الإمارات: دعم اليمن لا يحتاج إلى مبررات

عندما أعلنت المملكة العربية السعودية عن قائمة الدول المشاركة عسكريا في عاصفة الحزم، استغرب بعض المراقبين، خصوصا في الغرب، من وجود بعض الدول البعيدة جغرافيا عن اليمن، أو المعروفة بنهجها السلمي والإنساني على غرار دولة الإمارات العربية المتحدة. لكن، سرعان ما جاء الجواب واضحا وأكيدا وهو أن اليمن مكون من مكونات الأمن الخليجي والأمن العربي المشترك. مشاركة الإمارات عسكريا في استعادة اليمن لشرعيته تتجاوز الحسابات الضيقة وتأتي في سياق دعم التحالف العربي في صدّ محاولة التدخل الإيرانية في شؤون المنطقة.
الجمعة 2015/10/02
مساعدات مستمرة عبر السنوات: جسر جوي عام 2012

نشر بلال صعب، الباحث بمركز “برنت سكوكروفت” الأميركي، مقالا، مؤخرا، في مجلة نيوزويك، يرى فيه أن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تمتلك مبررات للمشاركة العسكرية في اليمن، زاعما أن الثمن الذي دفعته يؤكد أن قرارها في هذا الشأن لم يخضع لحسابات استراتيجية دقيقة.

ويرى صعب أن خسائر دولة الإمارات جراء المشاركة العسكرية في اليمن لا تقتصر على الجانبين البشري والمادي، بل تعدّت ذلك لتشمل ما وصفه بتشويه سمعة الإمارات الإيجابية إثر تدخّلها العسكري “المحفوف بالمخاطر”.

وهنا ليسمح الكاتب أن ننبّهه إلى أمور وحقائق لم ينتبه إليها في تحليله، فالكاتب قد تناول الموضوع برمته من زاوية ضيّقة لم تر في ما يحدث في اليمن سوى خطر جماعة الحوثي محدودة القدرات، عسكريا وبشريا وماديا.

وبالتالي، فقد اعتبر أن خطرها لم يكن يستدعي هذا الجهد العسكري الكبير للتحالف العربي. وهنا لا أعرف على وجه الدقّة إن كان كاتب المقال على إدراك تام بحقائق المشهد الاستراتيجي الإقليمي وما يموج به من متغيّرات وصراعات وتعقيدات وما يرتبط بذلك من دور وتدخّلات إيرانية سافرة في الدول العربية، أم أنه يفضّل فكرة عزل الملفّات عن بعضها البعض ويتعامل مع كل حالة على حدة متجاهلا التأثيرات والعوامل الخارجية ذات الصلة وما تفرزه من تحديات وتهديدات على مختلف الدول.

استراتيجيات الدفاع عن الأمن القومي للدول لا ترتبط بالحدود الجغرافية، والمسألة لا تقاس بالتماس الحدودي

لا شك أن الكاتب على إلمام بدور إيران وطموحاتها التوسعية على حساب الدول العربية، وعدائها السافر لدول مجلس التعاون الخليجي، وبالتأكيد فهو يتابع أيضا التهديدات الإيرانية العلنية التي تصدر بين الفينة والأخرى ضد هذه الدولة الخليجية أو تلك، لاسيما ما يتعلق بإدراج إيران صنعاء ضمن عواصم ثلاث عربية أخرى تسيطر عليها، بغداد ودمشق وبيروت، وذلك قبل إطلاق عملية “عاصفة الحزم”، التي أنقذت ما يمكن إنقاذه من اليمن الذي كاد يسقط تماما بيد الحوثي ومن خلفه داعموه الإيرانيون.

لم تكن السعودية أو الإمارات تخشيان سيطرة جماعة الحوثي على اليمن، فهي بكل تأكيد جماعة لا طاقة لها ولا مقدرة على حكم اليمن بتنوعه الديني والفكري والسياسي وعمقه التاريخي والحضاري.

ولكن الجميع يعرف أن الجماعة ليست سوى واجهة لإيران ونفوذها وأطماعها التوسعية المذهبية في اليمن ومحاولة إحكام قبضة الضغط ومحاصرة دول مجلس التعاون استراتيجيا عبر السيطرة على بوابات الشمال والجنوب العربية، من خلال السيطرة على بغداد ودمشق وبيروت في الشمال وصنعاء في الجنوب.

كما لم تكن الإمارات تخشى صواريخ الحوثي حين قررت التصدي لخطر هذه الجماعة، ولم تكن هناك أي حسابات بشأن مدى صواريخ الحوثي ولا دقتها في الوصول إلى أراضي دولة الإمارات العربية المتحدة، فالمسألة تتعدى ذلك بمراحل.

