الإمارات تواجه التهديد الإقليمي بدفاع محلي قوي

الأربعاء 2014/01/29
في الإمارات لا وظائف محظورة على النساء.. حتى في القوات المسلحة

أبوظبي - في السنوات الأخيرة ركّزت القيادة في دولة الإمارات العربية المتّحدة على سياسة التوطين، باعتبارها الطريقة المثلى للنهوض بالتنمية المستدامة اجتماعيا واقتصاديا. وقد رفعت هذه الرؤية شعار “الإماراتي هو الخيار الأول”.

بدأت هذه السياسة في مرحلتها الأولى من مجال العمل والتوظيف، ثم تطوّرت لتشمل مؤخّرا مجالا أكثر حساسية وحيوية وهو مجال الأمن القومي الإماراتي. هذه المرحلة بدأت مع بعث مشروع قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية الجديد. بموجب القانون، الذي صادق عليه مجلس الوزراء الإماراتي، أضحت الخدمة العسكرية إجبارية للذكور واختيارية للإناث.

هذه الخطوة، اعتبرها البعض مفاجأة، لكن المتتبع للسياسة الإماراتية، يرى أنها مرحلة متقدّمة من مشروع التوطين، ورؤية متطوّرة في إطار المساعي الرامية إلى تطوير الكفاءات الإماراتية مجاراة للتغيرات الحاصلة في المنطقة والعالم عموما وعلى مختلف المستويات سواء الاجتماعية أو الأمنية أو الاقتصادية. وهي خطوة تهدف إلى تعزيز قوة الدفاع الوطني الإماراتي.

هذا الهدف هو ما أكّد عليه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس الوزراء وحاكم دبي، مشيرا إلى أن “القانون الجديد يأتي بهدف تشكيل قوة دفاع وطني إضافية، لحماية الوطن وحفظ حدوده وحماية مقدراته ومكتسباته”.

وحسب حاكم دبي، فإن الخدمة الوطنية ستشمل “جميع المواطنين الذكور ممن أتموا سن الثامنة عشرة أو الثانوية العامة ولم يتجاوزوا الثلاثين، وستكون اختيارية للإناث”. وستشمل الخدمة الوطنية “تمارين عسكرية وأمنية للمجندين في القوات المسلحة”، على أن تكون مدتها تسعة أشهر لخريجي الثانوية وسنتين للذين يملكون درجات تعليمية أقل من الثانوية. وسيتم تشكيل قوات الاحتياط لدولة الإمارات من المجندين الذين أنهوا الخدمة الوطنية ومن العسكريين الذين انتهت خدمتهم في القوات المسلحة.

تعتبر دولة الإمارات ثاني دولة خليجية تفرض الخدمة الوطنية الإلزامية على أبنائها بعد قطر التي فرضتها نهاية العام الماضي ولمدة 3 أشهر للشباب المكلف بالخدمة الوطنية. من حيث المبدأ من حقّ كل دولة مستقلة ذات سيادة أن تبني جيشها بسواعد أبنائها كما هو واجب على كل مواطن أن يؤدّي واجبه نحو بلده. وتتبع معظم بلدان العالم نظام الخدمة العسكرية أو ما يعرف بالتجنيد. وقد كانت مصر من أولى الدول العربية التي اتعبت هذه السياسة.

الخدمة العسكرية تسمح بخلق نطاق واسع من المسؤوليات، وهي سياسة، ستخول للإماراتيين تعزيز مصالحهم القومية وضمان أمن بلادهم


الانتماء الوطني

محمد بالركاض العامري، عضو المجلس الاستشاري لإمارة أبوظبي، أشاد بمشروع قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية الجديد.. معتبرا أن هذه الخدمة سترسخ قيمة الانتماء الوطني أكثر لدى المواطنين، وهو الانتماء الأول الذي لا تعلو عليه أية انتماءات أخرى.

دور الخدمة العسكرية في تنمية المهارات وتكوين الكفاءات، أكّد عليه أيضا المحلل والخبير المختص في الدفاع والأمن في تحليل له صدر باللغة الإنكليزية. في مقاله تحدّث العطّار عن إيجابيات قانون التجنيد الجديد، من خلال المقارنة بين مساوئ خدمة المتعاقدين الأجانب ومحاسن قيام شباب الإمارات، أو أية دولة أخرى، بالخدمة العسكرية الوطنية.

يقول العطّار، في مقاله الصادر بصحيفة “ناشيونل” الإماراتية : “كنت قد أشرت سنة 2011، في إحدى المقالات التي حملت عنوان “حرس وطني متطوّع سيزيدنا قوّة”. إلى أن وجود نظام مثالي ينطلق من دولة الإمارات العربية المتحدة، سيكون مقدّمة لبناء قوة عسكرية متطوّعة، تشتغل بنظام نصف وقتي جنبا إلى جنب مع الجيش”.

والتجنيد، مفهوم قديم، وكثيرا ما كان محور جدال تقليدي، حول مدى نجاعة الخدمة العسكرية الإلزامية وتداعياتها الاجتماعية وتكاليفها الاقتصادية على المجتمع. وهنا يشير العطّار إلى أنه لا خلاف في أن القوات المحترفة أفضل من المّجنّدين، لكن الأوضاع الإقليمية تغيّرت بصفة ملحوظة وتغيّرت معها مسؤولية الدفاع.

