الإمارات تلائم عقيدتها الدفاعية مع المتغيرات الإقليمية والدولية

تعوّد الرأي العام في العالم الغربي، على تلك الصور النمطية لدول الخليج العربي، حيث تتمحور كل مظاهر الحياة، حول النفط. وسيطرت تلك الرؤية عليه لدرجة لم ينتبه إلى التطورات والتغييرات التي كانت تجري على عدة مستويات لتنقل دولا خليجية مثل الإمارات العربية المتحدة، من دولة تعيش على عائدات النفط إلى دولة وظفت هذه العائدات في بناء اقتصاد وسياسة وسياحة ومستقبل يركز على تطوير مشاريع استراتيجية تواكب المتغيرات الحاصلة في المنطقة والعالم على مختلف الأصعدة.
الجمعة 2017/10/27
سلسلة دفاعية مترابطة

أبوظبي- وقّعت الإمارات وفرنسا في السادس من مارس 2007 اتفاقية تقوم فرنسا بموجبها بالإشراف على عملية إنشاء متحف “لوفر أبوظبي” الذي أطلق عليه أيضا اسم “لوفر الرمال”.

تأتي هذه الاتفاقية ضمن مشروع يقضي بإنشاء متحف كبير داخل مجمع ثقافي سياحي على جزيرة السعديات، يمتد على مساحة تقدر بـ24 ألف متر مربع بينها ستة آلاف متر مربع مخصصة لمساحة العرض الرئيسية.

اليوم، يشارف العمل على لوفر أبوظبي على الانتهاء، حيث يضع العمال لمساتهم الأخيرة على القبة العائمة المتلألئة التي شبهتها صحيفة فايننشيال تايمز بـ”سفينة فضاء كبيرة تظهر من بين الرمال”. يعتبر المتحف المشروع الرئيسي لخطط التنمية الإماراتية التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

الإمارات تقود بتحالفها مع السعودية زمام الأمور منذ أن قرر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إدارة ظهره للحلفاء

ويأتي لوفر أبوظبي ليكمل مشروع المنطقة الثقافية على جزيرة السعديات والتي تضم فرعا لمتحف غوغنهايم ومتاحف أخرى منها متحف للفن الحديث ومتحف الشيخ زايد الوطني، وستكون هذه المنطقة بدورها جزءا من مجمع سياحي كبير، يهدف إلى تحويل أبوظبي إلى وجهة سياحية وثقافية متقدمة.

تشكّل هذه المشاريع جزءا من خطة استحضرها جيل الشباب من القادة الطموحين قبل عقد من الزمان. في ذلك الوقت، صدر القرار في العاصمة الإماراتية بعدم الاستمرار بالاعتماد على النفط لبناء الاقتصاد وتجهيز الشباب، الذي ترعرع في مجتمع محافظ، وتسليحه بالمهارات المختلفة اللازمة للتقدم والازدهار.

وفيما تمضي الإمارات قُدما في بناء قوتها الناعمة، ظهرت على السطح تهديدات استراتيجية، حتمت إظهار الجانب الخشن من القوة. والكشف عن صورة فاجأت إلى حد بعيد الرأي العام الغربي الذي لم يجر تحديثا لنظرته لدول الخليج العربي والتغييرات الحاصلة في قيادتها مع صعود جيل الشباب إلى مراكز صناعة القرار.

ويقول آندرو إنغلاند وسيميون كير، الصحافيان في فايننشيال تايمز، إن اندلاع ثورات الربيع العربي في العام 2011، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية والموقف السلبي للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والمخاوف بشأن إيران كلها كانت عوامل اجتمعت لتهز دول الشرق الأوسط وتعيد تشكيل تفكير هذه الدولة الخليجية الغنية بالنفط.

