الإمارات ويدها البيضاء

الثلاثاء 2015/09/08

عرفت دولة الإمارات العربية المتحدة بميلها إلى التعفف السياسي، وهو ما جنّبها الانزلاق نحو الكثير من المشكلات التي كان من الممكن أن تلهيها عن التنمية البشرية والمادية، هناك حيث تقع المعجزة الإماراتية التي هي مزيج من التطلع الخلاق إلى المستقبل والنزاهة الأخلاقية التي أظهرت معنى نقيا لبياض اليد.

غير أن ذلك التعفف لا يعني أن دولة ناهضة مثل الإمارات كانت سلبية في موقفها مما يجري من حولها من تحولات، بل كانت عكس ذلك تماما حين تبنت موقف الحياد الإيجابي الذي حتم عليها أن تكون موجودة في لحظة الحاجة إليها، كما لو أنها كانت توقت ساعتها في سياق تاريخي لا يخطئ طريقه.

لقد مدت الإمارات يدها البيضاء إلى الكثير من الدول التي قدرت أنها في حاجة إليها، من غير أن تكون في حاجة إلى أن تُسلط الأضواء على أفعالها، فهي حين يتعلق الأمر بالخير تشعر بالثراء الداخلي الذي يغنيها عن السمعة الخارجية، وهو ما يلمسه زائر الإمارات منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماه أرضها.

هناك صلح عميق يعيشه المقيمون في الإمارات الذين ينتمون إلى جنسيات وشعوب وأقوام وبلدان تكاد تصنع من الإمارات كونا صغيرا يعيش فيه البشر في حالة من التآلف والتناغم والرغبة في الإبداع والابتكار يندر وجودها في أماكن كثيرة على سطح المعمورة.

لقد صنع الإماراتيون معجزتهم بهدوء وصمت وروية وعن طريق الانفتاح على الآخر الذي هو شعارهم، استطاعوا أن يتعلموا بل إنهم ينظرون إلى ما لم يتعلموه بعد، بصبر المسافر الذي لا تزال الطريق تمتد أمام عينيه.

شعور الآخرين بالفخر بما أنجزته الإمارات على المستوى الحضاري يكشف عن تواضع الإماراتيين أنفسهم، وهم الذين لا يزالون يراهنون على المستقبل، الذي هو بالنسبة إليهم خيار بشري يضعون في خدمته كل ما يملكون.

لذلك تميزت سياسة الإمارات بالوضوح، فليس لدى الإماراتيين ما يخفونه، كما أن أجندتهم كانت مفتوحة باستمرار. ما من شيء فيها يستدعي الإخفاء.

وإذا ما عدنا إلى الماضي القريب، وبالأخص في ما يتعلق بما شهده العالم العربي من تحولات جوهرية إثر ما جرى من انقلابات غلب عليها الطابع العفوي الشعبي، فقد سعت الإمارات، بالتزامها مبدأ الحياد الإيجابي، إلى أن تقف مع الشعوب.

وإذا ما كانت ظروف الفوضى التي أنتجها الربيع العربي لم تسمح للإمارات بأن تمد يدها المعطاء إلى الشعوب التي لا يزال بعض منها يقطف ثمار تلك الفوضى، فإن الظرف التاريخي الحساس الذي مر به الشعب المصري بعد أن أسقط حكومة الإخوان كان بمثابة اللحظة التي سمحت للإمارات بأن تظهر قدرتها الخلاقة على أن تقف إيجابيا مع الشعب في تطلعه لبناء حياته.

لقد مدت الإمارات يدها الكريمة إلى الشعب المصري وأعانته على الخروج من المأزق التاريخي الذي كانت جماعة الإخوان قد قررت أن تغرق المنطقة بطوفانه بدءا من مصر.

لم تشعر الإمارات يومها بالخوف لما يمكن أن يجلبه عليها موقفها من تآمر إخواني، بل واجهت كل التداعيات المريبة بشجاعة وحكمة.

اليوم يتكرر الموقف في اليمن. فالإمارات التي قررت، منذ البدء، الوقوف مع الشعب اليمني لانتشاله من حقبة سوداء مشحونة بالمؤامرات، كانت تدرك جيدا أن مسعاها يتطلب الكثير من التضحيات، وهو ما لم يقف حائلا بينها وبين المضي قدما في طريقها. وهي طريق لا رجعة عنها ما دام الخير الذي ينتظر الشعب اليمني هو هدفها.

ما فعلته الإمارات في تاريخها، وما تفعله اليوم، إنما يؤكد عمق إنسانية النهج الذي اختطه مؤسس الدولة، وهو نهج يقوم أصلا على أن تكون يد الإمارات الممدودة إلى الآخرين بيضاء دائما.

كاتب عراقي

9