الثروة البشرية

يدرك الباحث بلال صعب أن الحسابات الاستراتيجية للدول تخضع لمعايير دقيقة وتتم وفق معادلات وقياسات معيارية للأرباح والخسائر. وإن أي قرار استراتيجي مثل المشاركة العسكرية في دول أخرى يمتلك عوامل مخاطرة يتم حسابها بدقة، ولا يمكن اتخاذه بشكل عشوائي أو عفوي.

وبالتالي فإن ما أشار إليه من خسائر يندرج بالتأكيد ضمن حسابات قرار القيادة الإماراتية، التي لم تكن لتتخذ مثل هذا القرار لولا استشعارها أن حجم الخطر الاستراتيجي الذي يهدد دولة الإمارات ومصالحها يستحق كل هذه التضحيات المادية والبشرية.

القيادة الإماراتية تدرك تماما أن الإمارات دولة تعاني ندرة في مواردها البشرية، وأن الإنسان في الإمارات يمثل ثروة تفوق بمراحل ماعداها من ثروات أخرى. لذا فإنها تحرص على الاستثمار في العنصر البشري منذ الصغر.

وتبذل الكثير من أجل أن تحافظ عليه في مواجهة أي أخطار صحية أو حتى أخطار تتعلق بحوادث الطرقات. فضلا عن أن المجتمع الإماراتي قبلي بطبيعته، ويشبه في تكوينه العائلة الواحدة الكبيرة، بما يجعل من الصعب على القيادة تبني قرار إرسال أبنائها من القوات المسلحة لعمليات عسكرية خارجية من دون دراسة وافية للموقف أو التيقن من متانة الجبهة الداخلية والدعم القوي لقرار القيادة في هذا الشأن.

قياسا على ما سبق، يمكن القطع بأن قرار دولة الإمارات المشاركة في التحالف الداعم للشرعية الدستورية في اليمن قد حصل على كثير من النقاش والدراسة التي يستبعد معها أي دور للتسرع أو العشوائية في اتخاذ هذا القرار التاريخي.

وهنا أدعو الباحث بلال صعب إلى متابعة ردود الأفعال القوية الداعمة التي صدرت مؤخرا، عن الفعاليات المجتمعية وحالة الصمود والشجاعة التي أبداها أهالي الشهداء الإماراتيين، فضلا عن المواقف البطولية لمصابي العمليات العسكرية الذين طلبوا إذنا بسرعة العودة إلى رفقائهم في اليمن من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حين قام بزيارتهم.

حسابات دعم اليمن

يدرك الباحث بلال صعب أيضا أن استراتيجيات الدفاع عن الأمن القومي للدول لا ترتبط بالحدود الجغرافية، وأن المسألة لا تقاس بالتماس الحدودي.

ولن أضرب بالولايات المتحدة الأميركية مثالا على ذلك، كي لا يقول أحدهم إنني أقارن الإمارات بالقوة العظمى الوحيدة المتربعة على عرش النظام العالمي القائم.

أي قرار استراتيجي مثل المشاركة العسكرية في دول أخرى يمتلك عوامل مخاطرة يتم حسابها بدقة

ولكن دعني أضرب لك مثالا آخر هو إيران التي تحارب بالوكالة تارة وبشكل مباشر تارة أخرى في لبنان وسوريا والعراق واليمن. فضلا عن إسرائيل التي طالما شعرت بتهديد استراتيجي جراء امتلاك إيران برنامجا للتسلح النووي، ولوحت غير مرة بتوجيه ضربة جوية للمنشآت النووية الإيرانية، وهي تفصلها آلاف الأميال عن إيران وربما لا تقع أساسا في مرمي الصواريخ، التي تزعم طهران امتلاكها.

للموضوع أيضا بعد أخلاقي وتاريخي لا ينبغي للباحثين تجاهله، فقرار القيادة الإماراتية المشاركة العسكرية في تحالف دعم الشرعية الدستورية في اليمن جاء بمثابة “فزعة” أو استجابة لنداء الأشقاء في اليمن، بما لهم من حقوق وصلات رحم وعلاقات تاريخية مع الشعب الاماراتي. وهذه الحسابات تضاهي ـ أو ربما تفوق ـ الحسابات الاستراتيجية التقليدية، فللمسألة أبعاد ندركها نحن أبناء الخليج العربي، ونحرص على التمسك بقيم الأصالة والتعاون ونصرة المظلوم التي غرست فينا منذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة الفتية على يد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

حسابات الأشقاء في السعودية تجاه اليمن لم تكن تتعلق بالريادة في العالم العربي وغير ذلك من تحليلات، فالجميع يعرف حال العالم العربي، وما آلت إليه الأمور بما يجعل من البحث عن فكرة الريادة في هذه الظروف الاستثنائية نوعا من العبث السياسي.

كاتب وباحث في القضايا السياسية – الإمارات العربية المتحدة

6