الإمارات الأرض والناس والزمن في معرض استعادي

المعرض الاستعادي يعد الأول من نوعه للفنان عبدالقادر الريس داخل الإمارات، ويسعى إلى عرض المفاهيم والأساليب التي تميزت بها أعمال الريس على مدار خمسين عاما.
الجمعة 2018/12/21
استلهام من البيئة الإماراتية

افتتحت دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي، الخميس، المعرض الفني الاستعادي الأول من نوعه “عبدالقادر الريس: 50 عاما من الفن”، والذي يتضمن أعمال الفنان الإماراتي الشهير عبدالقادر الريس من أواخر ستينات القرن العشرين حتى يومنا هذا، مستعرضا تطور مسيرته الفنية بدءا من أولى لوحاته التشخيصية المبكرة وصولا إلى سلسلته الأخيرة والشهيرة في فن الخط التجريدي.

أبوظبي- يعد الفنان عبدالقادر الريس (مواليد ﻋﺎم 1951) أحد أشهر الفنانين الإماراتيين في الوقت الحالي وأكثرهم تأثيرا، حيث تمتد أعماله منذ أواخر ستينات القرن العشرين حتى اليوم، وقد علّم نفسه الرسم بالممارسة مستخدما وسائط مختلفة، مثل الألوان الزيتية وألوان الأكريليك والألوان المائية التي تشتهر بها لوحاته، وكانت له الريادة في تشكيل صيغ الرسم في الإمارات.

ويعد المعرض الاستعادي الأول من نوعه للفنان داخل الإمارات، تحديدا منارة السعديات في جزيرة السعديات، ويسعى إلى عرض المفاهيم والأساليب التي تميزت بها أعمال الريس على مدار خمسين عاما، والتي نادرا ما عهدناها سابقا.

ويضم المعرض أكثر من 70 لوحة من أعمال الفنان، مقسمة إلى ستة أقسام هي اللوحات التشخيصية الأولى، الوطن، الأرض والسماء، الناس والزمن، انطباعيات وتجريديات، وحروفيات، التي تتيح لنا استكشاف المراحل الانتقالية والتحولات التي عاصرها الفنان.

ويهدف هذا المعرض الاستعادي الذي يمتد إلى غاية 23 مارس 2019، إلى الجمع بين كافة المفاهيم والأساليب التي تميزت بها أعمال الريس على مدار خمسين عاما، حيث تناول عبدالقادر الريس في لوحاته العلاقة المعقدة بين الإنسان والطبيعة بأسلوب فلسفي مميز، عبر تصوير السماء والأرض والبحر من خلال استخدام مجموعة غنية من الألوان محاولا استكشاف خلق الله الطاهر النقي والبحث عن التوازن بين عناصر الطبيعة.

كما تناول أيضا الطبيعة المفاهيمية للخط العربي في سلسلة متواصلة تحت عنوان “حروفيات”، لتتحدث أعماله الأخرى عن القضايا السياسية والاجتماعية في جميع أنحاء المنطقة العربية، كما وثق الفنان من خلال سلسلة أعماله التشخيصية للمناظر الطبيعية التاريخية والحضرية في الإمارات محاولا الحفاظ على الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية للدولة.

من أعمال عبدالقادر الريس الجمالية في نصف قرن
من أعمال عبدالقادر الريس الجمالية في نصف قرن

ويتناول القسم الأول من المعرض تحت عنوان “اللوحات التشخيصية الأولى” بدايات الفنان من أواخر الستينات إلى أوائل السبعينات والتي كان يشكل البورتريه جزءا مهما منها، حيث اعتاد الريس خلال التحاقه بالمرسم الحر في الكويت على رسم نفسه والأطفال المحيطين به، بالإضافة إلى الطبيعة الصامتة والبيئة المحلية.

ويستكشف القسم الثاني “الوطن” مدى استحواذ المعالم الطبيعية الساحرة على تفكير الريس، متناولا مشاهدات اﻟﻔﻨﺎن ﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺘﺮاﺛﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﺳﺎﻫﻤﺖ اﻟﺤﺪاﺛﺔ واﻟﻌﻮﻟﻤﺔ في ﺗﻐﻴﻴﺮ اﻟﺒﻴﺌﺎت اﻟﺤﻀﺮﻳﺔ ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻪ، ثم بدأ باستخدام أساليب أكثر إشراقا إلى جانب تصويره لفن العمارة، كما أصبحت بيئة الإمارات مصدر إلهام له خلال هذه الفترة الهامة، فاستخدم الريس في لوحاته الهوية التراثية لفنون العمارة التقليدية كالبراجيل وقوارب الداو التي أصبحت بمثابة نافذة تطل على الماضي، وتؤيد فكرة الحفاظ على التراث الثقافي الإماراتي.

