الإمام الأكبر وأوهام المؤامرة

الإمام الأكبر ينسى أن الأزهر نفسه لا يزال ينكر النقد التاريخي للفقه الإسلامي وللنص الديني على عمومه، ولعل ما حدث للدكتور نصر حامد أبوزيد هو نموذج دال على ذلك.
الثلاثاء 2018/12/11
إحياء صراع قديم

يبدو أن فقه الأولويات في الإسلام، بما يملك من قطعية في أن دفع الضرر مقدّم على جلب المنفعة، لم يكن يمثل مرجعا كافيا يدفع أحمد الطيب، الإمام الأكبر شيخ الأزهر، إلى اختيار مقدمة أكثر ملاءمة ضمن حضوره الأيقوني في مناسبة رسمية هي المولد النبوي. فالمؤكد أن الموقع الرفيع الذي يشغله الدكتور أحمد الطيب موقع سياسي بامتياز، وإن لم يصنّف كرجل سياسة.

أمّا محاولة البحث عن الملاءمة في خطاب الإمام، فلا علاقة لها بالانتقادات التي أثارتها كلمته ضمن الصراع الذي تبدّى، في أكثر من مناسبة، مع مؤسسة الرئاسة من ناحية، ومع النخبة الوطنية من ناحية أخرى. فقد سبق للرجل أن شنّ هجوما كاسحا أثار عليه ثائرة النخبة المصرية في كلمته أمام مؤتمر “التجديد في الفكر والعلوم الإسلامية” حيث حذّر من “خطورة وصول معنى الإصلاح إلى أفواه نخبة موصومة بالجهل”!

وقد تبنّت مجلة الأزهر خطاب الإمام وحوّلته إلى بيان لاذع تصدَّر أحد أعدادها، وجاء مُوقّعا من هيئة تحريرها الذي يتشكل من ثلاثة من كبار العلماء، هم الدكتور محمد عمارة رئيس تحرير المجلة، والدكتور عبدالفتاح العواري، والدكتور حمدي زقزق وزير الأوقاف الأسبق، وقد اتهم البيان دعاة الإصلاح بأنهم “يرغبون في تحويل الأزهر إلي متحف من متاحف التاريخ”، في إشارة إلى ما طالب به البعض من إصلاح نظام التعليم في الأزهر، ودمج معاهده الدينية ضمن التعليم العام؛ لضمان عدم انقسام العقل الجمعي للأمة بين تعليم مدني وآخر ديني.

في هذا السياق لم يكن مفاجئا أن يعود الإمام الأكبر إلى إحياء صراع قديم ليست له أية تأثيرات تذكر على الرأي العام، حول مرتبة السنة في التشريع، وكيف تجاسر القرآنيون، في بداية القرن التاسع عشر، على إعادة الحديث عن إهمال السنة، والعـودة إلى النص القرآني، بدعـوى ضـعف السند في الكثير من الأحاديث والمرويات. وقد كانت إشارة الإمام واضحة إلى الدكتور أحمد صبحي منصور الأستاذ المفصول من جامعة الأزهر، وكذلك إشارته إلى بعض العلماء الهنود؛ من دون أن يتوقف عند أسماء بعينها.

ولعله كان يقصد الدعوات التي أطلقها أحمد خان في العام 1905، إبان الاحتلال الإنكليزي، وهو ما دفع الشيخ لاتهام الجميع بأنهم مجموعة من مدعي النبوة وعملاء الاستعمار.

في هذا السياق أشار الإمام إلى أن علم الحديث له الفضل في تأسيس علم الإسناد الذي تعلم منه الغرب، وهو محقّ في ذلك. فقد اعترف المستشرق الفرنسي أرنست رينان بأنه تعلّم النقد التاريخي من علم الحديث.

