الإنتخابات الفرنسية.. اليسار يقاوم شبح ترامب القادم على عجل

يرى محللون أن مستقبل الغرب الديمقراطي يتغير ويتخذ شاكلة جديدة دعمها تمدد اليمين المتشدد ونجاح زعماء يتبنون أفكارا عنصرية وإقصائية في المواجهات الانتخابية، حيث مكن انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة من تحقيق أنصار الأفكار الشعبوية مكاسب انتخابية تمكنهم من حظوظ كبيرة في الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة كالانتخابات الفرنسية التي تعيش مشهدا سياسيا يبدو مفككا لمحاولة اليسار مقاومة التحديات الانتخابية وتوحيد صفوفه بعد انسحاب فرنسوا هولاند ومحاولة تبني بلورة برامج جديدة تمكنه من مواجهة الترامبية الجديدة بزعامة ماريان لوبن التي تتحدى العالم الحر والقيم الغربية.
الاثنين 2016/12/05
البحث عن بديل يساري جديد

باريس- قبل عدة أيام على إجراء الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليسار الفرنسية تفاجأ الفرنسيون بقرار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عدم الترشح للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل. ويعدّ قرار هولاند (62 عاما) الذي أعلن خلال كلمة متلفزة تابعها نحو أكثر من 14 مليون مشاهد، سابقة في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، وهو الرئيس الأدنى شعبية في تاريخ الرؤساء الفرنسيين، حيث شهدت فرنسا في ظل حكمه أزمات حادة كان من أبرزها التحديات الأمنية التي تواجهها باريس عقب أحداث أرهابية مريبة.

ووفق مراقبين تتوجه الأنظار الآن إلى اليسار لمعرفة مرشحه في الرئاسيات المقبلة، حيث سينظم الحزب الاشتراكي الحاكم بدوره انتخابات تمهيدية في يناير المقبل، ويدعو الحزب إلى تقديم الترشيحات قبل منتصف ديسمبر الجاري ، وتزداد الساحة الإعلامية الفرنسية بذلك سخونة، إثر اقتراب موعد الاقتراع الرئاسي المزمع عقده في مايو سنة 2017، لا سيما مع التباين بين رؤى المرشحين الرئاسيين المتعددة نحو قضايا الهجرة والإرهاب وروسيا والأزمة السورية.

ويعتقد محللون أن قرار الرئيس فرانسوا هولاند يبسط الطريق للحزب الاشتراكي واليسار الفرنسي لاستجماع قواه والدخول في مرحلة جديدة، ببرنامج سياسي قوي، يحمل كل الإمكانيات التي بمقدورها منافسة البرنامج السياسي لمرشح اليمين فرانسوا فيون، مع اختيار الشخصية السياسية المناسبة التي تتوفر على الطاقة والقوة الكافيتين لشرح وتفسير هذا المشروع للفرنسيين.

وفق مراقبين من المتوقع أن يؤول التنافس في الانتخابات الرئاسية الفرنسية بين ممثل عن المؤسسة السياسية التقليدية في البلاد والزعيمة القومية مارين لوبن، إلى فوز لوبن حيث وعدت بقلب الموازين

ويضيف محللون أن قرار الرئيس الفرنسي أيضا يأتي في هذا الاتجاه كما عبر عن ذلك هو بنفسه، حيث صب القرار في منحى جمع شمل اليسار، ومنحه قوة جديدة نظرا للمرحلة الصعبة التي يمر بها، والتي أثرت كثيرا على شعبيته أمام يمين قوي ترشحه كل استطلاعات الرأي للفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة. ويأتي إعلان هولاند عدم ترشحه، بعد أربعة أيام من اختيار اليمين لرئيس الوزراء الأسبق فرنسوا فيون الذي يحمل نظرة ليبرالية في الاقتصاد ومحافظة في القضايا الاجتماعية.

