الإقصاء وثقافة الاختلاف

الثلاثاء 2014/05/06

وأخيرا تمت المصادقة في المجلس التأسيسي التونسي على قانـون الانتخابـات بعد تجاذبات ومعارك سياسية طويلة أدت إلى انقسامات داخل الأحزاب بسبب البند عدد 167 المتعلق بإقصاء كل الذين تحملوا مسؤولية سياسية داخل الدولة، وفي الحزب الدستوري الحاكم في العهد السابق عن الترشح في الانتخابات المقبلة. وقد صوّت المجلس بعـد لأي ضد هـذا البند، وبذلك لن يكون هناك أي إقصاء ممكن فانتصرت الديمقراطية على بقايا الفكر الاستبدادي.

وأكاد أجزم أن تاريخ تونس المعاصر لم يشهد نقاشا متوترا حول فصل قانون مثل الذي وقع حول هذا الفصل، إذ توالت التجاذبات والخطب والمعارك الأيديولوجية والتطاحنات السياسية، ووصل الأمر إلى ما لا يطاق عندما قام نائب في آخر الجلسة المخصصة للقانون بصب غضبه على المرأة التونسية ونعتها بما لا يقال معتبرا أنها أصل البليّة. فقد عرض هذا الفصل مرتين على التصويت ولم يتحصل على 109 أصوات اللازمة لكي يتم إقراره في القانون.

ومن المفارقات العجيبة أن الذين سمّوا أنفسهـم ديمقراطيين، وبعض الذين ناضلوا في السابق مـن أجـل حقـوق الإنسان، وضد كـل أوجه الإقصاء صوّتوا مع الإقصاء بينما من كان يصول ويجول لإقصاء الكافرين المرتدين واللائكين المفسدين صوت ضد الإقصاء.

ولا يمكننا فهم هذه المفارقة إلا إذا ما انتبهنا إلى الوضع السياسي بالبلاد الذي أخرج حزب النهضة من الحكم وفتح المجال لأهل الكفاءة لإعادة تنظيـم الحياة الاقتصاديـة والأمنية والاجتماعية، وهـو ما جعل حزب نداء تونس الذي ضم حساسيات سياسية متنوعة من بينها الحساسية الدستورية وكفاءات وطنية لا يستهان بها تتصدر عمليات سبر الآراء الخاصة بالانتخابات القادمة.

فما كان على حزب النهضة إلا أن يعدّل أوتاره ويقترب من نداء تونس لكي لا يجد نفسه خارج اللعبة السياسية، بينما أرادت الأحزاب الأخرى الصغيرة تكسير هذا التقارب الممكن بالتصويت مع الإقصاء لإضعاف نداء تونس باعتبار أن الكثير من قادة هذا الحزب كانت تنتمي لزمرة المسؤولين في العهد السابق التي سيشملها هذا الفصل من القانون لو تمت المصادقة عليه. معنى ذلك أن الحسابات السياسوية الضيقة قد تغلبت على المبادئ.

والحقيقة أن تونس قد نجت من تغلغل فكر إقصائي جديد يدعـم التوجه الديكتاتـوري باسم تحقيق أهداف الثورة ويهز أركان الديمقراطية الهشة التي طالب بها الشعب منذ الاستقلال. لسنا ننكر أن المسؤولين السابقـين في العهد المنقضـي داخل الحزب الحاكـم وفي أجهزة الدولة قد كان لهم ضلع في الفساد والاستبداد. ولكن إقصائهم يجب أن يكون بحكم شخصي غير جماعي صادر عن المحاكم المختصة. وذلك من أبسط حقوق الإنسان أن لا نتهم جماعة ونحاكمها ونعاقبها. فالعقاب الجماعي غير مقبول لأنه غير معقول والمحاكمات العادلة لا تكون إلا للأفراد. ولسائل أن يسأل كيف يدعم الإقصاء التوجه الديكتاتوري؟

في واقع الأمر عملية الإقصـاء فـي المجتمـع والسياسة تتمثل في عـدم الاعتـراف بالآخر من حيث هو آخر له نفس الحقوق في أن يختلف عنك ويناضـل بطـرق قانونيـة مـن أجل أفكاره حتى وإن كان هذا النضال متوجها ضد قناعاتك وتفكيرك وعدم إعطاء مواقفه وآرائه حق قدرها وحشـره في قائمـة الخونـة تمهـيدا لتصفيتـه معنويـا أو جسديا.