في الوقت نفسه لا يخفى على فضيلة الإمام أن علم السند كان موضع انتقاد القدماء، فهو في حقيقته علم الرواية، وتدقيق الرواية يتطلب إخضاع السند للنقد التاريخي، غير أن الإمام الأكبر ينسى أن الأزهر، نفسه، لا يزال ينكر النقد التاريخي للفقه الإسلامي، وللنص الديني على عمومه.

ولعل ما حدث للدكتور نصر حامد أبوزيد هو نموذج دال على ذلك، ولم يكن المحتوى الذي انتهى بتكفيـره ضمن كتابه “نقد الخطاب الديني”، سوى محاولة لإخضاع النص الديني لظرفه التاريخي.

والأمر نفسه حدث مع الدكتور أحمد صبحي منصور، المحسوب على فريق “القرآنيون الجدد”، وقد كان أستاذا للفقه الإسلامي بجامعة الأزهر، وانتهى الأمر بفصله وتقديمه إلى المحاكمة وسجنه،  ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الاميركية.

وقد أشار الدكتور حسن حنفي في غير موضع من موسوعته “من النقل إلى العقل” إلى إشكاليات عديدة في رواية الحديث، وفي الخلط بينها وبين الرسول بمواضعته البشرية، فتم تقديم شخص النبي على حديثه، وإضفاء المزيد من القداسة على الشخص دون الموضوع، رغم أن الرسول، نفسه، كان حريـصا على التفرقـة بين ما قـاله كحديث يتوافق مع الوحي بما له من منزلة في النبوة، وبين ما يقوله في شؤون الدنيا.

يتبدّى ذلك في وقائع مشهورة تراجع فيها النبي عن رأيه لأن الوحي أيّد فيها عمر بن الخطاب، مثل واقعة صلح الحديبية والاستغفار للمنافقين، وتراجعه عن رأيه في الإعداد للحرب عند غزوة الخندق، حيث سألوه هل ما تقول به من الوحي أم هو الحرب والمكيدة؟ فقال إنها الحرب والمكيدة، فاقترحوا عليه حفر الخندق الذي حملت المعركة اسمه فوافق على ذلك.

ويتبدّى جوهر المشكلة في مفارقة فكرة الإصلاح التي تعززت على يد كبار رجال الأزهر المؤسسين، ولا أعوّل طبعا على تعقيب رئيس الجمهورية على كلمة الشيخ بأنه يرغب في أن يخرج من مصر مسار حقيقي للإصلاح، لأن ذلك يبدو حلما بعيد المنال. فكلمة الشيخ في جوهرها استعادة لأكثر تعريفات حرية العقل تشددا، فخطابه يستعيد ما قال به الإسماعيليون الذين اعتبروا دور العقل ليس أكثر من قرطاس أبيض خال من الكتابة والصور، لتنقش فيه ما يراد لها من علوم، يقصدون العلوم التي أقام الله تعالى من يعلمها ومن ينقشها. وموقف الإمام الأكبر ليس بعيدا عن مواقف كثير من سابقيه.

وقد ذكر الإمام محمد عبده أن الشيخ محمد الإنباني رفض تدريس مقدمة ابن خلدون في بداية القرن التاسع عشر، بل أصدر فتوى بتحريم ماء الزهر والورد والكولونيا، لأنها تحتوي مـادة السبرتو المسكرة، على الرغم من أنها مادة مطهرة.

وكذلك كانت فتاوى تحريم الربا والتشدد فيها سببا في لجوء الأهالي إلى الاقتراض من الأجانب إبان فترة الاحتلال، لكن ذلك تم بفوائد باهظة أثقلت كاهل الأهالي، وساهمت في نزع ثروات طائلة لصالح الأجنبي، وربما هذا ما دفع الإمام محمد عبده إلى القول إنه بسبب ذلك الجمود لم يبق للمتأخر سوى الأخذ بما قاله المتقدم، في مصادرة مبكرة لعمـل العقل. وها هي التركة، فليحملها الشيخ الإمام.

9