الإمارات: الإفراج عن مدانين في قضايا تطرف بفضل برامج المناصحة

إضفاء قوة القانون على سياسات محاربة الإرهاب، وإعادة تأهيل المتأثرين بالأفكار الإرهابية وإدماجهم في المجتمع.
الثلاثاء 2019/08/06
تدين هادئ

قناعة دولية تكاد تصل إلى مستوى الإجماع، مفادها أن محاربة الإرهاب والتطرف عملية معقدة، بقدر تعقد الظاهرة الإرهابية نفسها، ولذلك فإن أغلب الدول التي تطرح على نفسها مهام محاربة الظواهر الإرهابية المتطرفة، لا تكتفي فقط بالحرب الميدانية، بل تعززها أيضا ببرامج فكرية وتربوية تبدأ من الوقاية، وتنتهي إلى المناصحة، التي تقوم على استيعاب بعض العناصر المتطرفة وتحاول إعادة تأهيل المتأثرين بالأفكار الإرهابية وإدماجهم في المجتمع. وهذه البرامج المطبقة في دولة الإمارات العربية المتحدة تضفي قوة القانون على سياسات وإجراءات محاربة الإرهاب، باتجاه تكريس الاعتدال ونبذ التشدد ونشر التسامح.

أبوظبي – أعلن المستشار حمد الشامسي النائب العام بدولة الإمارات العربية المتحدة الإفراج “عن عدد من المحكوم عليهـم في جرائم تتعلق بالإرهاب والتطرف” بمناسبة عيد الأضحى.

وقال الشامسي، للصحافيين أمس الاثنين، إن الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الإمارات أفرج عن عدد من المحكوم عليهم بمناسبة قرب حلول عيد الأضحى المبارك، وشملت القائمة بعض المدانين في جرائم تتعلق بالإرهاب والتطرف، موضحا أن القرار “يهدف إلى منح المفرج عنهم فرصة جديدة للاندماج في صفوف المجتمع، حتى لو كانوا ممن أخطأوا وزلت خطواتهم انحرافا عن حق بلدهم عليهم، متى عادوا إلى الطريق المستقيم، وتجدد إيمانهم وولاؤهم لأرض الآباء والأجداد، وولي الأمر، بعد اجتيازهم برامج المناصحة”.

وذكر أن “تقارير المختصين أفادت باعتدال فكرهم وسلامة نفوسهم ونبذهم للتطرف والأفكار والمعتقدات المضللة التي انجرفوا في تيارها، وزوال خطورتهم الإرهابية والإجرامية، ليعودوا إلى أحضان الوطن المفتوحة أبوابه دائما لأبنائه المخلصين، والأمل أن يكونوا أعضاء صالحين في مجتمع بلادهم، يلتزمون بقوانين الدولة، وأن يسعوا لمستقبل أفضل، وتبعث فيهم دوافع الاستقامة والتزام السلوك القويم لنيل حياة كريمة لهم ولأسرهم، فضلاً عن إدخال البهجة على عائلاتهم وذويهم في أيام مباركة”.

وقال الشامسي إن القرار يجسد “للمحكوم عليهم نموذجا ملهما وبريق أمل في نيل مثل هذا العفو الكريم مستقبلاً متى عادوا إلى جادة الصواب، بما يحفزهم لنبذ كل ما يقصيهم عن بلادهم من أفكار ومعتقدات هدامة، وبذل الجهد لفهم صحيح الدين وصحيح الأفكار والمعتقدات، والتمسك بحسن السلوك ليعودوا أفرادا صالحين يندمجون في نسيج المجتمع الإماراتي الذى يفخر أبناؤه بولائهم لوطن كريم يتسع لجميع بنيه”.

ودعا النائب العام للدولة المفرج عنهم إلى بذل كل ما في وسعهم بنية مخلصة في السعي للتمسك بالنهج السوي والالتزام، والانضمام إلى مسيرة البناء والتنمية في المجتمع على نحو يعود عليهم وعائلاتهم بالخير.

قرار يهدف إلى منح المفرج عنهم فرصة جديدة للاندماج في صفوف المجتمع، متى عادوا إلى الطريق المستقيم وتجدد ولاؤهم لوطنهم

وكان الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، قد قرر الأحد الإفراج عن 669 سجينا ممن صدرت بحقهم أحكام في قضايا مختلفة، وتكفّل بسداد الغرامات المالية التي ترتبت عليهم تنفيذا لتلك الأحكام، بمناسبة حلول عيد الأضحى.

يذكرُ أن دولة الإمارات العربية المتحدة شرعت في تشغيل مراكز المناصحة المخصصة لإعادة تأهيل المتأثرين بالأفكار الإرهابية والتي نص عليها قانون مكافحة الإرهاب الذي أصدره الرئيس الإماراتي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان سنة 2014، حيث تضم المراكز أطباء نفسيين وأخصائيين اجتماعيين ووعاظا، ويتم إخضاع المغرر بهم للمناصحة عبر أحكام قضائية نهائية.

هذا المسعى الرسمي لمحاربة الإرهاب يتكئ على مرجعية قانونية منطلقها القانون الاتحادي الإماراتي رقم 7 لسنة 2014، بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية في مادته الـ66، والذي ينص على أن يُنشأ بقرار من مجلس الوزراء مركز أو أكثر للمناصحة بهدف هداية وإصلاح المحكوم عليهم في الجرائم الإرهابية أو من توافرت فيهم الخطورة الإرهابية.

وتخضع مراكز المناصحة التي نص عليها قانون مكافحة الإرهاب الذي أصدره رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، لرقابة لجان مشكلة من النيابة العامة والجهات الأمنية ذات العلاقة.

وتعمل هذه المراكز على إخضاع المحكوم عليهم والأشخاص الذين كانوا سيقعون فرائس لمنظمات وجماعات إرهابية دولية، لجلسات نفسية واجتماعية ودينية لانتزاع الأفكار المسمومة من عقولهم وإرساء الفكر المعتدل ذهنيا وفكريا وإعادة تأهيلهم مرة أخرى ليصبحوا فاعلين في مجتمعاتهم.

وإضافة إلى دولة الإمارات فإن تجربة مناصحة المتأثرين بأفكار الجماعات المتشدّدة تطبق إلى حد الآن في المملكة العربية السعودية، محققة نجاحا نسبيا. ويرى مختصون أن لأسلوب المناصحة نقاط قوّة أبرزها منح فرصة للمغرّر بهم -وخصوصا من فئة الشباب- للاندماج في المجتمع مجدّدا.

ومكن إصدار قانون إماراتي لمكافحة الإرهاب منذ سنوات من إضفاء قوّة القانون على سياسات وإجراءات ما فتئت تتخذها هذه الدولة الخليجية باتجاه تكريس الاعتدال ونبذ التشدّد بمختلف أشكاله ونشر التسامح وقبول الاختلاف في الرأي والمذهب والعقيدة.

وكثيرا ما تحدّث المراقبون عن نموذج خصوصي إماراتي يقولون إنّ تطبيقه أثمر عن تأسيس مجتمع متفتح ومتسامح وغير حاضن للتشدّد، على عكس الكثير من مجتمعات دول المنطقة التي بدأت تواجه تهديدات جدية لوحدتها بفعل جنوح بعض فئاتها نحو التطرف والتعصّب المذهبي والطائفي، وحتى العرقي أحيانا.

12