الإمارات.. وصلاة الخلاص الإنسانية

التفاعل الذي لقيته المبادرة الإماراتية من جميع ممثلي الأديان والشعوب بينت أن الروح الإنسانية بطبيعتها صافية ونقية إذا أبعدت عنها الأيديولوجيات والأفكار التدميرية للعلاقات الطبيعية بين البشر.
الثلاثاء 2020/05/19
إعلاء القيم التسامح

فكرة إنسانية رائعة، هي أبسط ما يمكن أن يصف به أي شخص مبادرة “الصلاة من أجل خلاص الإنسانية من فايروس كورونا”، التي أطلقتها اللجنة العليا للأخوة الإنسانية المنبثقة عن وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، وذلك لسببين اثنين. السبب الأول أن التفاعل الذي لقيته المبادرة الإماراتية من جميع ممثلي الأديان والشعوب بينت أن الروح الإنسانية بطبيعتها “صافية” ونقية إذا أبعدت عنها الأيديولوجيات والأفكار التدميرية للعلاقات الطبيعية بين البشر، وهذا ما نحتاجه في مواجهة الكثير من تحدياتنا خاصة الفكرية.

السبب الثاني أن المبادرة تمثل تلك النوعية من المبادرات الإنسانية التي تتجاوز المواقف النمطية والتي تحتاج إلى جرأة في اتخاذ القرار لمعالجة بعض الأفكار الشاذة التي ابتليت بها المجتمعات البشرية وأدت إلى تمزيق العلاقات الإنسانية، ما يعني أن المواقف الكبرى تحتاج عادة إلى شجاعة سياسية ولا أظن أن كل السياسيين لديهم القدرة على مثل هذه المواقف، التي تتفرد بها القيادة الإماراتية في مواجهة أصحاب الأفكار المتحجرة، وبالتالي علينا جميعا باسم الإنسانية، أن نقول لمن قام بهذه المبادرة ودعمها وباركها وتفاعل معها: إنه جهد مشكور لأن التحديات باتت واحدة ومعالجتها تحتاج تعاون الجميع.

وبعيدا عن الجانب الإيماني للمبادرة فإن الدعوة تبرز الوجه الإنساني للدين الإسلامي لأنها، جاءت من دولة تؤمن بالعقيدة الإسلامية وبالتالي أقدر من غيرها في أن تعبر عن هذا الدين، ولأنها أثبتت أن كل الأديان السماوية رسالتها واحدة وهي حماية الإنسان والحفاظ عليه، وهي ما تجتمع عليه كل شعوب الأرض. بل إن هذه الدعوة تقفز فكريا على من اعتادوا على تشويه رسالة الدين الإسلامي تجاه الأديان الأخرى بسبب الجمود العقلي والفكري عند تفسير علاقة الإنسان بمعتقده من خلال اعتقاد الأغلب منهم بأنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة.

وعليه يمكننا القول بأن دولة الإمارات في هذه المبادرة وغيرها من المبادرات الإنسانية، وآخرها رعاية توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، أنها أعادت ترتيب الكثير من الأفكار المغلوطة حول الدين الإسلامي ورسالتها الإنسانية العالمية بأنها من أجل إعمار الأرض وليس كما يستغلها البعض في تدمير الحضارة الإنسانية، وهذا الترتيب الإماراتي الذي أبهر الكثيرين في العالم هي حاجة وضرورة عالمية لأنه بالنظر إلى معاناة الشعوب نجد سببها نجاح أصحاب الأفكار المتطرفة الذين يوظفون الدين لأهدافهم الخاصة وهم لا يقتصرون على دين أو طائفة دون أخرى، وإن كان وجودهم في الدين الإسلامي هو الأبرز بفعل تواجدهم على الساحة السياسية، كما يفعل تنظيم الإخوان المسلمين وغيره من التنظيمات التي على شاكلته، مثل حزب الله، أو التي خرجت من عباءتها السياسية مثل تنظيم داعش والقاعدة، فمثل هؤلاء إما أنهم لم يفهموا رسالة ومقاصد الدين الإسلامي، وإما أنهم كارهون للحياة والعيش المشترك، وهذا هو الأقرب للصحة.

مرونة الفكر الإسلامي، هي الخلاصة التي تحملها الدعوة لإقامة صلاة مشتركة بين الناس في كل أنحاء العالم. وهي القيم التي تدعو إليها دولة الإمارات في سياستها الخارجية ومقتنعة بها وتمارسها من خلال نمط رسالتها مع الدول الأخرى. والشيء الجميل أن الطرف الآخر من هذه الدعوة وهي الأديان الأخرى تجاوب وتفاعل معها، وهذا في حقيقة الأمر يوضح فهم القيادة الإماراتية لحاجات الناس في العالم للتعاضد والعيش المشترك، وكذلك إدراكهم مستجدات الزمن لدى الأجيال المسلمة التي لم تعد تقتنع بالانتماءات المتوارثة باعتبار التغييرات الحاصلة في الثقافات الإنسانية والتي عملت على تخريب العلاقات الإنسانية وتدمير الحضارة والتي هي المتطلبات التي يسعى إليها الجميع.

قاعدة التقريب بين المعتقدات بدأت تنتشر في كل أرجاء العالم، فرغم كل الاختلافات التي فيها إلا أن المحاولات تركز على المشتركات، وتؤكد أنها هي الأساس للتفاعل بين الشعوب في العالم وكذلك التعاون بين المجتمعات العالمية. وبالتالي على المجتمعات في كل دول العالم أن تتهيأ للفهم المشترك بين الناس والتعاون في مواجهة الأزمات والتحديات بكل أنواعها، خاصة تلك التي تضر بالتعايش مع الاختلافات الثقافية فالأمر لم يعد اختيارا لثقافة أو معتقد يستطيع أن يكون متفردا عن غيره، بل هو واقع ينبغي على الجميع تمرين فكره على تقبله.

إن دولة الإمارات بحكم نموذجها الإنساني العالمي والتي تتواجد فيها العديد من الجاليات في العالم بمعتقدات مختلفة وتمثل الجانب الحقيقي لقيم الدين الإسلامي المنفتح على الأديان الأخرى، تقود هذا التحول في مجالات عدة، وكان أبرزها في رعايتها لوثيقة الأخوة الإنسانية، وحلف الفضول، الذي يجمع بين الأديان السماوية الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية، فنحن نشهد لأول مرة البشرية تستعين على مواجهة “عدو” بالصلاة، وهذا يعني أننا وصلنا إلى توحيد الأفكار والقناعات التي يمكن أن تساعد الإنسانية على مواجهة التحديات والأزمات، أيا كانت.

9