الإلهاء المبرمج

الأحد 2015/11/08

تعمل مجموعة من العلماء الغربيين لتحقيق هيمنة التقنية الحديثة على العقل البشري، هيمنة مطلقة، وتروّج المجموعة لفكرة “طمأنة البشر”، والإيحاء بإمكان الطب والعلاج النفسي أن يتعامل مع نتائج العنف والحروب والسلاح النووي على البشر، فيوهمنا هؤلاء العلماء أنه بوسع العلم إصلاح الدمار الذي تحدثه حروبهم من كوارث للبلدان الأخرى وشعوبها وبيئتها وعلينا أن نتقبل أسلحة الدمار والقنابل النووية لحماية مكتسبات البشرية كالديمقراطية ومجتمع الاستهلاك والوفرة، ويفضي هذا التضليل إلى عماء البشرية وعدم رؤيتها للأضرار التي ينتجها التقدم العلمي المفرط فتبرمج عقولها على القبول بالجهل السعيد والتفاؤل الأبله والإلهاء.

ونقرأ للفيلسوف الفيزيائي باسكال في كتابه (تأملات باسكال) عن فكرة الإلهاء (رغم وجود آلاف الأسباب التي تشعر الإنسان بالملل نجد أن أتفه الأمور مثل دفعة كرة بلياردو تكفي لإلهائه، وسوف يجد المرء السعادة مهما بلغ حزنه إذا اقتنع بممارسة بعض وسائل الإلهاء، إلا أنه ومهما بلغ من سعادة سريعا ما يكتئب، ويشعر بالتعاسة إذا افتقد عنصر الإلهاء، فيتحول عن الواقع والحقائق الوجودية الأساسية وينغمس في الملذات والألعاب التي تمنحه بهجة التنافس والفوز وذلك أخطر ما يواجهه المجتمع المعاصر من تحديات فالإلهاء عنصر إدماني كمثل مشاهدة مباريات كرة القدم أو ممارسة الألعاب الإليكترونية التي تحقق أقصى درجات العزلة ففي لعبة الشطرنج التقليدية كان الأساس هو تكوين روابط اجتماعية وتحفيز العقل لإيجاد حلول منطقية، أما الشطرنج الإلكتروني فإنه يصبح عنصرا للانغلاق ضمن عزلة الانبهار بالآلة المدهشة.

يعتبر بعض الباحثين ومنهم الفرنسي جاك إييلول أن الألعاب التقنية تمثل أعظم الأخطار التي تمسخ البشرية ومجتمع الغد، لأنها تؤدي إلى عالم غير حقيقي ولا تختلف في تأثيراتها عن المخدرات وإدمان القمار، فهي تحوّل الإنسان عن الاهتمام الجاد بالمعنى والتطور وترسيخ القيم الضرورية لحياة إنسانية حقيقية، بل تدفع بالملايين إلى مجال عبثي وتخرجهم من العالم الواقعي إلى الوهم.

ويكشف جاك إييلول في كتابه -خدعة التكنولوجيا- أن هذه هي أهداف “الخطة العظمى” وهي خطة دمج البشرية في النظام التقني ولهذه الخطة ثلاثة جوانب خطيرة: ففي المركز توجد البشرية التي جرى تكييفها بشكل كامل لمتطلبات العلوم والتقنيات التي تعمل بطريقة سلسة ويدرب عليها البشر منذ صغرهم ويكيّفون تماما، ويجري الترويج لهذا في المحافل العلمية والسياسية.

وفي الجانب الثاني من هذه الخطة تقف البشرية المبهورة بمعجزات العلم والتقنية وما تتيحه لها من حياة مرفهة ممتعة، أما في الجانب الثالث فهناك البشرية التي كرست لموضوع “الإلهاء” بالألعاب الإلكترونية والمباريات الرياضية والانتخابات وتعمل الخطة على تحقيق بشرية مكيفة وسعيدة منوّمة تعنى بصحتها ورشاقة الجسد عبر عمليات التجميل والنحت والحمية والتدريب الرياضي دون اعتبار للقيم الأخلاقية والروحانية والأفكار، بشرية لا تمارس الاحتجاج ولا تعنى بغير متعة الفوز وتتقبل “الإلهاء” باللعب والتنافس المظهري والانتخابي وما علينا في هذه الفئة سوى أن نلعب ونعمل ويتولى المسؤولون قيادتنا ويمنحوننا أجورا ننفقها على شهوات الاستهلاك الذي يشكل الهدف الأساسي للخطة، فبدون الاستهلاك تتباطأ حركة تداول الأموال وتتوقف المصانع وتنخفض أرباح الصناعيين، وبين حين وآخر يجري اختراع عدو مخيف كي تفرغ عليه الجماهير غضبها وتشعر باستقلاليتها وحريتها في الكراهية والعنف، وتنحصر واجبات البشر المبرمجين في الخطة العظمى بأربع مهمات: العمل المنضبط وعدم الاهتمام بالأمور العامة وممارسة الاستهلاك المفرط وتصديق الإعلام وتبني معلوماته وتقبل مقترحاته دونما مساءلة أو تفكير.

كاتبة من العراق مقيمة في عمان

11