الإنترنت المظلم عالمٌ خلفيٌ لا ترونه على الويب

السبت 2015/05/02
الإنترنت المظلم مخبأ مجرمي الكون في أنفاق الشبكة

عالم القاع، أو العالم الخلفي، وغيرها، عبارات تستخدم غالباً للإشارة إلى الوجه الآخر، المختلف، القبيح، لكل ما نراه براقاً ومضيئاً ولامعاً، وبالتأكيد يمكن ببساطة أن تساق هذه العبارات للحديث عن شبكة الإنترنت، فما نراه فيها، ولا سيما بعد انفجار شبكات التواصل الاجتماعي، ودون أن نرهق أنفسنا بالتدقيق بكل ما تحتويه، سيقدم لنا عالماً متعدد الألوان، وحين تقترن كلمة الإنترنت باللون الأسود، فإن هذا سيعني بالتأكيد، سلسلةً من الممارسات التي تخالف القانون المعتاد لاستخدام الشبكة، أو استخدامها بما يؤذي مستخدمين آخرين، ولكن هذه الممارسات ستبقى ضمن حدود الضبط أو التحكم، طالما أنها تتم ضمن مواقع تلتزم بقوانين البلدان التي أسست فيها، أي أن بإمكان المتضررين من أيّ محتوى على شبكة الإنترنت أن يقوموا بالشكوى للجهات المختصة، والتي ستتكفل بمتابعة الأمر طالما أنه يخرج عن القواعد الأخلاقية، أو القوانين السائدة.. وما ينطبق على الإنترنت الأسود ينطبق على الإنترنت بكل الألوان.

مخابرات وإرهابيون

ماذا عن عالمٍ من الإنترنت غير منظور من قبل عموم المستخدمين، وغير قابل للمراقبة من قبل الكثير من الأجهزة الأمنية في العالم، ولا يمكن تتبع مستخدميه، ولا يمكن معرفة ما يتم فيه من عمليات تواصل، أو عمليات بيع وشراء، ويمكن لأيّ جهة خارجة عن القانون، أن توفر فيه لأفرادها إمكانيات التواصل فيما بينهم، وكذلك يمكن لكارتلات بيع المخدرات والسلاح والتجارة بالبشر أن تعمل فيه، وأن تستفيد منه لإبرام صفقاتها!

إغلاق الولايات المتحدة الأميركية وعدة بلدان أوروبية لسفاراتها وقنصلياتها في الشرق الأوسط في أيلول 2013، جاء بعد اختراق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي لشبكة تواصل خاصة بتنظيم القاعدة في الإنترنت المظلم

إن فكرت في هذا العالم الافتراضي، واستغربت وجود هكذا شيء، فأعلم أنك وصلت إلى الإنترنت المظلم أو الويب العميق ـ Deep Web. أنت هنا لست في فيلم سينمائي، ينتمي إلى عالم الجريمة، أو الرعب أو الخيال العملي، أنت الآن تجلس أمام حاسوبك، تقرأ هذه الكلمات وتستغرب، ولكنك ستصاب بالفزع إن قلنا لك إنك على بعد خطوات من الدخول إلى هذا العالم، وأنك يمكن أن تدخله، وأن تتجول فيه، لترى مدى صدقية وجوده، ولكن من جهة أخرى، يقتضي الواجب الأخلاقي منا أن ننصحك بألا تفعل، ليس لأن هذا العالم متخم بهاكرز (قراصنة الإنترنت المزودين بأعتى برمجيات الاختراق) وليس لأنه مليء بالخارجين عن القانون، من إرهابيين وبائعي سلاح ومخدرات، وليس لأن رؤيتهم لك كمستخدم في هذا العالم ستجعلهم يؤذونك، لا أبداً..، فهؤلاء لن يستطيعوا فعل شيء لك سوى اختراق حاسوبك وقرصنة معلوماتك وملفاتك وتدمير النظام الذي تستخدمه، وهم لن يجسروا على إلحاق الأذى بك شخصياً في بلدان تتمتع بمنظومة أمنية قوية، ولكن وجودك في هذا العالم سيجعلك عرضة للشكوك والمتابعة من قبل المجرمين ومن يلاحقهم في الآن ذاته.

