الإلهام والخيانة وجمال المحبوب والخوف من الفراق

الأحد 2013/12/08
وليم شيكسبير في بورتريه من القرن الثامن عشر.

أشرنا في مقال سابق إلى أن كتاب "الغنائيات" لشكسبير، ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الصادر في إطار مشروع "كلمة" للترجمة في ابوظبي يحتاج إلى ثلاثة مقالات على الأقل كي نفي هذا الكتاب حقه. فقد بذل الباحث والناقد والمترجم لؤلؤة جهداً كبيراً في كتابة مقدمة وافية لهذه الغنائيات، كما عزّزها بشروحات مستفيضة عن كل غنائية على انفراد وهي تحيط القارئ علماً بالجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية إلى حدٍ ما للعصر الإليزابيثي. كما نقل لنا بأمانة شديدة غالبية آراء النقاد والباحثين البريطانيين الذي انهمكوا في تفسير هذه الغنائيات وتأويلها، على الرغم من انطوائها على عدد كبير من الإشارات والدلالات الحقيقية والمجازية.

قسّم لؤلؤة "غنائيات" شكسبير إلى ثلاثة أبواب بحسب الموضوعات المهيمنة على كل باب، حيث ضمّ الباب الأول الغنائيات من "1-17" التي يحثّ فيها الشاعر صديقَه الحبيب على الزواج كي ينجب طفلاً يديم به صورة أبيه في شيخوخته أو رحيله. وهذا المقال مكرّس أصلاً للحديث عن الباب الأول فقط. أما الباب الثاني فيشتمل على الغنائيات المحصورة بين "18-126" التي تتمحور حول ثيمات عديدة نذكر منها الحب، وجمال المحبوب، وتذلل العاشق للمعشوق، واختلاط الحواس، والقطيعة المُفترَضة، والخيانة، والإلهام، والسهر، والخوف من الشيخوخة والفراق وما إلى ذلك. فيما يتضمن الباب الثالث والأخير على الغنائيات الممتدة من "127-152" المكرّسة للخليلة السمراء التي أسرت قلب الشاعر وصديقه الحبيب في آنٍ معا.

وقد احتفى هذا الباب بموضوعات مستوحاة من الموشحات والأزجال الأندلسية مثل الحب الأرضي، والشهوة الجنسية، وسهام الألحاظ القاتلة وغيرها من الثيمات الغريبة على التراث الشعري البريطاني. وقد أفرد لؤلؤة ضمن هذا الباب قراءة خاصة للغنائيتين الأخيرتين "153-154" لأنهما تُماهيان بين الحُب والشبق الجنسي الذي قد يصل إلى حدّ البذاءة.

إن ما يميّز الغنائيات السبع عشرة الأولى هو تعدد ثيماتها الرئيسة وتنوِّع الأفكار الثانوية المبثوثة بين تضاعيفها. وعلى الرغم من أنّ هذا الباب برمته يعالج فكرة العزوف عن الزواج، وعدم إصغاء المحبوب إلى كلام الشاعر الذي يحثّه على الزواج والإنجاب "كي لا تغيب وردة الجمال" إلاّ أنه يتناول العديد من الموضوعات المهمة التي كانت ولا تزال تشغل أذهان الوسطين الثقافي والاجتماعي في آنٍ معا مثل الإسقاطات الإيروسية والهوس الجنسي الذي كان قائماً آنذاك بفعل التأويلات الفرويدية التي وجدت طريقها إلى القرّاء الأميركيين بشكل خاص والأوروبيين بشكل عام.

ولو توقفنا عند الغنائيتين الأولى والثانية فقط لعزّزنا صحة ما نذهب إليه. فعبارتا "وقودك الذاتي" في الأولى تُقرأ فرويدياً على أنها "استمناء" يورث الجدب ولا يفضي إلى إنجاب الولد. كما يعزو الفرويديون عبارة "عينيكَ الغائرتين" في الثانية إلى "تعاطي العادة السريّة" عند الشباب غير المتزوج. لا تحظى هذه التأويلات الفرويدية باهتمام كبير من قبل الناقد عبد الواحد لؤلؤة لأنه يرى فيها غلواً ومجافاة لواقع الحال في العصر الإليزابيثي. وتتكئ بعض الغنائيات على الاستعارات والتشبيهات المأخوذة من لغة المال والاستثمار الأمر الذي يمنح الغنائيات جواً مختلفاً عن الغنائيات الأخرى. فالمحبوب في الغنائية الرابعة مثل "المرابي" الخاسر الذي يملك الكثير من المال، ويستهلكه في الوقت ذاته، لكنه لا يتمتع به في حياة سعيدة بسبب حرصه الشديد على ما يملك لأن المحبوب في خاتمة المطاف لا يريد لنفسه أن تدوم، ولجماله أن يخلد فلا غرابة أن يوغل الشاعر العاشق في معاتبته، وتأنيبه، وتقريعه في بعض الأحايين.