وقد تمت ممارسة الإقصاء بأشكال مختلفة في عهد الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، فتمّ إقصاء الحركات اليسارية والقومية بالسجن والتعذيب والإبعاد والتكتم والمنع والتقتيل، ثم تلا ذلـك إقصاء الحركات الإسلامية بنفس الوسائل، ووصل الأمر حد محاربة المجتمع المدني مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها.

ولكن صمود هذه المنظمات الأخيرة وعلى رأسها المنظمة الشغيلة (الاتحاد العام التونسي للشغـل) التي مارست ثقافة الاختلاف وحرية التعبير كان كافيا للتشهير بالإقصاء واعتباره عقلية استبدادية تقويضية للحقوق يجب طي صفحتها نهائيا إذا ما رمنا بناء نظام ديمقراطي حقيقي.

وفي رأينا يكون النضال ضد ثقافة الإقصاء ببلورة مفهوم التسامح المبني على فلسفة الغيرية، فالتسامح المؤسس على قيم الانفتاح والخلق واستشراف المستقبل والاختلاف هو الذي يضمن طريقنا في بناء الديمقراطية وتأسيس العيش معا في كنف الكرامة، مما يجعل علاقة الذات بالآخر غير منفصلة وتشير إلى تنظيم واقعي محدث لسيرورات التماهي التي تخصّص لمفهومي الهوية والاختلاف، ولوظيفتهما الخاصة في المجتمع بشكل عام.

فالتسامح هو الثقافة التي تمكّن، في نفس الوقت، من احترام الاختلافات الفكرية والعقائدية للأفراد، ومن التأكيد على الصبغة الكونية لكل ثقافة تسامحية مهما كان حجمها لتصبح خيرا من الخيرات المشتركة للإنسانية برمتها، بما أنها تمنع الإقصاء وتعترف بالتنوع المذهبي والفكري والثقافي محليا وكونيا.

ولا بد أن نلاحظ هنا أن التنوع الثقافي لا يشمل المجتمعات المتعددة والتحولات الأنثروبولوجية للمجتمعات المعاصرة فقط، تلك المجتمعات التي تقبل أكثر فأكثر لأسباب اقتصادية حضور ثقافات متعددة و تجمعات كثيرة، وبالتالي تنوعا كبيرا لأنماط الحياة. فهو يشمل الآن مجتمعات موسومة بالواحدية الثقافية نظرا لسرعة تنقل البشر والسلع والمعلومات والأفكار والمذاهب والأيديولوجيات.

فالمكونات الفكرية الشمولية التوحيدية قد تصبح تراجعية ارتدادية تعيق التطور والتحديث إذا بنت نسقية توحيدها على الإقصاء واستبعاد الأفراد والمجموعات ونبذ الاختلاف.

ولأجل ذلك حاول بعض المفكرين والفلاسفة تعميق التجربة الكندية المعروفة التي تربط بين الاندماجية والاختلافية.

ورغم أن النقاش حول هذه التجربة قد أخذ، في النهاية، بعدا سياسيا قامعا نوعا ما لتعبير الاختلاف داخل البلدان الديمقراطية، بحيث قد يجبر أصحاب القـرار الناس بواسطة كل الوسائل التكنولوجية المتاحة على الانضواء في حقل أيديولوجي معين، وعلى الموافقة سواء كانـت ضعيفة أو ذات شأن على مشروع وحيد وشكل من الوحدة الثقافية والأيديولوجية، فإن حق الاختلاف دون المساس بالمصلحة الجماعية الوطنية يبقى الضامن الحقيقي لبناء ديمقراطية إيجابية وغير إقصائية، باعتبار أن الإقصاء هـو من مشمولات القضاء وليس من مشمـولات السياسة.


كاتب ومفكر تونسي

8