الإنترنت المظلم وعلى عكس ما يشاع عنه، وما تروّجه عنه المواقع العربية، ليس عالماً متروكاً لمستخدميه، بل هو عالم تجول فيه أغلب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في العالم، خاصة وأن هذا الفضاء العملاق، بات ومنذ سنوات طوال ملعباً للمنظمات الإرهابية الأخطر والأعتى في العالم.

وهنا يتحدث البعض عن وقائع محددة تؤكد قدرة تقنيي الاستخبارات على الولوج في عالم الظلام عبر ارتداء ثياب سوداء أيضاً، حيث يروى أن إغلاق الولايات المتحدة الأميركية وعدة بلدان أوروبية أخرى لسفاراتها وقنصلياتها في الشرق الأوسط في سبتمبر 2013، قد جاء بعد اختراق مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية لشبكة تواصل خاصة بتنظيم القاعدة في الإنترنت المظلم. كما أن التدقيق الإجرائي التقني بمحركات البحث الخاصة بهذا الفضاء العجيب، والتي تؤرشف المواقع فيه، سيظهر العدد الهائل للمواقع التي يتم إغلاقها فيه، بعد أن يتم اكتشافها واختراقها من قبل الأجهزة الأمنية، ولعل أبرز مثال على هذه المتابعة، هو إغلاق الموقع الأشهر silk road وإلقاء القبض على صاحبه روسوليام أولبريشت، ورغم أن هذا الموقع قد عاد من جديد تحت اسم Silk Road 2.0 في العام 2013، إلا أن خطورة ما يقدمه هذا الموقع وطريقة عمله، ستجعله عرضة للتهديد الأمني بشكلٍ دائم، حيث يتبع طريقة تسويق مطمئنة للزبائن؛ فعمليات البيع تتم هنا بشكل سري حيث لا أحد يعرف الطرف الآخر، والكل يحافظ على هذا البروتوكول الآمن، بينما يقوم الموقع باقتطاع عمولة عن كل عملية بيع تتم فيه، بين أفراد من كل دول العالم.

أنت هنا لست في فيلم سينمائي من عالم الجريمة، أو الخيال العملي، أنت الآن تجلس أمام حاسوبك، تقرأ هذه الكلمات وتستغرب، ولكنك ستصاب بالفزع إن قلنا لك إنك على بعد خطوات من الدخول إلى ذلك العالم المظلم

الفوضى المثلى

يُرجع المتابعون ولادة الإنترنت المظلم، إلى بداية الألفية الثالثة، حين قام المبرمج إيانكلارك بإطلاق “الشبكة الحرة” Freenet، التي وصفتها جريدة نيويورك بأنها “تعد أقرب مثال على الفوضى المُثلى”. وقد احتوت مواقع هذه الشبكة على العديد من المواد التي ترضي أذواق جميع المستخدمين الذين لا يرغبون بدفع المال لقاء الحصول على السلعة الإلكترونية، وكذلك ممرات آمنة للحصول على الوثائق السرية والمعلومات المحظورة، وغير ذلك.

في منتصف العام 2000، وفي جزيرة معزولة، أسس البريطانيان ريانلاكي وجون هاستينجز شركة HavenCo، التي تخصصت باستضافة وتخزين واستظهار البيانات الممنوعة على محرك بحث خاص مستخدمين خوادم ضخمة أخفيت في أقبية حصن قديم، وهذا ما درّ عليهما أرباحاً طائلة، حتى تاريخ إغلاق موقعهما في العام 2008.

وفي العام 2002 قام عدد من الباحثين في مختبر بحوث البحرية الأميركية بإطلاق برنامج يدعىThe Onion Router – TOR يسمح بحجب هوية المستخدم وموقعه. وقد هدف أصحاب البرنامج إلى تأمين إمكانية التصفح الآمن لمستخدمي الإنترنت في البلدان التي تفرض حكوماتها قيوداً على حرية المعلومات، مثل الصين وسوريا وإيران، وغيرها. غير أن هذا البرنامج ومتصفحه TorBrowser وفّر للمستخدمين “شبكة عملاقة توزع زياراتهم على مجموعة من (أنفاق) تخفي الـ ip الخاص بالمستخدم، ما يساعده على إخفاء المعلومات الخاصة به ليصبح متصفحاً مجهولاً على الشبكة، عبر تشفير بياناته الشخصية ونشاطه على الإنترنت”.

