الإمارات تعزز قيم التسامح عبر مادة "التربية الأخلاقية"

ترسخ دولة الإمارات مفاهيم التسامح لمواطنيها عبر فرض مادة “التربية الأخلاقية” ضمن المناهج المدرسية في محاولة لمقاومة التراجع الأخلاقي الحاد الذي يشهده العالم العربي حاليا.
الثلاثاء 2016/08/02
النهوض بالأمة في شبابها

أبوظبي- استحدثت دولة الإمارات العربية المتحدة مادة دراسية جديدة باسم “التربية الأخلاقية” ضمن المناهج والمقررات المدرسية، تسعى من خلالها إلى تعميق قيم التسامح وترسيخ مبادئ أخلاقية رفيعة تشكل أولوية بالنسبة إلى الحكومة.

وأعلن ديوان ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قبل يومين، عن اعتماد مادة “التربية الأخلاقية” كإحدى المواد الأساسية في التعليم داخل الدولة، إذ ستتولى وزارة التربية والتعليم ومجلس أبوظبي للتعليم تنفيذ القرار.

ومنذ أن صدر القرار وبالنظر إلى العديد من مكوناته وتفاصيله المحورية، سعت جميع الفئات والشرائح المجتمعية إلى تداوله وتحليله.

وأكد كثيرون على أهمية القرار في وقت تعاني فيه المجتمعات العربية من أزمات تربوية وسلوكية، تنعكس على التعامل العام مع الآخر بشكل عام. وأثار القرار ردود فعل واسعة بين الإماراتيين والوافدين في المجتمع الإماراتي.

وستشمل مادة التربية الأخلاقية خمسة عناصر رئيسية هي الأخلاقيات، والتطوير الذاتي والمجتمعي، والثقافة والتراث، والتربية المدنية، والحقوق والمسؤوليات. كما ستترجم أولى خطوات المبادرة بتشكيل لجنة لاعتماد أطر منهجية ومعايير مناسبة لإعداد مادة “التربية الأخلاقية” بما يتوافق مع “الهوية الثقافية والعادات والتقاليد الإماراتية”، لكي تسهم مع جهود مختلف المؤسسات والهيئات في وضع أسس علمية، ومضامين تربوية، وبرامج وآليات عمل تضمن تكامل هذه المادة الحيوية مع بقية المقررات الوطنية والدراسية.

قالت نادية بوهناد، مديرة مركز “سيكولوجيا” للاستشارات والتدريب إن “القرار صائب جدا وفي محله من حيث الزمان والمكان. فكم تحتاج مجتمعاتنا الراهنة لتعزيز مبادئ الأخلاق الكريمة وتنشئة أبنائنا عليها! ولا يمكن لأحد أن ينكر أن ما يجري في العالم اليوم من إرهاب وتطرف وقتل وتعصب ونبذ للآخر، إنما سببه خلل أخلاقي ونفسي واجتماعي بالدرجة الأولى. وبالتالي لا بد من وجود مادة ضمن المناهج المدرسية المعتمدة تعرّف الطالب على أسس الأخلاق اللازمة لنجاحه ونجاح بلده تتوافق مع مبادئ جميع الديانات دون استثناء. فالعلم ليس مجرد تلقين الطالب للمعلومات المختلفة، إنما هو تربية أخلاقية وتنشئة مجتمعية ونفسية”.

وأشارت بوهناد “وبشكل شخصي، إلى جانب العديد من التربويين والمتخصصين بعلم النفس، لطالما طالبوا بمادة تربية أخلاقية تنشئ الطلبة على تعاليم الحياة الصحيحة مع أنفسهم ومع الآخرين”.

ويستشهد خبراء إماراتيون باليابان التي تطبق مادة الأخلاق في المناهج التعليمية. وقالوا إن لهذه المادة تبعات إيجابية على سلوك الطلاب ينعكس بالضرورة على صلاح الدولة وتطورها.

نادية بوهناد: كم تحتاج مجتمعاتنا الراهنة لتعزيز مبادئ الأخلاق الكريمة وتنمية أبنائنا عليها

ويقول الإعلامي محمد شعيب الحمادي إنه “في خضم الحداثة والعولمة، لا بد أن تتسلل إلينا أفكار وأخلاق لا تمت لديننا ولا لثقافتنا بصلة، لا من قريب ولا من بعيد.. وبما أن أطفالنا مستهدفون على جميع الأصعدة، فقد كانت مبادرة الشيخ محمد بن زايد، بإدراج مادة التربية الأخلاقية ضمن المناهج المدرسية بالتعاون مع المؤسسات والجهات المعنية، بمثابة طوق النجاة لجيل بأكمله”.

وأضاف مصرحا لـ”العرب” إنه “كما نعلم جميعا فإن أخطر مرحلة في تكوين الشخصية هي مرحلة المدرسة من عمر الست سنوات وحتى عمر 18 عاما.. لذا كان لزاما أن نعلم أبناءنا الأخلاق الحميدة القادرة على بناء المجتمعات إيجابيا ومعرفيا. وذلك بهدف تقويم مجتمعنا وحماية أفراده من الانسياق خلف سلوكيات مستوردة ولها سلبياتها الواضحة.

وتقول سلسبيلة أحمد، مدرسة اللغة العربية في مدرسة “إيه بي سي” الخاصة في أبوظبي “الحاجة ملحة جدا لإنشاء مادة تربية أخلاقية ضمن المناهج المدرسية، بسبب تدهور المنظومة الأخلاقية وظهور ثقافات دخيلة أثرت بشكل سلبي على المجتمع. أيضا هي ضرورية لمواجهة ما ظهر من سلوكيات جديدة مثل التنمر والتمرد على المجتمع واعتبار التطور الفكري مرتبطا بالخروج عن المنظومة الأخلاقية للشعب العربي”.

وأضافت “من يعمل في الحقل التعليمي يلاحظ تنامي وتطور هذه الظواهر بحيث صارت الوقاحة والتسفيه والحط والاستهزاء بقدر الآخرين، حرية شخصية. وبات شائعا أن من يمارس هذه التصرفات السلبية هو شخص يملك جرأة وقوة شخصية. لذا فإن هذا القرار جاء في الوقت المناسب من أجل إعادة توجيه الدفة ومحاولة زرع بعض القيم الأخلاقية التي يحتاجها المجتمع. فضلا عن أهميته في استكمال جهود الأهل والمدرسة”.

وأشارت إلى أن التربية عملية تسبق التعليم. فالمجتمع من دون أخلاق هو مجتمع فاشل لايستطيع بناء نفسه. وأن على المعلمين والتربويين أن يكونوا قدوة صالحة”.

وقالت لـ”العرب” مؤكدة “يجب علينا التعامل مع الطلاب ضمن نفس المنظومة الأخلاقية، فلا نستهزئ بقدراتهم ولا بإمكانياتهم ولا بظروفهم الاجتماعية. وأن نتعامل معهم على أساس أنهم بيئة خصبة صالحة لنزرع فيها ما نشاء من قيمنا وأخلاقنا”. وأضافت “لطالما عودنا شيوخ دولة الإمارات العربية المتحدة والقائمون على مسيرتها، أن يبادروا بما من شأنه النهوض بالمجتمع وصلاح أبنائه. حيث جاء هذا القرار بمثابة داعم أساسي لعملية التطور والمضي قدما نحو مستقبل أفضل”.

17