وكان رد فعل اليمين الفرنسي المعارض على قرار الرئيس هولاند قويا، واعتبر أحد كوادره أن قرار هولاند “اعتراف رهيب بفشل ولايته التي مثلت تراجعا كبيرا بالنسبة لفرنسا”. واعتبر حزب “الجبهة الوطنية”، وهو ممثل اليمين المتطرف في فرنسا، أن رئيس الحكومة الفرنسية، مانويل فالس، يتقاسم مع الرئيس فرانسوا هولاند الحصيلة الضعيفة لولايته الرئاسية، محاولا بذلك قطع الطريق مبكرا على فالس الذي يتمتع بشعبية كبيرة وسط اليسار.

فالس مرشح الاشتراكيين المفضل

في الوقت الذي نظمت فيه كتل اليسار تجمعا انتخابيا، السبت، للتأكيد على وجودها على الساحة السياسية توجهت الأنظار الى رئيس الوزراء السابق مانويل فالس الذي يعتبر على نطاق واسع مرشحا مفضلا للاشتراكيين. ويتوقع مراقبون أن يعلن فالس خوضه السباق كممثل للحزب الاشتراكي في أواخر يناير المقبل وأن ينافسه داخل حزبه، أرنو مونتبور، اليساري أيضا والذي كان شغل منصب وزير الاقتصاد في عهد أولوند.

وفي الأيام الأخيرة، دارت حرب صامتة بين هولاند ورئيس وزرائه فالس المحاصر بين واجبه بإظهار الولاء تجاه رئيس البلاد وطموحه الرئاسي الذي لم يعد يخفيه، وبات هناك سؤالان مطروحان يتعلقان بفالس الوريث المرجح: متى يعلن ترشحه قبل انتهاء مهلة تسجيل المرشحين للانتخابات التمهيدية لليسار في 15 ديسمبر؟ وهل سيكون عليه مغادرة منصب رئيس الحكومة؟.

ومع فتح الطريق أمامه، يفترض أن يواصل فالس عملية تجميع القوى التي بدأها قبل أسابيع، وقد سعى فالس الذي يثير الانقسام في معسكره في أغلب الأحيان، إلى تخفيف حدة الخلافات لتحسين صورته الانتخابية، إلا أنه يرث وضعا لا يحسد عليه كما تشير استطلاعات الرأي التي أجريت قبل إعلان انسحاب هولاند، فهذه الأرقام تفيد بأنه سيحصل على ما بين 9 و11 بالمئة من الأصوات. وعلى الرغم من أن فالس يعد الأوفر حظا للفوز بالانتخابات التمهيدية لليسار الفرنسي، فإن أسماء أخرى عبرت عن طموحها في خوض هذا الاستحقاق.

الأنظار تتوجه إلى اليسار لمعرفة مرشحه في الرئاسيات المقبلة، حيث سينظم الحزب الاشتراكي الحاكم بدوره انتخابات تمهيدية في يناير المقبل

ويقول أوليفيه ايل المحلل الفرنسي في تصريحات صحافية إن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، أضعفت وكسرت معسكر هولاند السياسي السياسي، وحتى يفوز المعسكر اليساري بالرئاسة مجددا يجب على فالس أن يضع حلولا مقنعة لتلك الأزمات، ولكن بعد أن يتمكن من الفوز بالمعترك الانتخابي التمهيدي للحزب الاشتراكي، لأنه سيواجه صعوبة بالغة في ظل وجود منافسين يملكون العديد من النقاط والفرص سانحة أمامهم.

وكان جان لوك ميلنشون اليساري المتطرف الذي ترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2012، جدد ترشحه لانتخابات 2017، بينما أعلن وزير الاقتصاد اليساري السابق إيمانويل ماكرون (38 عاما) الذي قدم حركته باعتبارها “لا يمين ولا يسار” عزمه على خوض الانتخابات، وتشير استطلاعات الرأي إلى حصول كل منهما على أكثر من 10 بالمئة من الأصوات. ونادرا ما كان المشهد السياسي في فرنسا مفككا إلى هذا الحد.

