الإنترنت: الحلبة الجديدة للتثاقف وعولمة الثقافة

الاثنين 2015/02/09

تعتبر الإنترنت، بفضل الزاد الهائل من الأخبار والمعلومات التي توفرها، إحدى أهم الوسائل الإعلامية الحديثة التي أصبحت تؤثر بأشكال ودرجات مختلفة في سلوك الأفراد والمجموعات داخل المجتمع، وبالتالي على عادات وتقاليد الشعوب وثقافاتها المختلفة. وتُحدث بذلك عملية “تثاقف” جديدة في غاية من الأهمية مقارنة مع ما أحدثته سابقا عبر وسائل اتصال مغايرة.

وبالرجوع إلى مفهوم “التثاقف” حسب الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر يتبين لنا أن عملية التثاقف هي العلاقة القائمة بين “الأنا والأنا الذي ليس أنا”.

وجسّد سارتر هذا المفهوم انطلاقا من تأثر المجتمع الأوروبي في القرنين السابع والثامن عشر للميلاد من التحولات الاقتصادية التي شهدتها الثورة الصناعية في إنكلترا، والتحولات السياسية التي تزعمها فلاسفة الأنوار في فرنسا، وكذلك التحولات الثقافية التي شهدتها ألمانيا بقيادة عدد من الأدباء والمفكرين مثل هيغل وكانط ونيتشه.

وأصبح مفهوم “الأنا والأنا الذي ليس أنا” الفلسفي، أكثر تجسيدا اليوم، مع نتائج وتأثيرات التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية التي تشهدها معظم دول العالم، وما تعيشه من تغيرات جذرية في مستوى البنية والفكر المجتمعي، بفضل الانتشار الواسع لاستخدام شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي من قبل الأفراد والمجموعات.

كما توسع مفهوم “التثاقف” وساهم في ظهور مفهوم جديد يتمثل في “عولمة الثقافة” أو “الثقافة المعولمة”، في إشارة إلى انتقال الأفكار والعادات والتقاليد من مجتمع إلى مجتمع آخر، والارتباط الثقافي بين المجتمعات تجسيدا لمصطلح “القرية الكونية”.

وفي واقع الأمر، جاءت الإنترنت لترسخ مفهوم “عولمة الثقافة” ولتعيد من جديد طرح أسئلة سبق أن طُرحت مع ظهور أشكال أخرى لوسائل الإعلام في فترات سابقة، كان آخرها مع بداية تسعينات القرن الماضي حين انتشرت القنوات الفضائية عبر الأقمار الصناعية في أوروبا وأميركا.

وقد شكّل تنامي انتشار القنوات الفضائية عبر الأقمار الصناعية في تلك الفترة جدلا واسع النطاق لما وُجه من نقد لهذه القنوات الفضائية بسبب تأثيرها على الثقافات المحلية والخصوصيات الثقافية للشعوب، انطلاقا من فكرة أن وسائل الإعلام تُمثل صناعات ثقافية، وتبث رموزا ثقافية عبر شاشاتها الفضائية، وبالتالي تؤثر سلبا في ثقافات الشعوب التي لا تملك بالضرورة إمكانيات إعلامية بالحجم المطلوب لتثاقف المجتمعات الأخرى.

يبدو لي واضحا أننا نعيش اليوم، مع انتشار شبكات الإنترنت وتنامي استخداماتها، وضعية إلى حدّ ما مشابهة لوضعية التحولات الثقافية والمجتمعية السابقة.

فلا شك أن الإنترنت تحمل من خلال المضامين الإعلامية التي تنشرها رموزا ثقافية، ولا شك في أن هذه الرموز الثقافية سوف تأثر سلبا أو إيجابا على الثقافات المحلية وفي سلوك مستخدميها.

أصبحت شبكات الإنترنت مسرحا جديدا للتثاقف، وتجسيدا واقعيا لعولمة الثقافة. ورغم سعي بعض الدول إلى حماية ثقافاتها عبر اعتماد حلول المنع أو التقنين، فإن الأمر لن يجدي نفعا، لأن الثقافة، مهما قيل عن محليتها وخصوصيتها، فإنها ليست كائنا جامدا، بل كائنا حيّا في تفاعل متواصل مع الثقافات المحلية الأخرى. وليست الإنترنت إلا إحدى “الحلبات” الجديدة التي يتم من خلالها التفاعل والتنافس بين الثقافات.


أكاديمي وخبير إعلامي-مملكة البحرين

18