الإمام المفحط

السبت 2014/08/02

يبدو أن أول من «جاب العيد» هو إمام وخطيب مسجد بمحافظة بيش في منطقة جازان. فقد زاول هذا الإمام الهمام هواية التفحيط بسيارته في الرواق الذي تم تخصيصه للنساء لصلاة العيد. هدف الإمام المغوار هو تفريق النساء الحاضرات لصلاة العيد وإفزاعهن. هذا ليس كل شيء، بل كاد الإمام الغراندايزر أن يدهس عددا من شباب القرية الذين حاولوا ثنيه عن تحطيم الرواق. محصلة «غزوة رواق العيد» كانت مشادة كلامية بين الإمام وبين الأهالي، ومغادرة البعض مع نسائه دون أداء الصلاة.

بصراحة أشفق على الجهة المسؤولة، وهي في هذه الحالة، وزارة الشؤون الإسلامية. لماذا؟ لأن الوزارة مازالت بصدد التحقيق مع نحو 100 خطيب جمعة مفحط آخر، لعدم التزامهم بتخصيص خطبة الجمعة لتجريم أحداث الإرهاب التي شهدها منفذ الوديعة الحدودي في شرورة خلال شهر رمضان المبارك.

أتفق تماما مع الوزارة على أنه لا يجب أن تكون هناك مجاملة لأئمة المساجد والخطباء الذين يخالفون ما يخص قضايا الأمن الفكري والإرهاب، ولكني أعتقد أن العقوبات بحق الخطباء «المفحطين» بلفت النظر ثم إيقاف مؤقت ثم إيقاف المكافأة المخصصة في حال رأت اللجنة عدم تجاوب الخطباء.

وكما هو الحال في «غزوة رواق العيد» في جازان، لم تَسْلَمْ المرأة من أذى وتفحيط إمام وخطيب جامع كبير في جدة رفض دخول المرأة لانتخابات الغرف التجارية. يأتي هذا التفحيط – حسب رأي فضيلة الخطيب – من منطلق سد الباب الذي تدخل منه ريح التغريب للمجتمع، وأن اجتماع المال والنساء بغير هدى شرعي يؤدي إلى فساد وميل المجتمع عن الصراط المستقيم، وكذلك دفع المرأة إلى المشاركة في مجالات الحياة دون تمييز بين طبيعتها وطبيعة الرجل.

لاشك أن المرأة هي الشغل الشاغل لمفحطي الغلو والتشدد ليس فقط في «غزوة رواق العيد» في جازان و”غزوة انتخابات غرفة جدة»، بل إن عنصرية التفحيط متألقة أيضا في تبوك، فقد وصف خطيب مفحط وإمام مسجدٍ في خطبة الجمعة هناك مديرة إحدى المدارس الثانوية بأنها «سفيهة السفيهات»، لأنها طبقت برنامج «كوني أميرة» الذي أقرته وزارة التربية والتعليم. البرنامج يهدف إلى رفع مستوى الذوق العام ومعرفة تفاصيل التعامل مع المواقف السلوكية، ويعكس الصورة الإيجابية للفتاة المسلمة.

من حالات تفحيط الخطباء الأخرى، دعاء خطيب وإمام مسجد بحي النهضة في الرياض على عبدالفتاح السيسي – عندما كان وزيرا للدفاع – بقوله: «اللهم اجتث بشار والسيسي». بغض النظر عن وجهات النظر، أتعاطف مع الأخوة المصريين الذين أثار الخطيب المفحط حفيظتهم فتعالت أصواتهم برفض ما دعا به قبل ختم خطبته العصماء. نتيجة غزوة «مسجد حي النهضة» كانت مقاطعة الخطيب وبدء شجار وعراك وتشابك بالأيدي داخل المسجد لم تكن لها أي مبررات.

مرة أخرى، بغض النظر عن حيثيات الواقعة، أعتقد أنه يجب إيقاف الإمام المفحط عن العمل والتحقيق معه بسبب تسييس خطبة الجمعة. أعتقد أن وظيفة الخطيب – كما أوضح أحد المشايخ – هي لمّ الشمل، وعدم الدخول في الأمور التي قد لا يدرك غاياتها ومنتهاها. لايجب السماح أو التغاضي عن إيصال الخلافات السياسية إلى منابر المساجد، وظيفة الخطيب ليست التفحيط الأيديولوجي المقيت بل توحيد المسلمين والابتعاد عما يثير الفتن والشبهات.

ربما هذه فرصة مواتية لأشيد بموقف الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، إياد أمين مدني، الذي ندد بإزهاق أرواح ما لا يقل عن 60 شخصا، وتدمير الكنائس في أعقاب الهجمات التي طالت أربع قرى على الأقل بالقرب من شيبوك في شمال شرق نيجيريا على أيدي مجموعة إرهابية.

بصراحة أستغرب عدم قيام كثير من الأئمة والخطباء باتخاذ موقف مماثل لموقف إياد مدني. كنت أتمنى أن يتحفنا هؤلاء الخطباء الذين فحطوا في مصلى العيد المخصص للنساء، أو الذين امتنعوا عن إدانة الاعتداء الإرهابي في شرورة، أو الذين عبروا عن موقفهم المؤيد للإخوان الارهابيين علنا في المساجد – كنت أتمنى أن يدينوا الأعمال الإجرامية لبوكو حرام في نيجيريا و ما يسمى «دولة الخلافة الإسلامية» في العراق والشام على انتهاكاتهم لأماكن العبادة والتعدي على المسيحيين.

موقف خطباء المساجد يجب أن يكون مناهضا للإرهاب والتطرف بجميع أشكاله وتجلياته، وليس محرضا على التفرقة والكراهية والبغضاء والعنصرية.


عضو جمعية الاقتصاد السعودية

9