وفيما اليسار الحاكم مشتت وفق مراقبين، يتوقع أن يتنافس فيون (الذي حدد لنفسه هدفا يتمثل بترسيخ “القيم الفرنسية”، مع مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في مايو القادم. ووفق خبراء ومراقبين، رغم أن فوز الشعبوي الأميركي دونالد ترامب حسن فرص مارين لوبن، إلا أن استطلاعات الرأي تظهر أنها ستخرج مهزومة في نهاية الانتخابات لا سيما إذا نجح فيون في استمالة ناخبي الوسط وحتى اليسار. ويبدو بذلك أن التحدي الأكبر أمام اليسار هو توحيد الصفوف لمخالفة توقعات استطلاعات الرأي التي أعلنت أن الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية ستكون بين مرشحي اليمين واليمين المتطرف الذي أنعشه صعود التيارات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة.

على خطى البيت الأبيض

يرى معهد واشنطن للدراسات أن انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة كانت له تبعات قاسية على المشهد السياسي الغربي بما يعني أن مستقبل الغرب الديمقراطي، على الشاكلة التي هو عليها منذ عام 1945، قد يتغير على وقع سلسلة من الانتخابات التي سوف يتم إجراؤها في أوروبا خلال الأشهر القليلة المقبلة أهمها الانتخابات الفرنسية. ووفق مراقبين من المتوقع أن يؤول التنافس في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المزمع إجراؤها في الربيع، بين ممثل عن المؤسسة السياسية التقليدية في البلاد والزعيمة القومية مارين لوبن، التي أنعشها فوز رئيس ذي شعارات عنصرية متشددة في سباق البيت الأبيض، إلى فوز لوبن حيث وعدت بقلب الموازين.

فوز مارين لوبن سيمثل إلى جانب وصول ترامب إلى السلطة سببا في انهيار حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وإذابة الكتلة الدولية التي تتقاسم القيم الديمقراطية الليبرالية

ويعتقد مراقبون أن فوزها سيمثل إلى جانب وصول ترامب إلى السلطة سببا في انهيار حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وإذابة الكتلة الدولية التي تتقاسم القيم الديمقراطية الليبرالية. في المقابل أعرب رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، عن قلقه من انتصار مارين لوبن، زعيمة حزب “الجبهة الوطنية”، في انتخابات الرئاسة الفرنسية قائلا في واحد من أكبر خطاباته منذ استقالته “إذا انتخبت فرنسا لوبن، فإن ذلك سيكون بوضوح ضربة موجعة جدا للمشروع الأوروبي”.

وأبدى متابعون اهتماما بالجولتين الأوليين للانتخابات الأولية داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إلى يمين الوسط في فرنسا حيث أنتج التصويت الأول صدمة أخرى لصناعة سبر الآراء، فلم يكن الفائز آلان جوبيه، ولا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي صنف نفسه على أنه مناهض للإسلاميين المتشددين، ولكن كان الفائز رئيس الوزراء السابق فرانسوا فيون، الذين وضع نفسه بدقة بينهما. ويتشارك فيون، الذي شغل منصب رئيسا للوزراء زمن حكم ساركوزي لمدة خمس سنوات، مع ترامب في وجهات النظر والرؤى السياسية كالإعجاب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والاعتقاد بأنه يتعين على الغرب الانضمام إلى تحالف روسيا مع نظام بشار الأسد.

ووفق معهد واشنطن يختلف فيون عن لوبن في عدم تفضيل انسحاب فرنسا من اليورو أو إجراء استفتاء بشأن مواصلة العضوية في الاتحاد الأوروبي، ويبدو أنه تفوق على اليمين خلال الانتخابات الأولية نتيجة لوعوده الراديكالية، وفقا للمعايير الفرنسية، على غرار إجراءات تحرير الاقتصاد، مرحبا بمقارنته بمارغريت تاتشر في بريطانيا. ويرجح العديد من المحللين السياسيين أن تذهب الرئاسة في النهاية لليمين الفرنسي، نظرا إلى التخبط الذي تشهده صفوف اليسار، وانخفاض شعبية الرئيس الحالي فرانسوا هولاند، عقب الظروف الصعبة التي شهدتها فرنسا خلال العام الماضي، بدءا من هجمات باريس الإرهابية في نوفمبر 2015، التي أدت إلى فرض حالة الطوارئ حتى اليوم.

7