وجاء التحرك الإماراتي في ظل أوضاع أمنية وسياسية صعبة تمر بها المنطقة، وهي مرشحة للتصاعد مع أزمات تمر بها دول مثل إيران وسوريا والعراق ومصر. وهذا الوضع الإقليمي يخلق مزيدا من الطلب على الجيوش المحلية للدفاع عن أوطانهم.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: الخدمة الوطنية تزرع روح النظام في الشباب

واليوم، هذا الطلب قد يكون من الأهمية بحيث أن القوات التقليدية لن تكفي لوحدها والاعتماد عليها فقط سيعطي مردودا صغيرا وتدخلا متأخرا. ويبيّن أحمد العطّار أن القوات المسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي تواجه اليوم مشكلة النقص في اليد العاملة مما يؤّثر في قدرتها على التصرّف في إمكانياتها واستغلال المعدّات المهيــأة لها على أكمل وجه.

وفي حالة دولة الإمارات العربية المتحدة يضع ذلك الإماراتيين أمام خيارين، تحمّل هذا “الضعف” العسكري، أو التعاقد مع أشخاص في مجال القتال وتقديم الدعم.

لكن الخيار الأول مرفوض بالنسبة إلى أي بلد يصبو إلى حماية حدوده بشكل صحيح، أما الخيار الثاني، وهو الوضع الراهن، حيث يقوم آلاف المتعاقدين من مختلف أنحاء العالم بتقديم الدعم اللوجستي وأداء الوظائف العسكرية في الإمارات. والعديد منهم يشاركون في تدريب وإعداد القوات المسلحة.

لكن موضوع استخدام متعاقدين أجانب في الجيش يطرح الكثير من التحدّيات، كما أن سلبياته أكثر من إيجابياته. ووفق تحليل “ذو ناشيونل”، فلئن يقدّم بعض المجنّدين خدمات جيّدة، لكن هؤلاء الأجانب يفتقدون الحافز والدافع للذود عن المصالح الإماراتية طويلة الأمد.

أما الأخطر من ذلك، فهو احتمال إفشاء العاملين الوافدين في القوات المسلحة لمعلومات عسكرية حساسة بعد انتهاء فترة خدمتهم، حسب تحليل العطّار. لذلك، من وجهة نظر الخبراء العسكريين، فإن الحل الأمثل هو في التجنيد الوطني، وهو الأكثر جدوى في ما يتعلّق بالسلامة الأمنية طويلة المدى لدولة الإمارات العربية المتحدة وتعويض نقص القوى العسكرية المحلية.


تداعيات إيجابية

يستحضر أحمد العطّار في تحليله، مزايا الخدمة العسكرية الوطنية، التي تساعد على رفد الوطن بأفراد ذوي أهلية عالية المستوى وكفاءات قادرة على القيادة اكتسبت الخبرة في العمل الجماعي مما يجعلها قادرة على التواصل مع مختلف فئات المجتمع والتأقلم مع كافة الأوضاع مما يخولهم إنجاز أكثر المهام تطلبا في ظروف صعبة وصارمة.

ويتوقّف التحليل عند نقطة محدّدة في غاية الأهمية، وهي التدريب على التكنولوجيات الحديثة والمتطوّرة، في عصر أصحبت فيه التكنولوجيا سلاحا والحروب تدار افتراضيا.

الخدمة العسكرية تسمح بخلق نطاق واسع من المسؤوليات، وهي سياسة، ستخول للإماراتيين تعزيز مصالحهم القومية وضمان أمن بلادهم

وأكبر مثال على لك يوضحه كتاب الإسرائيليين دان سينور وشاول سينجر الذي يحمل عنوان “Startup Nation: The Story of Israel’s Economic Miracle“، أما عنوان الطبعة العربية الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية فهو “بنـاء الدولـة: الخدمة العسكرية ودورها في تطوير الاقتصاد”.

يذكر الكاتبان أن إسرائيل هي الأولى في العالم، من حيث نسبة الإنفاق على البحوث والتطوير من الناتج الإجمالي القومي، والتي تبلغ 4.5 بالمئة. ويعزيان الأمر إلى العسكرية الإسرائيلية التي توفر للمنتسبين إليها بيئة تشجعهم على الريادة والاتقان.

والخدمة العسكرية إلزامية في إسرائيل للرجال والنساء، بل إن الإسرائيليين يحرصون على أداء الخدمة العسكرية لأنهم سيحصلون على مستقبل أفضل لهم في عالم الأعمال. ويقول المؤلفان إن الأميركي مثلا يقيم عند تقدمه إلى وظيفة بناء على الجامعة التي درس بها لكن الإسرائيلي يقيّم بناء على الوحدة النخبوية التي أدى فيها خدمته العسكرية. ومن أهم الوحدات العسكرية النخبوية في الجيش الإسرائيلي “وحدة 8200"، ويشار إليها أحيانا باسم وحدة SIGINT، وهي مختصّة في عمليات التجسس الإلكتروني عن طريق جمع إشارة (SIGINT) وفك الشفرة. وهي أيضا المسؤولة عن قيادة الحرب الإلكترونية في الجيش الإسرائيلي. ويعتقد مختصون أنها الجهة التي أطلقت فيروس دودة ستوكسنت “ Stuxnet“. وأسس قدامى المحاربين في “وحدة 8200" شركات عالمية رائدة في مجال تكنولوجيا المعلومات، مثل ICQ، شبكة إيثرنت، واطلقوا علوم الاحتيال الإلكتروني (التي تشكل العمود الفقري للحلول الأمنية باي بال PayPal).

يخلص الخبير أحمد العطّار إلى أن الخدمة العسكرية الإلزامية تسمح بخلق نطاق واسع من الإمكانيات والمسؤوليات. وهي سياسة، في حال تطبيقها بشكل صحيح، ستخول للإماراتيين تعزيز مصالحهم القومية وضمان أمن بلادهم بسواعد وطنية وإرساء أجيال مستقبل أكثر كفاءة وثقة وسيكونون كفاءات وطاقات خلاّقة في المهن التي سيقع عليها اختيارهم، بعد انتهاء خدمتهم العسكرية.

7