الإمارات.. فعالية إدارة الأزمة وتميزها

ثمّة عوامل عديدة ساعدت دولة الإمارات في تنفيذ خطط المجابهة بفعالية ونجاح أهمُّها: القرار القيادي الفعال وكفاءة الإدارة الحكومية، وفعالية آليات اتِّخاذ القرار، والتخطيط المحتسب للطوارئ.
الخميس 2020/05/21
تحوط وجاهزية

تواجه الإنسانية أَزمة كونية متعددة الأَبعادِ غير مسبوقة. جائحة كرونا المستجدة أفرزت تداعيات لا تقتصـر آثارها المدمرة على الصحة العامة للمجتمعات، بل تشمل مفاصل الهياكل الاقتصادية وأَنشطتها، بالإضافة إلى تداعيات وتحديات اجتماعية آنية ومستقبلية.

الجائحة كشفت أوجه الخلل في المنظومة الصحية لكثير من الدول، منها ذات مستويات رعاية صحية متقدمة، وبينت عدم جاهزيتها للتشخيص الاستباقي للتهديد الوبائي. والأهم عدم قدرتها على الاستجابةِ السـريعة واحتواء انتشار الوباء، وتقديم التداخل العلاجي الفعال.

مع وضوح مخاطر انتقال الجائحة إلى الدولة واحتمال انتشارها، بادرت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، وفريق إدارة الأزمة والمؤسسات المعنية في الدولة لوضع خطط استباقية تحتوي الجائحة، وتحول دون انتشارها، فرصدت متطلّبات التنفيذ المالية والإدارية والمادية بشكل سريع وشامل.

فعالية آليات الرصد والاستجابة الفورية وجاهزيتها، والتداخل العلاجي، وتكامل السياقات المتبعة لمواجهة الجائحة، وإدارة الأزمة الراهنة باقتدار، لم تولد من فراغ، ولم تكن نتاج ضرورات اللحظة الطارئة. فقبل بدء الأزمة، كنت قد بدأت البحث عن بيانات ومصادر لدراسة أُزمع إعدادها عن القطاع الصحي في إمارة أبوظبي، فأتيح لي الاطَّلاع على سجل تطوُّر القطاع، والاستراتيجيات المعدة سلفا من قبل الهيئات الصحية في الإمارة.

هنالك معلومتان جديرتان بالإشارة: أولاهما الجهود الحثيثة المبذولة لتطوير القطاع الصحي في إمارة أبوظبي. مسيرة الإنجازات المتحققة بدأت بإنشاء “مستشفى الواحة” في مدينة العين في نهاية عام 1960، المعروف باسم “مستشفى كندي” نسبة إلى الدكتور بيرول كندي وزوجته الدكتورة ميريان كندي، اللذين قَدِما إلى أبوظبي بدعوة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وصولا إلى مرحلة منظومة المنشآت الصحية الحديثة العامة والخاصة، والخدمات ذات الجودة والنوعية المتميزة بمواصفات دولية، والتي وضعته في مصاف القطاعات الصحيَّة المتقدَّمة في المنطقة والعالم.

المعلومة الثانية؛ تتعلّق بتوفير خطط الجاهزية والتحوط قبل انطلاق الجائحة الراهنة وانتشارها. في ديسمبر 2014 ، أقرت حكومة أبوظبي استراتيجية خاصة لتطوير القطاع الصحي، والارتقاء بمستوى الخدمات كما ونوعا. حددت الاستراتيجية سبعة أهداف أساسية: تحسين نوعية خدمات الرعاية الصحية، وتعزيز معايير الأمان وجذب الاختصاصات والكوادر الطبية الماهرة واستخدامها، والتحوُّط والجاهزية لحالات الطوارئ، وزيادة مستوى الوقاية الصحيَّة، ورفع كفاءة كلف الخدمات الصحيَّة، وتطوير منصّة العلاج الإلكتروني.

أوْلَتْ الاستراتيجية أهمية خاصة بتهيئة القطاع الصحي للتعامل مع حالات الطوارئ والمخاطر المستقبليَّة، كتهديدات انتشار الأوبئة والجوائح خاصة. ولتحقيق ذلك، نسّقت هيئة صحة أبوظبي؛ دائرة الصحة لاحقا، مع المفاصل الأساسية في الحكومة لتطوير قاعدة البيانات، وبنية اتَّصالات ووضع الخطط والسياقات الضروريَّة لجاهزيَّة القطاع لمواجهة الطوارئ والأوبئة. إعداد خطط الطوارئ لم تقتصر على إمارة أبوظبي، بل نجحت الحكومة الاتحادية والإمارات الأُخرى في توفير عناصر الجاهزية والتحوُّط أيضا.

