمبدعين الحقيقيين ستزداد سوءا بسبب النّعرات الثورجيّة التي تفاقمت خلال السنتين الماضيتين بشكل مخيف ومريع فما عدنا نسمع غير النّعيق والزّعيق.

14