"الإمارات والقضية الفلسطينية".. تراجع الاهتمام بالقضية لم يوقف الإيمان بها

الاثنين 2016/10/31
الإمارات مسيرة طويلة من العطاء والدعم للقضية الفلسطينية

لم تغب القضية الفلسطينية عن الاهتمام العربي رغم ما طال الساحة العربية من متغيرات ترتبت عن ربيع عربي أنتج ثمارا مرة، بدءا من الإرهاب وصولا إلى تعميق الأزمات الاقتصادية المتردية أصلا. لكن هذا لا يكفي وحده للإلمام بالمسألة، إذ أن استحضار ما يسود الساحة الفلسطينية من انقسام مترتب بدوره، عن إمعان حركات وتيارات سياسية في توظيف القضية لصالح أجنداتها السياسية، وتحول ذلك إلى مجال للمضاربة السياسية، أدت مجتمعة، إلى تراجع الدعم العربي للقضية، من منطلق أن الدعم لن يكون ناجعا في واقع الانقسام، ولن يكون نافعا إن وجه لتيارات تولي وجهها شطر القضية وتسبق ولاءها للجماعة قبل الوطن. انطلاقا من هذه المعضلة يصبح السؤال مشروعا، كيف نساند القضية الفلسطينية؟ وهل يمكن التوفيق بين مبدئية المساندة، من منطلق أنها قضية العرب الأولى، وبين مشروعية اتخاذ موقف من أطراف تتاجر بالقضية؟

أسئلة تحضر عند الاطلاع على كتاب موسوم “الإمارات العربية المتحدة والقضية الفلسطينية: دراسة تاريخية”، للباحث الإماراتي سالم سعيد الكتبي، والذي صدرت طبعته الأولى في أكتوبر 2014 من منشورات مركز مداد للدراسات والبحوث في أبوظبي.

“دولة الإمارات العربية المتحدة والقضية الفلسطينية: دراسة تاريخية”، عنوان يثير صعوبات جمة منهجية وتاريخية وسياسية ومبدئية، تواجه من عنَّ له أن يقرأ الكتاب بنوايا نقدية مضمرة. صعوبات تنبع من كون القضية الفلسطينية أسبق من وجود دولة الإمارات العربية المتحدة ذاتها. ولكن هذه الصعوبات تتصل أيضا بالمنحدر الذي أودت به المتغيرات الكبيرة بالقضية الفلسطينية حتى تراجعت في سلم الاهتمامات العربية. الصعوبات تنطلق كذلك من أن قضية فلسطين أصبحت مجالا خصبا للمزايدة السياسية لدى البعض من التيارات السياسية، والتي اتخذت من شعارات المقاومة مسوّغات ولجت من خلالها حقولا لا تمت للقضية الفلسطينية بصلة، إلى أن أصبح الخوض في القضية الفلسطينية يفترض رسم مسافة مع هذه التيارات، وهذا لا ينفي وجود تيارات ورؤى سياسية مازالت تؤمن بعدالة القضية وتبحث لها عن حلول من دون المتاجرة بها أو من دون توظيفها.

هذه الصعوبات مجتمعة، ولئن كانت تعسّر التعاطي مع دارسة الباحث الإماراتي سالم سعيد الكتبي، إلا أنها أيضا كانت تحفز على قراءة المتن بحثا عن إجابة للإشكالية المطروحة للدراسة، وكذلك بحثا عن مخرج للمطبّات التي أسلفنا ذكرها. صغر حجم الكتاب (من القطع الصغير الذي لا يتجاوز 67 صفحة) لم يحل دون اكتظاظه بمعلومات وتحليلات وأرقام ووثائق واستدعاءات تاريخية كثيرة.

نهض الكتاب على فرضيات عديدة، شدد بها على وجاهة المبحث، وهي فرضيات تنطلق من الصعوبات المنهجية والسياسية والفكرية المشار إليها، إلا أنها تسمح -منهجيا- بتتبع خيط ناظم لعلاقة دولة فتية بقضية قديمة، والتتبع هنا ليس تاريخيا فحسب، بل هو سياسي ومبدئي وقانوني وحقوقي وديني.

انطلق الكتاب من فرضيات أساسية أربع أرادها المؤلف من قبيل الأسس التي انطلقت منها الدراسة. الفرضية الأولى أن الدعم الإماراتي للقضية الفلسطينية دعم ثابت لم ينقطع منذ نشأة الدولة في العام 1971، بل هو مقترن بتاريخها. الفرضية الثانية قوامها أن الدعم الإماراتي لم يتأثر بالخلاف في التوجهات السياسية مع البعض من القوى والتيارات الفلسطينية، لأن الدعم موجه أساسا للشعب الفلسطيني.