في العام الماضي نشرت لأول مرة نتائج “المؤشر العالمي للأمنِ الصحي” الذي يقيَّم قدرات الأمنِ الصحي في مئة وخمس وتسعين دولة. يستخدم المؤشر عددا من المعايير الأساسية والفرعية؛ أهمُها: قدرة المنظومةِ الصحية الوطنية على الاكتشاف المبكر والإبلاغ عنِ الأوبئة ومدى الاستجابة السريعة والتخفيف من حدة انتشارِ الوباء واحتوائه. وكذلك قدرة النظام الصحي على حماية العاملين في القطاعِ. تصدَّرت الولايات المتحدة القائمة، تلتها بريطانيا فهولندا وأستراليا وكندا والسويد والدانمرك وكوريا الجنوبيَّة. احتلَّت الصين المرتبةَ الواحدة والخمسين، وإيران المرتبة السابعةَ والتسعين. عربيا احتلَّت المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى؛ السابعة والأربعين دوليّا. تلتها دولة الإماراتِ العربية المتحدة محتلَّة المرتبة الثامنة والخمسين عالميا. مرتبة جيدة قياسا بحداثة التجربة.

سياقات إدارة الأزمة الوبائية والإجراءات الاحترازيّة الصحيَّة المتبعة في دولة الإمارات، وإن تشابهت بعض جوانبها مع ما يطبق في دول أخرى، إلا أنها انفردت بسمات مميّزة؛ أهمُّها: الاستجابة السـريعة والحسم والمرونة والتكامل والتدرُّج والإنسانيَّة والاعتماد على تفاعل أفراد المجتمع وإسهاماتهم.

أهم ما يستحق الإشارة والإشادة في تجربة دولة الإمارات، موقف القيادة الإماراتية الأخلاقي والإنساني من هذه الأزمة وما اتَّخذته من قرارات ومبادرات. إجراءات حماية المجتمع من تداعيات الجائحة لم تميِّز بين مواطن ومقيم، بل شملت كلاهما. وحرصت القيادة الإماراتية على طمأنة الجميع بألا يقلقوا بما يتعلَّق بتوفير الغذاء والدواء. هذه الطمأنة تحمل قدرا كبيرا من النبل والمسؤولية الأخلاقية والإنسانية.

مواقف القيادة الإماراتية وحرصها الإنساني لم يقتصرا على حماية المجتمع الإماراتي من الوباء، بل امتدا لدعم جهود المنظومات الصحيَّة لدول أخرى لكبح جماح الوباء. سجلّ العطاء الإنساني شمل إجلاء 215 شخصا من رعايا دول مختلفة من مقاطعة كوبي الصينيَّة إلى مدينة الخدمات الإنسانية في أبوظبي، وتوفير الرعاية الصحيّة لهم، ومن ثمَّ إيصالهم إلى أوطانهم، وإجلاء الطلاب السودانيين واليمنيين من المدن الصينية. إلى جانب تقديم مساعدات زادت على خمس مئة وخمسين طنّا من المعدات والمواد الصحية إلى تسع وأربعين دولة.

مواقف دولة الإمارات ومساعداتها الخارجية، انطلقت من مبادئ التعاون الإنساني وقيمه، وتجاوزت النزاعات والخلافات السياسيَّة. خير دليل على إنسانية المواقف؛ مساعدة دولة الإمارات لمنظمة الصحة العالمية في إيصال المساعدات الطبيَّة إلى إيران. وكذلك التعهُّد الإماراتي لدعم الشعب السوري في تجاوز أزمة الوباء.

ثمّة عوامل عديدة ساعدت دولة الإمارات في تنفيذ خطط المجابهة بفعاليَّة ونجاح، أهمُّها: القرار القيادي الفعال وكفاءة الإدارة الحكومية، وفعالية آليات اتِّخاذ القرار، والتخطيط المحتسب للطوارئ، وتوفُّر الموارد المالية والقدرة على تغطية نفقات الرصد، والاستجابة والتداخل العلاجي، وجودة المنظومة الصحيَّة وطاقتها الاستيعابية، واستراتيجية أمن غذائي، وشبكة اتصالات، وبنية تحتية وتقنية رقمية متطورة، بالإضافة إلى استثمار وعي المجتمع وتجاوبه الإيجابي مع الإجراءات الاحترازية.

جهود القيادة الإماراتية ومؤسساتها في إدارة الأزمة ومعالجة تداعيات الجائحة، تزامنت مع التفكير في وضع الخطط المستقبلية وإعادة بناءِ منظومة الأمنِ الصحي الوطني على أسس صحيّة ومفاهيم مبتكرة جديدة، والاستفادة مما كشفته الجائحة من فجوات ونواقص وقائية وعلاجية.

9