يدرك شكسبير بحاسته الشعرية المرهفة أن التركيز على الإسقاطات الجنسية والتوريات البذيئة قد تُثقل كاهل القارئ وتجعله يدور في حلقة مفرغة رتيبة، لذلك أراحه في الغنائية الخامسة التي تمحورت حول الطبيعة وما تنطوي عليه من جماليات الفصول والزهور والعطور التي يجب أن نتمتع بها ونلتفت إليها بين أوانٍ وآخر في الأقل إن لم نلتفت إليها يومياً. وحينما يشعر الشاعر العاشق بالضيق من عناد محبوبه فإنه يُذكِّره بالموت، هادم اللذات ومفرِّق الجماعات، لأنه لا يريد لمحبوبه أن يكون غنيمة للموت، وطعماً للديدان المقززة التي تقشعِّر لها الأبدان، وهي صورة بشعة وشنيعة تقابل صورة الجمال الأخّاذ المُحتفى به من قبل هذا الشاعر المتيّم الذي دنّفه حب الجمال بمظاهره البرّانية والجوّانية في آنٍ معا. لا يني الشاعر يذكِّر صديقه المحبوب بأنّ عليه أن ينجب ولداً يخلِّد ذكراه الطيبة وجماله الأخاذ وإلاّ فإنه سوف يموت ولن يجد من يتذكره أو يحفل به.

ينوِّع شكسبير كعادته في موضوعات غنائياته فتارة يلجأ إلى لغة المال والحساب، وتارة أخرى يلوذ بلغة الموسيقى واستعاراتها. ففي غنائيته الثامنة يشبِّه صوت المحبوب بالموسيقى العذبة لكن المحبوب لا يفرح عندما يستمع إلى الموسيقى ولا يقع في أسر تجلياتها ربما لأنه لا يزال واحداً في دخيلته ولم يقترن بعد بامرأة محددة كي تهبه مَنْ يخلِّد به جماله. فالعدد واحد في التراث القديم لا قيمة له، لأنه ليس عدداً في الأصل كما أنه من دون قرين.

يتحامل الشاعر على صديقه الحبيب في الغنائية العاشرة لأنه لا يزال عازفاً عن الزواج فيقرِّعه تقريعاً عنيفاً لأنه يكرس مفهوم كراهية النسل التي يعتبرها الشاعر هبة سماوية لتخليد الجمال حتى أنه يصف هذا الإعراض عن الزواج بالعار الشنيع. يعالج شكسبير فكرة قِصر العمر من جهة وسرعة زوال الجمال من جهة أخرى. فالإنسان يُسرع في رحلة العمر القصيرة نحو الضعف والضمور والموت، كما أن الجمال زائل لا يدوم فالجميل يذوي ويذبل ويتلاشى شيئاً فشيئاً كما تذوي البنفسجة، وخصلات الشعر الأسود يوخطها الشيب الفضي، والأوراق الخضراء النضرة تصفرّ، وربما يكون التشبيه الأكثر قسوة هو أن سنابل القمح الخضراء تتحوّل إلى حُزَم بيض ذؤاباتها محمولة على عربة أشبه بنقّالة الموتى. فلا شيء يصمد أمام الزمن سوى الوليد الذي يحمل محاسن أبيه. ينبّه لؤلؤة إلى أنّ بعض المترجمين قد أخطأوا في ترجمة عبارة "The brave day" بـ "النهار الشجاع" بينما هي تعني في العصر الإليزابيثي "النهار البديع" أو "البهي".

