الإمتاع والمؤانسة

الأحد 2016/11/27

أن تجلس سيدة أو آنسة جميلة كي تقرأ كتابك وتحتفي به هو شيء جميل وأن تأخذ معه بعد ذلك صورة لهُو في الأساس دعم لهذا الكتاب ودعوة بهية لقراءته وذلك بشكل ثقافي راق. وأن يفعل نفس الأمر شاب في مقتبل العمر أو رجل في منتهى الكهولة أو قد تعداها قليلا أو كثيرا بحيث يحتفي بقراءة الكتاب الذي اشتراه لك أو أهديته له، في مكان يختاره بشكل شخصي، سواء داخل مقهى أو داخل المنزل لهو أمر يبعث على الاعتزاز والتقدير.

والعملية برمّتها هي عملية حضارية بامتياز. فلقد خلّف لنا الفن التشكيلي عبر مختلف مراحله الموغلة في الجمال صور نساء جميلات رائعات وهن مستغرقات في عالم القراءة البهي المليء بالأحلام الكبرى وبالأفكار الآتية من جهات العالم الأربع كلها، وهو أمر يجعلنا نطلق على هؤلاء النساء لقب “الجميلات القارئات” على غرار عنوان رواية ياسوناري كواباتا الشهيرة “الجميلات النائمات”.

كما خلّف لنا الفن التشكيلي أيضا لوحات بهية لرجال رائعين وهم مستغرقون في عملية القراءة ناسين أو متناسين كل من حولهم من ناس وكل ما حولهم من أشياء.

هكذا نرى أن الفن التشكيلي قد قام بالاحتفاء بالقراءة من جهة وبالجمال الأنثوي وهو مستغرق في عوالمها من جهة ثانية، كما احتفى بالرجال وهم يلجون عالم القراءة أيضا بكثير من المحبة، وأبدع في عملية تقديمهم بشكل فني كبير. وهو أمر جدير بالانتباه وبالتقدير.

غالبا ما ترتبط القراءة بالوحدة، فالقارئ يشعر وهو غائص في عوالم الكتاب أنه مكتف بذاته وأن القراءة بالتالي هي رحلة شخصية خاصة به وبذلك يجب عليه أن يقوم بها وحيدا، إذ في واقع الأمر لا يحتاج فيها إلى أنيس يؤنسه أو رفيق يمتعه. فالمؤانسة حاصلة بمرافقة شخصيات الكتاب والولوج إلى الأفكار التي يعبّر عنها وإلى الأهواء التي تشتعل داخله. وهو أيضا لا يحتاج إلى من يحكي له ويسلّيه أو يناقشه من أجل الإمتاع. فالإمتاع حاصل بفعل السفر عبر القراءة إلى عوالم مجهولة جديدة كل الجدّة عليه وهو بالتالي يسعى جاهدا عن طريق فك لعبة الحروف الموجودة في الكتاب إلى سبر أغوارها.

كثير من الكتاب قد كتبوا عن علاقتهم بالقراءة، وكيف كانوا يستغرقون فيها بشكل كبير، كان في غالبية الأحيان يدفع أهلهم أو أصحابهم إلى التساؤل عن هذا اللغز الغريب الذي يدفعهم بكل هذا الشغف الكبير إليها.

هكذا نجد في التراث العربي القديم أن الجاحظ كان يكتري حوانيت الورّاقين في الليل، وبدل أن ينام فيها مطمئنّ البال كان يظل ساهرا وهو ينقّب في الكتب الموجودة فيها قارئا حصيفا وولوعا منقطع النظير. وقد ظلّ مغرما بقراءة الكتب حتى لحظة مماته بينها حيث سقطت عليها ذات لحظة وأردته قتيلا من شدّة عشقه لها وربما عشقها له أيضا، فمن الحب ما قتل. نفس العشق كان أيضا حاضرا وبقوة عند الشاعر أبي الطيب المتنبي الذي خلّف لنا شطر بيت شعري هائل سار مسرى الأمثال وأصبح دالا على الولع بالكتب والسفر في عوالمها. هذا الشطر الشعري هو “وخير جليس في الزمان كتاب”.

أما في العصر الحالي فنجد الكثير من الكتاب الذين أثنوا على القراءة باعتبارها فنا للعيش وسبيلا لرؤية العالم بشكل بهي وجميل.

وفي مقدمة هؤلاء الكتاب الذين أُغرموا بالقراءة نجد الكاتب الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورخيس الذي ذهب إلى القول بأنه إن كان له أن يفتخر بشيء فهو يفتخر بالكتب التي قرأها أكثر حتى من تلك التي كتبها. وقُل نفس الأمر عن تلميذه الألمعي ألبرتو مانغويل الذي كتب العديد من الكتب في محبة القراءة يكفي أن نذكر اثنين منها هما “تاريخ القراءة” و”فن القراءة” .

إن القراءة، وبتعبير أبي حيان التوحيدي، هي إمتاع ومؤانسة دائمان.

كاتب من المغرب

15