الإمارات تحتضن المسيحيين وتدعو الغرب إلى إدماج المسلمين

زيارة البابا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة دليل على إمكان صهر الاختلافات وتحويلها إلى قواسم مشتركة.
الاثنين 2019/02/18
أديان تتصافح

الضيف الاستثنائي الذي زار أرض الإمارات، بابا الكنيسة الكاثوليكية التي تضمّ مليارا و300 مليون مؤمن في كل أصقاع المعمورة، هو سليل القديس بطرس في الحاضرة الفاتيكانية، وحامل الرقم 266 في خط البابوات الذين تعاقبوا على الهضبة الرومانية منذ ألفي عام ونيف. بابا السلام يزور أرض السلام والوئام التي أرادها مؤسسها وباني نهضتها وصانع ازدهارها واستقرارها أن تكون البلد القدوة في التسامح والتعايش والتفاعل الحضاري بين القوميات والأعراق والأديان. ولا شك أن زيارة البابا فرنسيس إلى الإمارات هي تزكية لخيار الأخوة الإنسانية الذي تجسّده دولة الإمارات، وتريد أن تعمّمه على دول الإقليم والعالم كقيمة أساسية في العيش المشترك، ولبنة في البناء الحضاري الجامع و”حلف فضول” جديد يؤسس لسلام التنمية وتنمية السلام على قاعدة المصالح المستقبلية المشتركة. والزيارة حافلة بالرموز والمعاني والدلالات.

أول المعاني والدلالات يتمثّل في لقاء بابا الكنيسة الكاثوليكية مع فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر وما يعني ذلك من لحظة تاريخية مشتركة بين أبرز قطبيْن دينيين في العالم، قادرين على تعطيل العديد من عبوات التطرّف والجهل والظلاميات التي تقتات من كهوف التحجّر وجحور البغضاء ونبذ الآخر والتآمر عليه.

وثاني الدلالات هي أن زيارة الإمارات هي الأولى من نوعها لمنطقة الخليج العربي، وبابا روما يعترف بريادتها وعراقتها في التعايش بين الأديان وحرية ممارسه الشعائر الدينية. وقد احتضنت أبوظبي منذ العام 1965 أي قبل ولادة الدولة بستة أعوام أول كنيسة كاثوليكية. وأبعد من هذا التاريخ عثر علماء أثريون على بقايا دير وكنيسة في جزيرة صير بني ياس يرقى تاريخها إلى القرن السابع الميلادي. وفي دولة الإمارات اليوم 76 كنيسة ودار عباده للديانات والعقائد المختلفة. فضلا عن كون بعض العقارات التي تقوم عليها هذه البيوت الإيمانية هي أراض تبرعت بها الدولة تجسيدا لمبادئ التسامح والانفتاح التي قامت عليها.

ثالث المعاني هو أن زيارة بابا روما بثيابه البيضاء لم تأت من فراغ. فقد سبقتها وواكبتها زيارات عدة لمسؤولين إماراتيين إلى الحاضرة الفاتيكانية، كانت أبرزها زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وليّ عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة على رأس وفد رفيع. وحظي، يومئذ، باستقبال حار من البابا فرنسيس الذي أثنى على رؤيته وانفتاحه وحرصه على قيم التسامح والتعدّد الثقافي والأبعاد الإنسانية الخلاّقة كعلاج للتطرّف والطائفية والانقسامات والانكسارات.

ومنذ نقلة الفاتيكان، توطدت علاقة الدولة بعاصمة الكاثوليك، وباتت الإمارات موضع احترام شديد ومميّز لدى كرادلة الحاضرة الرومانية، ومضرب المثل في أحاديثهم عن التعايش بين الأديان وحرية ممارسة الشعائر والتوق إلى إنسانية جديدة، تقوم على الاندماج والتآزر والابتكار يستولدها مناخ الحوار والتآخي والتضامن الإنساني النوعي.

ورابع الرموز في زيارة البابا فرنسيس يتجسّد في تبنّي دولة الإمارات لكل القوانين والتشريعات ذات الصلة العضوية بالتعايش والتضامن والتآخي التي اعتمدتها والثناء عليها، على غرار قانون مكافحة التمييز والكراهية الذي يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومعتقداتها ومقدساتها و”البرنامج الوطني التسامح”.

الزيارة الاستثنائية التي أداها البابا فرنسيس إلى الإمارات مرشحة لأن تكون ذات مفعول بعيد المدى في الزمان وفي المكان.  وهي ذات طاقة تغييرية بقوتها الناعمة واستشرافية بالقيم التي تنطوي عليها

كما تمّ تدشين غرفة العبادة متعدّدة الأديان في مطار أبوظبي في نوفمبر 2018، وهي المبادرة الأولى من نوعها في العالم العربي. وفي يونيو 2017، أقرّ الشيخ محمد بن زايد وليّ عهد أبوظبي، إطلاق اسم مريم أم عيسى على المسجد الذي يتردّد إليه ترسيخا للصلة الإنسانية بين أتباع الديانات، وبلورة للقواسم المشتركة بين الأديان السماوية.