الدعم الإماراتي موجه إلى قضية فلسطين والشعب الفلسطيني، وليس إلى تيار معين. وهو ما أكسب هذا الدور المزيد من المصداقية لدى أبناء الشعب الفلسطيني بمختلف توجهاته

الفرضية الثالثة مفادها أن القضية الفلسطينية لا تزال في صدارة اهتمامات السياسة الخارجية الإماراتية على الرغم من المتغيرات التي طالت القضية في السنوات الأخيرة. أما الفرضية الرابعة ففحواها أن الدعم الإماراتي للقضية الفلسطينية ينطلق من ثوابت سياسية وأخلاقية ودينية لا تتغير.

في مفصل آخر من الدراسة عدّد الكتبي منطلقات الدعم الإماراتي للقضية الفلسطينية؛ وكانت أربعة منطلقات؛ المنطلق العربي الإسلامي، ومنطلق دعم القضايا العادلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومنطلق العمل من أجل السلام والاستقرار في العالم، والمنطلق الإنساني.

عرج الباحث الإماراتي في القسم الثاني من الكتاب على مظاهر دعم الإمارات للقضية الفلسطينية؛ حيث قسمها إلى مظاهر دعم سياسي من خلال التشديد الإماراتي على ربط التطبيع بحل قضية فلسطين وتحقيق السلام، ومظاهر دعم مالي استعرض فيه بالأرقام المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات إلى الشعب الفلسطيني سواء في الضفة أو في القطاع، مع التأكيد على أن الدعم لم يتأثر بالخلاف السياسي مع حركة حماس باعتبار الإيمان الإماراتي بأن الدعم، في جوهره وحقيقته، موجه للشعب الفلسطيني عموما.

خلصت الدراسة إلى جملة استنتاجات مفادها أن الإمارات في مقدمة الدول العربية والإسلامية الداعمة للقضية الفلسطينية، سواء على المستوى السياسي أو المالي، في عهد المؤسس الشيخ زايد ن سلطان آل نهيان أو في عهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

الدعم الإماراتي موجه إلى قضية فلسطين والشعب الفلسطيني، وليس إلى تيار معين. وهو ما أكسب هذا الدور المزيد من المصداقية لدى أبناء الشعب الفلسطيني بمختلف توجهاته.

تركيز الدعم الإماراتي للشعب الفلسطيني على القطاعات التنموية التي تتصل مباشرة بحياة الفلسطينيين، هو ما يعني أن هذه الدعم كان يتقصّد تحسين حياة الفلسطينيين والنهوض بمستقبلهم.

على الرغم من تراجع القضية الفلسطينية بدرجات مختلفة، من اهتمامات الكثير من الدول العربية والإسلامية خاصة منذ اتفاق أوسلو 1993، إلا أن أرقام الدعم المالي الإماراتي للقضية تؤكد العكس، وهذا ما يكشف عنه التزايد المستمر في قيمة المساعدات التي توجهها الإمارات إلى الشعب الفلسطيني من عام إلى آخر، ويؤكد الموقع الثابت للقضية الفلسطينية في سياسة الإمارات بصرف النظر عن التحولات الخاصة بالقضية أو المنطقة.

الجهات الإماراتية التي تقدم الدعم للشعب الفلسطيني متعددة، وهو ما يكسب الدعم الإماراتي قدرا كبيرا من الأهمية والحيوية ويميزه عن أدوار الأطراف العربية والإسلامية.

الدعم الإماراتي للقضية الفلسطينية محل اتفاق التيارات الفلسطينية كلها دون استثناء، وهذا ما كشفت عنه مواقف هذه القوى من المساعدة الإماراتية لغزة أثناء العدوان الإسرائيلي في العام 2014.

يظهر الدعم الإماراتي للشعب الفلسطيني بقوة أثناء المحن، حيت تكون الإمارات في صدارة المبادرين إلى مد يد المساندة والعون، ومن ثم يكون دورها أكثر تأثيرا وأهمية سواء على صعيد مساندة الشعب الفلسطيني أو على المستوى السياسي ودعم القضية الفلسطينية في المحافل والمنظمات الإقليمية والدولية.

الكتاب يوفر كمّا هائلا من الأرقام والوثائق التي لا تفيد فقط، في استعراض الدعم الإماراتي للقضية الفلسطينية، بل يمكن اعتباره وثيقة تاريخية للقضية ذاتها، إذ حفل بالمواقف والتصريحات، فضلا عن الصرامة المنهجية التي آثر المؤلف أن يتّبعها، من ناحية المراجع والإحالات أو من وضوح الأبواب والمفاصل.

دراسة سالم الكتبي، وثيقة تاريخية عن القضية الفلسطينية لا فقط عن الدعم الإماراتي للقضية العربية الأولى، فالصرامة المنهجية للكتاب وكثافة المعطيات والتقارير، معطيات لم تحجب الروح العروبية المهيمنة على الكتاب، ولعلها روح نابعة من المؤلف ومن مواقف استحضرها الكتاب، فـ”النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي” وهي مقولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إثر حرب أكتوبر 1973، تلخص رؤية الكتاب للقضية الفلسطينية.

كاتب من تونس

7