وينفرد القسم الثالث “الأرض والسماء” ﺑﻌﺮض اﻟﻤﻨﺎﻇﺮ اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ والبيئية للإمارات، وﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﻠﻮﺣﺎت ﻛﺒﻴﺮة زاﺧﺮة ﺑﺄﻟﻮان اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻹﻣﺎراﺗﻴﺔ وروﺣﻬﺎ سعيا إلى اكتشاف الطمأنينة والسلام الداخلي، حيث اهتم عبدالقادر الريس في أعماله برسم الجبال والصحارى الرملية والواحات والنباتات والبحر والسماء بعيدا عن البنايات الشاهقة الارتفاع.

وفي القسم الرابع “الناس والزمن” نستكشف كيف استخدم الريس الرسم كوسيلة للتعبير عما يمر به العالم العربي من أزمات، وقد تناول هذه اﻟﻤﻮاﻗﻒ واﻷﺣﺪاث ﺑﺎﺳﺘﺨﺪام اﻷساليب اﻟﺴوﺮﻳﺎﻟﻴﺔ واﻟﺘﻌﺒﻴﺮﻳﺔ اﻟﺘﺠﺮﻳﺪﻳﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻴﺢ ﻟﻪ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﺤﺎﺟﺔ اﻟﻤﻠﺤﺔ واﻻﺗﺼﺎل اﻟﻮﺛﻴﻖ ﺑﺎﻟﻨﺎس في اﻟﻌﺎﻟﻢ العربي.

وتعد سلسلة أعمال القسم الخامس “انطباعيات وتجريديات” مثالا على افتتان عبدالقادر الريس الدائم بالعمارة التقليدية في منطقة الخليج العربي واتجاهه نحو التجريدية، حيث ﻳﺪﻣﺞ ﺑﻴﻦ اﻷﺷﻜﺎل اﻟﺘﺸﺨﻴﺼﻴﺔ واﻟﺘﺠﺮﻳﺪﻳﺔ، وﻳﺠﻤﻊ ﺑﻴــﻦ اﻷﺷﻜﺎل واﻷﻧﻤﺎط اﻟﻤﻤﻴﺰة اﻟﻤﺴﺘﻮﺣﺎة ﻣﻦ اﻟﻤﻨﺎﻇﺮ اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ واﻟﻬﻨﺪﺳﺔ اﻟﻤﻌﻤﺎرﻳﺔ اﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳة في ﻣﺠﺎل ﻣﻠﻲء ﺑﺎﻷﻟﻮان اﻻﻧﻄﺒﺎﻋﻴﺔ، ويشير عنصر المربع في لوحاته إلى العمارة التقليدية وإلى “النقطة” في حروف اللغة العربية، حيث تعمل الأشكال المربعة كأداة تعزز الدور المتغير للضوء والظل.

وأخيرا ، القسم السادس “حروفيات” الذي يتجلى فيه إدخال الفنان عبدالقادر الريس الخط العربي في أعماله التجريدية، حيث انتهج هذا الأسلوب للتعبير عن هويته العربية والثقافية بطريقة مجردة غير موضوعية ﻻﺳﺘﻜﺸﺎف ﺗﻔﺴﻴﺮات اﻟﺨﻂ اﻟﻌﺮﺑﻲ، واختار حرف “الواو” في لوحاته المائية لأنه الحرف الوحيد الذي يشكل كلمة أيضا، كما ﻳﺒﺤﺚ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻫﺬا اﻟﻘﺴﻢ في اﻻﺣﺘﻤﺎﻻت اﻟﺸﻜﻠﻴﺔ واﻟﻤﻔﺎﻫﻴﻤﻴﺔ ﻟﺤﺮوف اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، وﺑﺎﻷﺧﺺ حرفي اﻟﻬﺎء واﻟﻮاو.

وفي ختام المعرض، سيحظى الزوار بفرصة للقيام برحلة آسرة تتضمن تجربة مشاركة تنفيذ عمل للفنان عبدالقادر الريس بمنظور جديد، حيث سيتمكن الجمهور المشارك من رسم إحدى لوحاته رقميا.

17