وخامس الرموز والدلالات البعيدة المدى في زيارة البابا فرنسيس هو أن دولة الإمارات ترسّخ موقعها كقبلة للاعتدال في العالم. ومن المؤكد أن إقامة البابا في ربوع العاصمة الإماراتية، مع القدّاس الجماهيري غير المسبوق الذي احتفل به في مدينة زايد، وتجواله في مسجد زايد، وهو تحفة هندسية معمارية خالصة، شكّلا درسا مرجعيّا للعالم قاطبة، ومفاده أن الخير قادر على هزيمة الشر، وأن النور أقوى من الظلام، وأن الإخاء الإنساني جدار الصد في وجه الاحتراب، والتطرّف، ودعاة المحارق والعنف والحروب، وأن الاختلاف ثروة وثراء للروح والفكر والرؤية، وأن الحياة ليست دائما للأقوى.

كم دبابة يملك البابا؟

ذات مرة سأل ستالين في عز جبروته: وكم دبابة يملك بابا روما؟ وأجاب بنبرة هازئة: صفر دبّابات، معتقدا أن القوة هي فقط مادية. وتنحصر في السلاح وحده. ونسي، أو تناسى، أن القوة هي روحية أيضا. وتستطيع إطفاء الحرائق والحفاظ على تناسق العالم وجماله، في وجه دعاة التخريب والفوضى. كما أنه يمكنها إنقاذ المعنى من الضياع في غابات التأويل.

إن الزيارة الاستثنائية التي بدأت في 3 فبراير، وانتهت في الخامس منه، مرشحة لأن تكون ذات مفعول بعيد المدى في الزمان كما في المكان. وهي ذات طاقة تغييرية بقوتها الناعمة واستشرافية بالقيم التي تنطوي عليها. كما أنها تكرّس دولة الإمارات العربية المتحدة كأرض للتعايش والتآخي، وبوتقة لصهر الخلافات والاختلافات وتحويلها إلى قواسم مشتركة في التناغم والتواصل والتفاعل وركيزة لدعم الحوار البناء بين الحضارات والثقافات والأديان. كما أنها منصّة لتكثيف الوعي حول قبول التعدد والاختلاف اللذين هما الأساس في بناء السلم العالمي والتضامن في “القرية الكونية”.

ولا شك أن دولة الإمارات من خلال احتضانها لنحو مليون مسيحي على أراضيها يعملون ويعيلون عائلاتهم، ويمارسون شعائرهم الدينية وطقوسهم بكل حرية وأمان، إنما تقدّم المثال على الطريقة والمنهجية التي يجب أن يعامل فيها الغرب الجاليات الإسلامية واحترام خصوصيتها الدينية وممارسة شعائرها وطقوسها في مناخ من الأمن والأمان، بعيدا عن كل تعبيرات الإسلاموفوبيا. إذ لا بد من أن يعمل هذا الغرب على دمج المسلمين والتعايش معهم بمنتهى المحبة والوئام والسلام. وكان البابا فرنسيس نفسه أول من رفض ربط الإرهاب بالإسلام في ذروة لحظات الذعر والوقيعة بعد اعتداءات باريس الإرهابية عام 2015. وقال إنه ليست هناك أديان إرهابية بل إرهابيون من كل الأديان. ومن الخطأ الفادح الخلط بين أيّ دين والإرهاب. إنه من أنصار قيام التآخي بين الشعوب، حيث أن التقارب الإنساني يعطي صورة رائعة عن الخير الكامن في النفوس، وكيف أنه يسبغ حالة من الألفة والتآلف بين المسيحيين والمسلمين أينما كانوا وأنّى حلّوا وارتحلوا.

تبقى إشارة أخيرة مستوحاة من الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس مفادها أن كافة الكنائس المسيحية، الشرقية منها والغربية، البروتستانتية والرومانية الكاثوليكية قائمة في الإمارات التي ترتبط بعلاقات خاصة مع أقباط مصر وأرثودكس المشرق العربي وموارنة لبنان والمنطقة، إضافة إلى الأرمن والسريان والكلدان، وتقدّم لهم خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية. وتحافظ على تراثهم. وتنتهج سياسة ترمي إلى التآخي الإسلامي – المسيحي بعيدا عن الاعتبارات الفئوية الضيقة والفتاوى المتشددة المهلكة.

13