الإماراتي صالح كرامة العامري: لا طائل من محاربة الهواء

الجمعة 2014/01/03
مسرحية "واسيني".. نعي لحلم الربيع العربي

أبوظبي - من خلال مسرحيتيه “سنة أولى” و”واسيني” يحاول الكاتب المسرحي والمخرج الإماراتي صالح كرامة العامري أن يذهب إلى أماكن كثيرة في مجتمع الإمارات -الذي يسقطه على بقية المجتمعات العربيةـ لإضاءة بعض القضايا المصيرية والشائكة في حياة الإنسان العربي، إذ ثمة مقاربات متعددة تربط بين شخوص المسرحيتين وشخصيات الواقع من جهة، وبين الأحداث الدرامية وما يجري حقيقة في الحياة المعيشة.

بداية يتوسع كرامة في حديثه عن ظروف الكتابة التي أحاطت بالمسرحيتين، فينطلق من رغبته الكبيرة في اكتشاف ما يدور حوله من أشياء ذات طابع إنساني، لمعرفة خبايا النفس الإنسانية، وهل أن الإنسان إلى هذه الدرجة من التعقيد؟ وكلها اكتشافات تقوده لاكتشاف المزيد. ويخبرنا: ’’عندما بادرت بكتابة مسرحية “سنة أولى” وهي باللهجة المحكية، كنت أمني نفسي أن أكتشف الواقع بكل أبعاده مع التغيرات التي تدور من حولي والتي قادت الحدث لتطويره لكي يصبح أكثر تأججا. حيث قادني تصعيد الشخوص إلى الكثير من الصداع.. لو تعرفين مدى ما عانيته عند كتابة نص بحجم سنة أولى. فقد حرث صاحبه في المخيلة بكل أبعادها؛ وأن تصبح في تماهٍ مع نصك، هذا هو الحدث نفسه‘‘.


صراع درامي


ركز كرامة على شخصيته الرئيسية “أبو تعيب” في صراعها مع الأحداث بعد أن قام بإعدادها وتهيئتها لتصبح متاحة على كافة التأويلات والانفعالات. وهو يراها شخصية محورية، تقود الصراع في المسرح بشكل عنفواني مؤلم أي أن الابن “تعيب” هو الذي يثور على أبيه عندما يفكر الأب في أن يتزوج من الفتاة السكرتيرة “سماح”، التي تعمل عنده في الشركة وهي فتاة تصغره في السن. وعلى الرغم من أن هذا الحدث قد يبدو للمتفرج أو القارئ، تقليديا إلا أنه يتفوق جدا في تأويله الفلسفي الذي هو لبّ الصراع.

الكاتب والمخرج الإماراتي يؤكد أن مسرحيتيه "سنة أولى" و"واسيني" تصبان في نهج الربيع العربي وتبحثان في شخوصه

بالنسبة لمخرجنا فإن الصراع يكمن في “سنة أولى” عندما يتنازع تعيب في قراره على أنه الابن الوريث الذي لا يحق للأب أن يتصرف في أمواله إلاّ بإذنه، هنا تصبح كل المسائل متأججة وقابلة للسؤال. إن الابن على حق في جعل الواقع المتعارف عليه شبه منطقي، وهذا قد يأخذنا إلى قضية الحجر على الأب بالمعنى المتعارف. ويقول كرامة “الذي قصدته في تصاعد الحدث بشكل فني هو إخفاء العقدة المنطقية للأحداث بشكل فني، أي أن الأب هو السلطة التي تملك التحكم في كل شيء بوجهها المتعارف عليه، والابن يطلب ما يروق له من مكامن العيش السليم، فكيف لك أن تتخيل أنه سيمنحها لغيره؟”.

ويشير كرامة في هذه النقطة، إلى أن شخصية “أبو تعيب” محورية تقود الحدث بشكل فعلي وتامّ، بينما تقوم بقية الشخصيات بردّ الفعل؛ هي محورية أي تقود الحدث بشكل فعلي وتامّ وبقية الشخوص تتوالد من أحداثها وتنسجها بشكل محدّد.

يوشح كرامة أن اسم المسرحية “سنة أولى” يشير إلى سنة أولى حرية، أي أن “تعيب” وبعد ما وصلت إليه الثورة، انطلق للبحث عن مطلق الحرية، ولا يمكننا أن نتجاهل أنه في سنة أولى، بمعنى أنه مبتدئ بحيثياتها، كاملة أم منقوصة.

وهنا يقول كرامة في محاولة لإسقاط واقع المسرحية على واقع الحياة: “إن للحرية ثقافة كما أن التمرّد الذي ننادي به يحتاج إلى ثقافة. ثمة مثل وقيم يجب ألا نتغاضى عنها أثناء مناداتنا بالتمرّد.
"سنة أولى" باللهجة المحكية تنطلق من فلسفة الشارع

الشيء الذي يتوضح في تناول “تعيب” للحرية، فلو أنه فهم أنها ثقافة حياتية قبل أيّ شيء لكان قد اختلفت معه الوقائع كلها. هنا يؤكد النص على خطورة أن تصبح أسيرا لأشيائك، حيث تنقلب الحرية في مفهومها رأسا على عقب. مثلا: عندما يبحث الابن تعيب عن مدى قدرته في مسابقة السرعة وهو يقود دراجته النارية ويصادف البدوي “مصبح”، وقد أمسك بسلاحه ويقول له: “مصبح أطلق طلقة خلنا نسبقها” وفعلا يطلق البدوي “مصبح” طلقة من بندقيته فينطلق خلفها الابن “تعيب” بصخب بغية أن يسبقها‘‘. مثال آخر يضربه لنا كرامة، عندما يقول “تعيب” للفيف من أصدقائه في الصحراء: “شفتم القمر هاك” وهو يشير للقمر “يالله خلونا نسير ونعقه” وينطلق في الصحراء من أجل الوصول إلى الحرية المطلقة.