في خضم هذا الوضع، وجدت الإمارات أنه لا يكفي أن تكون “سويسرا الصغيرة الجميلة”، بل عليها أن تلعب دورا مؤثرا في المنطقة لتحمي تلك الصورة الجميلة ولتحمي أمنها وشعبها وأيضا تساعد على الدفاع عن الأمن الإقليمي، حتى وإن كانت التكلفة باهظة بعض الشيء. فكما تقول ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات “إذا انتظرنا منع التهديدات على حدودنا فقد يتم تجاوزنا”.

وفي الوقت الذي كان صرح متحف اللوفر أبوظبي يعلو، كانت الإمارات بالتوازي تطوّر قدرتها العسكرية وتنشط دبلوماسيا وتتدخل إنسانيا لإغاثة المنكوبين في مناطق الصراعات والحروب.

وكان تدخل الإمارات عسكريا، إلى جانب التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، في اليمن سنة 2015 النقطة الفاصلة التي جعلت العالم ينظر بعين مختلفة لدول خليجية مثل الإمارات.

خلال السنوات الماضية، كانت أغلب السياسات الخليجية تركّز أساسا على مبدأ حسن الجوار والدبلوماسية الهادئة، لكن التطوّرات المحيطة والتهديدات التي تجاوزت التصريحات الاستفزازية إلى استغلال الشباب وزرع خلايا داخل المجتمع بغاية بث الاضطراب في صفوفه، فرضت حتمية الرد والتدخل عند الضرورة.

يؤكد أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، أن السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة تستلهم مبادئها من الإطار العام الذي أرساه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لكن مع مراعاة التغيرات الإقليمية والعالمية المستجدة.

المتحف يعتبر المشروع الرئيسي لخطط التنمية الإماراتية

واليوم، تفتخر دولة الإمارات، بما يصفه المحللون، بأفضل عناصر عسكرية مدربة ومجهزة في المنطقة. وكان من بين المستشارين الأجانب الذين استفادت الإمارات من خبرتهم في تطوير عقيدتها الدفاعية وتحديث جيشها وزبر الدفاع الأميركي الحالي جيمس ماتيس الذي قام بصياغة الشعار الذي يصف القوة العسكرية للدولة الإماراتية بـ”إسبرطة الصغيرة”.

تجربة تستحق ثمنها

يصرّ المسؤولون الإماراتيون على أن المليارات التي يتم ضخها في مجالات الثقافة والسياحة وصناعة التكنولوجيا لن تؤتي ثمارها إلا إذا كانت المنطقة مستقرة. يقول محمد المبارك، العضو في مجلس أبوظبي التنفيذي، “نصبّ كل تركيزنا على الأجيال القادمة. نحن بحاجة إلى منطقة مستقرة سياسيا لنرى ثمار ما نفعله اليوم”.

لكن الاستراتيجية العسكرية التي تتبعها الإمارات الآن في حربها اليمنية من الممكن، وفق قراءة آندرو إنغلاند وسيميون كير، أن تشكّل خطرا على أمة اعتادت على الازدهار من خلال البقاء بعيدا عن الاضطرابات التي عصفت بالمنطقة. مع ذلك يقرّ المسؤولون الإماراتيون بأن تكلفة مثل هذا التدخل قد تكون باهظة.

ويبدو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مقتنعا بنهج الإمارات. واستحضرت فايننشال تايمز حديثه أثناء خطابه عن الدور البطولي الذي يقوم به الجيش الإماراتي للدفاع عن الأمن العربي ضد محاولات التدخل في شؤونه الداخلية ومكافحة قوى التطرّف.

