الإنترنت آفاق غير محدودة للمعرفة

الأربعاء 2015/05/20

قال بعض الباحثين في مؤتمر تخصصي حضرته قبل أسابيع إن أهم إنجازات البشرية بعد ابتكار الحروف والكتابة هو اختراع وتطوير الكمبيوتر والإنترنت.

وهذا يؤكد أهمية وسائل تدوين معارف الإنسان وتخزين أفكاره وتراكمها وتوارثها ونقلها إلى الآخرين، وبها أصبحت المعرفة الإنسانية تراكمية، تنتقل ليس فقط بين الأجيال المتتالية وإنما أيضا بين الشعوب والأمم فنشأت الحضارات متأثرة ببعضها البعض، مضيفة إلى بعضها البعض.

وكان لاختراع الورق التأثير الأكبر في تنمية الحضارات الإنسانية ونشر الثقافة، ثم جاء اختراع الطباعة، والتي بواسطتها استطاع الإنسان أن يوفر أعدادا هائلة من مدوناته بعد أن كانت مجرد مخطوطات محدودة.

وكان الإنسان يشكو من معضلتين هما التخزين، ثم قضية استرجاع المعلومات… العودة إلى المراجع! وجاء الكمبيوتر، ليدخل في كل ميادين الحياة وتبعته شبكة الإنترنت الهائلة!

لا نريد أن ندخل في تفاصيل تطور الكمبيوتر وإمكانياته العلمية والثقافية، فهذا يحدث بسرعة انفجارية وخاصة في مجالات الاتصالات واسترجاع المعلومات، ما يفوق الخيال والأساطير.

فلو أنك قلت لشخص من الأجيال السابقة إنك تحمل في جيبك أسطوانة أو شريحة إلكترونية مدوّن عليها القرآن الكريم بكامله مع التفسير، وشرح الجوانب اللغوية لكتاب الله جل جلاله، وأنه بإمكانك خلال ثوان العودة إلى كل سورة أو آية أو كلمة أو مفردة، وإيجاد موضعها في القرآن الكريم، مع شرح وافِ لأسباب نزول كل آية..!!

لو قلت مثل هذا الكلام لشخص يجهل ماهية الكمبيوتر لأتهمك بالتخريف، وستزداد دهشته لو قلت له إنك تستطيع أن تسترجع أي معلومة منها خلال جزء من الثانية وأن تستمع إلى مقطع من آية بصوت أحد القراء المجيدين!

وأتخيله يحدق فيك باستنكار وأنت تقول له إنك تحمل في جيبك أشهر الكتب الإسلامية في السيرة الشريفة أو في التاريخ أو اللغة.. ثم تخرج له شريحة بحجم الأظافر، وتقول على هذه جميع دواوين العرب وأشعارهم!!

وهذا كله يعتبر بسيطا ومتواضعا أمام استخدام الكمبيوتر بالارتباط مع وسائل الاتصال الأرضية والفضائية!! وخير مثال على ذلك الإمكانيات غير المحدودة لذلك الجهاز الذي نحمله أينما اتجهنا.. الهاتف المحمول!!

لقد انفتحت أمامنا آفاق مذهلة في التزوّد بالمعلومات أينما كانت في أنحاء العالم عن طريق (الإنترنت) والذي يمكّن المستفيد – وهو في منزله – من أن يقلب صفحات كتاب أو دراسة موجودة في جامعة أوكسفورد أو في متحف برلين أو في مكتبة الكونغرس وأن يشاهد وثيقة في اليونسكو في باريس! وأن يطلع على تفاصيل عملية جراحية تمت بأحد مستشفيات فيينا!! وعن طريق ما يعرف بالتفاعلية لم يعد الأمر يقتصر على مراقبة ما يجري أمام المرء على شاشة الكمبيوتر.. بل يستطيع أن يسأل.. أن يعلق.. أن يضيف.. أن يحلل.. أن يطلب معلومات ومصادر إضافية.. أن يحاور الجهة المقابلة أينما كانت!!

وتبرز عملية المشاركة هذه في مجال مدهش آخر، ألا وهو استخدام الكمبيوتر في مجال البث التلفزيوني التفاعلي الذي يمكّن المشاهد وهو في منزله من اختيار البرامج التي يود مشاهدتها الآن من محطة التلفزيون المرتبط بها دون التقيّد بالتسلسل المعلن من إدارة التلفزيون!!

لا حصر لخدمات الإنترنت والكمبيوتر فقد تعدى موضوع التخزين والتدوين إلى توفير إمكانات مدهشة للصناعة، ومنها صناعة الثقافة، كاستخدام النظام الرقمي في المؤثرات الصورية للسينما والتلفزيون والتي فتحت “آفاقا للإبداع” كانت حلما للسينمائيين مستحيل المنال قبل سنوات.

نحن نعيش الآن عصرا متسارع الخطوات، خارق التطور، متفوقا على نفسه كل يوم، ومن لا يلحق به تفوته فرصة المساهمة في بناء الحضارة الحديثة والنيل من خيراتها وعطائها، واستخدامها لمصلحته الوطنية والإنسانية، ومن يتأخر عنه سيضطر إلى إقامة حملات لمحو الأمية الحديثة… أمية استخدام الكمبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة!!

18