ويرى المخرج من وجهة نظره أن الربيع العربي جاء مماثلا لحالة الابن “تعيب”: “انطلق في سنة أولى نحو تحقيق الحرية المطلقة دون ثقافة الحرية نفسها”.

ويضيف: ’’إننا نعارك الهواء في محيط الهواء دون ثقافة مطلقة للأشياء وعندما فشلنا، قلنا لأنفسنا فشلنا فلنحاسب الزمن، هي في الحقيقة تحتاج إلى مكاشفة في فحص الأشياء وهذا ما تبرزه مسرحية “سنة أولى” أي علينا أن نبدأ من المدرسة. مع الأسف لم نفقه معنى التعامل مع مثل هذه الأزمات، ولذلك عندما جرب الشارع الحرية وقع في تناصّ مع الذائقة المتعارف عليها التي يكرسها البيت والمدرسة، هذا ملكي وهذا ملكك، أنا الذي بدأت، إذا أنا أولى، أنا أملك الاستحقاقات كلها.. أنت جئت متأخرا لا يحق لك.. ونسوا أن كلها ملك الجميع.. بينما الحرية في الغرب هي كيف تصمت وتستمع جيّدا، ثم تحاور بالمنطق ولا تجادل، فعندما انطلقت حرية المرأة في فرنسا بشكلها الفجّ نبذتها بقيّة الدول الأوروبية باعتبارها خارج السياق المستساغ وثاروا على الأنثوية المتمرّدة‘‘.


نحتاج إلى المواساة


كتبت “سنة أولى” باللهجة المحكية التي تحاكي الفصحى، ويشير إلى أنها في الأساس حلم ومتطلع سام جدا، تستطيع أن تحاور الأشياء الموجودة عنده، الملموسة اليومية. هنا تكمن عبقرية اللهجة المحكية. هي في الأساس تنطلق من فلسفة الشارع. ويرى أن المحكية عالمها جميل وخلاق وهي لا تقل عن الفصيح في أبعادها المترامية. هي شاعرية يمكن توظيفها من أجل الحدث.

هنا أيضا ينطلق العامري من ظروف كتابة المسرحية، مشيرا إلى أنه كتبها في رمضان مع مجموعة من شباب مسرح أبوظبي الموهوبين، وبالتحديد في النصف الأخير من شهر رمضان، على مشارف العيد. ويقول: “عندما بدأت بالكتابة كنت أسأل نفسي كيف سيتمّ كل هذا تباعا بينما أبحث بوعي على الجوهر؟ وهل سيستوعبون ما أكتب وأعمارهم صغيرة فجلهم في الثانوية وجلهم لم يرتادوا الخشبة؟ وما كان إلا أن نظرت في وجوههم وقلت هذا قدري، عليّ أن أحتويه؛ وفعلا طوينا سويا الليل ونهاره حتى أجلستهم على الخشبة بشكل دائم ومستمرّ”.

يرى صالح كرامة أن النص كان مربكا ويحتاج إلى ذهنية في التفكير فيه، ولكن كانت صياغة جمله بحيث تساعد على لوك الحوار بشكل سلس، أي تقول الحوار وكأنك تتحدث في حياتك اليومية.

’’وجاءت “واسيني”.. وتعني بعنوانها أننا نحتاج إلى المواساة على مصائبنا، وكل نكباتنا وأصدق القول أنها جاءت بعد فشل الشارع العربي، وما صاحبه من لغط بعد سنة حرية. هي نعي للربيع العربي بما يحمل من حلم ووداع أخير له‘‘. ونسأل كاتبنا، إنه وإذ ينعى الحرية، يثور الشحاتون في نهاية مسرحيته، فكيف يكون هذا؟ ويجيب: “أجل هم ثاروا عندما وجدوا أن منفذ الحياة يسدّ أمامهم، وفي النهاية يقبلون بالواقع، وإن المال يتحكم في صيرورة الحياة”.

من بعيد تبدو “واسيني” ذات طابع تقليدي بالنسبة للقارئ والمتفرج معا، إلا أن التعمق في حواراتها وأحداثها يأخذنا إلى تشظيات في النص، تعلن كما أشار كرامة أن الشحات “قن” وهو كبير الشحاتين الموجودين على الخشبة، بدأ بالتمرّد عندما حاول مدير المقهى طرده، لنشهد بعدها كيف يرفض المنحة المالية المقدمة إليه من قبل الرجل الغني. وبرفضه نتجه نحو إيحاءات كثيرة تنتهي بقبولهم‘‘.

16