وأشار الشيخ محمد بن زايد، أيضا، خلال ذلك الخطاب، إلى حاجة دول الخليج إلى التخلي عن الاعتماد على واشنطن كداعم رئيسي، مضيفا أن هذه العوامل “تجعل الاعتماد على الذات وعلى قدراتنا الدفاعية أولوية أولى”، وهو الموقف الذي تؤيده بدورها الرياض، وكان أحد أبرز أسباب إعلان عاصفة الحزم في اليمن، وما تلا ذلك من مواقف وقرارات وتغييرات استراتيجية، أحدثها قرار مقاطعة قطر، والذي أعلنته الرياض وأبوظبي ومعهما المنامة والقاهرة.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن الإمارات قادت بتحالفها مع السعودية زمام الأمور منذ أن قرر أوباما إدارة ظهره للحلفاء من أجل توقيع الاتفاق النووي، وسيتسمر هذا التحالف رغم موقف الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب من إيران وأيضا من جماعات وتنظيمات تعتبرها الإمارات والسعودية ودول خليجية وعربية أخرى إرهابية، وذلك لعدة أسباب منها أن الرئيس الأميركي الحالي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته وموقفه، كما أن ملامح القيادة الخليجية بصدد التغيّر.

دعم شعبي

منذ تدخل التحالف السعودي الإماراتي في الصراع اليمني، تحمّلت البلاد ما تصفه وكالات المعونة بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وجنّدت مختلف منظماتها الإنسانية لتقديم أعمال الإغاثة، بالتوازي مع الدور العسكري المزدوج، ضمن التحالف العربي لإعادة الشرعية ومع القوات الخاصة الأميركية لمحاربة تنظيم القاعدة.

فيما تمضي الإمارات قُدما في بناء قوتها الناعمة، ظهرت على السطح تهديدات استراتيجية، حتمت إظهار الجانب الخشن من القوة. والكشف عن صورة فاجأت إلى حد بعيد الرأي العام الغربي

وتدفع الإمارات تكلفة بشرية لهذه الاستراتيجيات. فقبل عامين، قُتل 45 جندياً إماراتياً في يوم واحد في اليمن، والذي يعتبر أكثر الحوادث فتكا في التاريخ العسكري الإماراتي. وكنتيجة لذلك بنَت أبوظبي معلماً ضخماً لتخليد ذكرى قوات الأمن التي قتلت أثناء تأدية واجبها خارج البلاد.

لكن، تنقل فايننشال تايمز عن متابعين للشأن الإماراتي أن القادة يتلقون الدعم الواضح من المواطنين الإماراتيين. ويذكر أحد رجال الأعمال كيف أخبر ابنه أنه لم يكن عليه أن يؤدي الخدمة العسكرية، التي يتم فرضها منذ عام 2014 على الشباب البالغين من العمر ما بين 18 و30، لأنه كان الابن الوحيد للأسرة. لكن ابنه البالغ من العمر 18 عاماً توسل إلي أبيه أن يقبل بانضمامه لأداء الخدمة العسكرية وواجبه الوطني.

يقول رجل الأعمال “إذا تحدثت إلى معظم المواطنين الإماراتيين، فستستشعر موافقتهم على تدخل دولتهم في اليمن”. وأضاف بأن الجيل الإماراتي الأكبر سنا يساوره القلق من أن يتحمّل الشباب الإماراتي الصغير على عاتقه مسؤولية “إسبرطة الصغيرة”.

لكن، الخبراء يؤكدون أن الجيل الشاب قادر على تحمّل هذه المسؤولية، حيث ينوي الزعماء الخليجيون الشبان بناء جيوشهم بالاستثمار في تطوير قوات العمليات الخاصة وتنويع التعاون الأمني والخطط الطموحة من أجل مزيد الاعتماد على النفس في الأمن القومي، بالتوازي مع بناء القوة الناعمة التي ستكون هي الطريق الأمثل لعبور مرحلة ما بعد النفط، بعد تجاوز مرحلة الاعتماد على الولايات المتحدة والشركاء الخارجيين لحماية الأمن القومي عبر تطوير العقيدة الدفاعية الذاتية والإقليمية. وكما يشير الباحث الإماراتي علي العماري “السياسة الخارجية ما هي إلا انعكاس للسياسة الداخلية، وقوة السياسة الخارجية لأي دولة تنبع في المقام الأول من قوتها الداخلية، وهذا ما ينطبق على دولة الإمارات العربية المتحدة”.

6