يُخاطب الشاعر صديقه الحميم في الغنائية الثانية عشرة بكلمة "يا حبيبي" أو بعبارة "يا حبيبي العزيز" التي لفتت عناية النقاد والدارسين إلى معناها المبطّن الذي قد ينطوي على شغف إيروسي ما، فيستبعده الناقد لؤلؤة ولا يقبل بالتأويلات الفرويدية الموغلة في تحميل الغنائيات أكثر من طاقتها. كما ينبّه المترجم إلى أن كلمة "against" لا تعني هنا "ضدّ"، كما ترجمها أحدهم أيضاً، وإنما تفيد معنى التحسّب أو الاستعداد في العصر الإليزابيثي. لذلك فإن الشاعر يقول تحسباً لهذه النهاية المحتومة عليك أن تستعد لتحفظ صورة جمالك وشبابك لإنسان آخر.

تتمحور الغنائية الرابعة عشرة على موضوع الإنجاب والتكاثر اللذين يرتبطان بالتنبؤ بالمستقبل. وهنا يستخف الشاعر بالمنجمّين لأنه يستلهم معرفته من عيني حبيبه ويصفهما بأنهما "نجمان ثابتان لا يتحولان عن الإيحاء بما هو أسمى من بضاعة المنجمين لأنهما يوحيان بالحق والجمال"، فاستقراء الحق واستقطار الجمال يحتاجان إلى منطق أو تفكير سليم وحس راقٍ لا تكدّره أية شائبة.

ولكي تستمر هذه القيم فعلى المحبوب أن ينقلها من روحه إلى روح غيره عن طريق الازدياد. يركِّز الشاعر على ثنائية الخلود والفناء، فالشمس والقمر يترصدهما الغياب، والنهار يمضي نحو الليل، بينما ينتظر الليل بزوغ الفجر، والأكثر هولاً من كل هذا أن الإنسان ماضٍ إلى زوال.

فلا غرابة أن يبرز هذا التحدي الكبير أمام الشاعر الذي يخوض حرباً شعواء ضدّ الزمن من أجل حبه ويحاول أن يخلّد خصاله وجماله في شعره مثلما يفعل الجنائني حينما يطعِّم الأغصان الذابلة ببراعم جديدة تعيد لها النضارة والحياة.

وحينما يئس الشاعر في محاولاته الكثيرة من إقناع المحبوب بدأ يقول بأن شعره عقيم، وأنه لم يفلح في إدامة ذكرى صديقه الحبيب، ويخلّد جماله، لذلك عليه أن يتزوج ويكون مثل الرسّام الذي يرسم نفسه بريشته، أو مثل الشاعر الذي يخلّد اسمه من دون الحاجة إلى شاعر قليل الخبرة ففي الرسم والشعر تستطيع أن تخلّد صورتك للأجيال القادمة. أما في الغنائية الأخيرة في هذا الباب فالشاعر نفسه يرى أن الأجيال المقبلة لن تصدّق هذا الشعر، فعلى الرغم من الإفراط في وصف محاسن المحبوب إلا أنها ليست أكثر من ضريح يخفي هذه المحاسن ولا يكشف عن نصفها، وأن الناس لن يصدقوا هذه المبالغات والأساليب الشعرية العتيقة. ثم يحسم هذا الجدل الذي استمر على مدى سبع عشرة غنائية بالقول: "إنك لو أنجبت طفلاً لعشت مرتين مرة في صورة ذلك الطفل، ومرة في هذه القصائد التي تشيد بك".

لا بد من التنويه في خاتمة هذا المقال إلى أن كِتاب "الغنائيات" لشكسبير هو ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة الذي كتب المقدمة المُحكمة وعزّز كل غنائية على انفراد بشرح مفصّل. وهو ليس إعادة نشر لترجمة قديمة للراحل جبرا إبراهيم جبرا كما أشارت خطأً إحدى الصحفيات مُسببة إرباكاً كبيراً للقارئ العربي، كما صادرت من دون أن تدري حق المترجم والناقد والباحث الكبير عبد الواحد لؤلؤة الذي قبِل بالتحدي وترجم الغنائيات كلها موضحاً فيها كل أشكال اللبس والغموض الذي سبّبه بعض الشرّاح والمفسرين البريطانيين والأميركيين على حد سواء.

15