الإمارات.. واستشراف حكومات المستقبل

الأربعاء 2015/02/11

تحذر المستقبل ولكنها لا تتخوّف منه، تعيش الحاضر لكنها لا تفقد قوة البصيرة فترى غيره، تستحضر التاريخ لكنها لا تقف عنده، تتابع الأحداث في سياقها العربي والدولي، من تغيرات في عالم الاقتصاد إلى التوتر في شبكات العلاقات الاجتماعية، لكنها لا تنأى بنفسها، بل تقوم بمحاولات واعية لإيجاد حلول لها، تعمل من أجل أن تكون فاعلة على الصعيدين الإقليمي والدولي، لكنها لا تود أن تركن إلى أحلام الواقع فتضيع بها السبل.. تلك هي الإمارات الوجه المشرق في عالم ظلام يسود منطقتنا العربية بأكملها.

يمكننا على الصعيد العملي أن نعرف تفصيلات ما سبق ذكره بالعودة إلى الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال فعاليات الدورة الثالثة للقمة الحكومية، التي عقدت في دبي الاثنين الماضي 9 فبراير تحت شعار استشراف حكومات المستقبل، فقد أشار إلى جملة من القضايا تعتمد، على ثلاث ركائز: التأسيس باعتباره ماضيا، والتمكين باعتباره حاضرا، والاستشراف باعتباره مستقبلا، ولكن هذه الركائز تتداخل في بعدها الزمني، كما أنها تكون حاضرة عند صناعة القرارات أو التحضير لمراحل مقبلة لعقود، ما يعني دخول الإمارات في نادي الدول الكبرى القائمة سياستها على استشراف المستقبل.

لنتأمل قوله “إن دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد لديها رؤية استراتيجية شاملة، محورها تنمية الموارد البشرية، التي نراهن عليها لمواجهة التحديات وضمان مستقبل زاهر للأجيال القادمة”. إذن فالأولوية للإنسان، كونه العنصر الأهم في مجال الاستثمار، لكن ما هو البعد الزمني لتلك الرؤية؟ نجد الإجابة، من جديد، في كلمة محمد بن زايد، حين يقول “نفكر ونخطط لخمسين سنة قادمة ولمصلحة الأجيال عبر بناء اقتصاد متنوع ومتين ومستدام، لا يعتمد على الموارد التقليدية ويفتح آفاقا واعدة تساهم في تعزيز مقومات وقدرات الدولة”.

هكذا تجاوزت الإمارات ما تعارف عليه في الدول المتخلفة والمتقدمة من خطط تنموية خماسية أو عشرية، ما يعني تمكنها من تحقيق منجزات في جميع المجالات، والأكثر من هذا تحقيق خططها التنموية السابقة، والسر في ذلك وجود حكومة متميّزة، والتي بيّنها محمد بن زايد بقوله “الحكومة المتميزة ترى أن كل مواطن ثروة وطنية، وبناء الدولة لا يعتمد على الحكومات فحسب، بل هو واجب على كل مواطن ومقيم في الدولة”.

فالاستثمار في التعليم وفي الطاقة المتجددة وفي مجالات الحياة الأخرى، كما جاء في كلمة محمد بن زايد، من الصيغ المستقبلية لحماية الأجيال القادمة، وهي التي تحول دون الخوف من نضوب البترول، والفضل في ذلك يعود إلى رؤية قيادة الإمارات وتنوع اقتصادها، واعتمادا على ذلك، تجنّبت تأثير تقلبات أسعار النفط وتمكّنت من مواصلة مسيرة التقدم والنهضة.

المدهش في الموقف الإماراتي على مستوى صناعة القرار السياسي هو الإعلان للعالم، عن النتائج التي تحققّت، في محاولة جادة من قيادتها أن يعم الرخاء والازدهار العالم، وقد يكون ذلك هو سر نجاح التجربة الإماراتية، والمسألة هنا تتجاوز الفخر والتباهي بالمنجز الوطني، وإن كان من حقها ذلك، إلى تقديم صيغ تنموية للعالم تقلل من الفقر والجهل، وتعمّم الشعور الإنساني في شقه الوجودي.

تقدم الإمارات رؤيتها للمستقبل بعد خمسة عقود من الآن، وتستمع للآخرين وتتفاعل معهم بخصوص استشراف حكومات المستقبل، وهي لا تقدم رؤيتها باعتبارها وصفة سحرية للآخرين لأن لكل دولة تجربتها الخاصة، إنما تسعى إلى إثراء حوار عالمي جامع، لأن الدول لا تعيش في عزلة عن بعضها، إذْ ما جدوى وجود حكومات متطورة قليلة والعالم تحكمه حكومات كثيرة متخّلفة؟ ثم أن هناك سهولة نتشار الفساد والإرهاب في العالم، وأمامنا أمثلة عن الإجرام الدموي الذي تتغذى من خلاله الجماعات الإرهابية.

المسألة ليست ترفا فكريا، ولا جلسات للنقاش يتم تداول توصياتها على نطاق ضيق، بعيدا عن اتخاذ قرارات حاسمة في هذا المجال، إنما هي تبادل لأفكار بين القادة والباحثين تؤسس لرؤية مستقبلية تخص طبيعة الحكومات التي ستحكم العالم، والحديث هنا يخص مصير أجيال، أي ميراث البشرية لجهة انقطاع الحضارة أو ديمومتها، لذلك فإن الذهاب في عمق الزمن المستقبلي، يتطلب سرعة تتناسب مع ما تسعى البشرية لتحقيقه أولا، وثانيا أن يستند الاستشراف على نماذج ناجحة من الحاضر، وأحسبُ أن الإمارات تصنع الحدث على مستوى السرعة والابتكار بما يؤهلها لإيجاد سرعة تتناسب مع ما تريد تحقيقه في المستقبل، ناهيك على أنها حققت نجاحا في كل المجالات التي استثمرت فيها، وهذا يعطيها الحق في الحديث بل والتبليغ بالشكل الذي ستكون عليه حكومات المستقبل.

وإذا كان الصوت الإماراتي مسموعا دوليا، ورؤيتها الإستراتيجية محل متابعة من الدول المتقدمة، بدليل حجم المشاركة الدولية في أي نشاط تقوم به، فإن الإشكال بالنسبة إليها في تخلف بعض دول محيطها التي لا زالت، حسب الباحث البريطاني مايكل كلارك، تعيش مرحلة “الحداثة”، في حين تعتبر الإمارات اليوم دولة “ما بعد حداثية”، ومشكلة أخرى هي أن شقيقاتها العربيات لم يستوعبن بعد طبيعة المرحلة، واستشراف بعضهن للمستقبل يكاد يكون معدوما.


كاتب وصحفي جزائري

9