وهكذا بدأ ظهور المواقع المخفية من خلال استغناء مستخدمي الشبكة المظلمة عن أسماء النطاقات المعروفة والمستخدمة عادة في الإنترنت كـ com أو net أو org وغيرها، واستخدام نطاق محدد هو Onion، الذي لن يجد المستخدم أيّ أثر له في حال استخدم المتصفحات التقليدية للبحث عن المواقع التي تنتمي إليه. وبغية أن تستكمل إمبراطورية الظلام هذه كافة أدواتها الإجرائية في عملية البيع والشراء بعيداً عن أعين المراقبين والمتطفلين من الأجهزة الأمنية التي تتابع حركة الأموال على الشبكة، وجد المستخدمون ضالتهم بالـ “بيتكوينBit Coin” وهي العملة الإلكترونية المستخدمة في الإنترنت المظلم، والتي اخترعها الياباني ساتوشيناكاموتو في العام 2009 وتميزت بخصائص مناسبة من حيث كونها رقمية مجهولة، فهي لا تملك أرقاماً تسلسلية كالعملات العادية بما لا يتيح تتبعها، وقد سجلت قيمة الـ”بيتكوينBit Coin” الواحدة في نهاية العام 2014 بما يعادل 367 دولاراً أميركياً.

أبرز مثال على الويب الأسود، الموقع الأشهر silk road الذي تم إغلاقه وإلقاء القبض على صاحبه روسوليام أولبريشت، ولكن الموقع عاد من جديد تحت اسم Silk Road 2.0 في العام 2013، وخطورة ما يقدمه تكمن في عمليات البيع التي تتم فيه بشكل سري

السوق السوداء

يحتوي عالم الإنترنت المظلم بالإضافة إلى منتديات التواصل بين المستخدمين الذي يهتمون بأنشطة إرهابية كما هائلاً من المواقع التي تشكل السوق السوداء هناك، والتي تعمل بطرح سلعٍ يهتم بها مئات الملايين من البشر، فالأسلحة هي واحدة من أهم السلع التي يجري بيعها هنا، كما أن للمخدرات حصة كبيرة من السوق، فموقع Silk Road 2.0 الذي تمت الإشارة إليه سابقاً من أهم الموردين لأخطر أنواع المخدرات، وكذلك تقدم الكثير من المواقع خدمات تنفيذ المعاملات غير القانونية كتبييض الأموال وغيرها، ويتدنى سلم السلع في هذه القارة المجهولة لغالبية مستخدمي النت العاديين ليصل إلى إمكانية استئجار القتلة المحترفين، تحت شعار “تخلص مما يزعجك”. غير أن السلعة الأخطر من بين كل السلع الممنوعة هنا هي تلك المتعلقة بالإتجار بالبشر، وأسواق الدعارة، والاستغلال الجنسي للقاصرين، وقد أشارت دراسة مهمة أنجزت في نهاية العام الماضي ونشرت في مؤتمر مؤسسةChaos Computer Club لقراصنة الحاسوب والإنترنت بألمانيا إلى أن 83 بالمئة من حركة المرور إلى المواقع التي تستخدم تقنيات “تور” موجهة إلى مواقع تقدم محتوى إباحياً عن الأطفال، وذلك على الرغم من عدم تخطى عدد تلك المواقع لنسبة 2 بالمائة من إجمالي المواقع التي تستخدم تقنيات الاختفاء تلك.

مسالك الحذر

عادة ما تستخدم صورة جبل ثلجي بقمة صغيرة فوق الماء وكتلة هائلة تحته، لتوصيف واقع يقول إن 4 بالمئة فقط من شبكة الإنترنت هو ما يستخدمه المتصفحون العاديون، بينما تشكل نسبة الإنترنت المظلم 96 بالمئة. أي أننا فعلياً نطفو على كتلة هائلة من الأنشطة اللاقانونية، في فضاء الشبكة، وهنا لا يجد أحد المختصين حرجاً من اعتبار أن ما يحدث في الإنترنت المظلم، إنما هو نشاط يماثل، كنسبة وتناسب، ما يحدث في الواقع الحقيقي وليس الافتراضي، فإذا كانت الحكومات الوطنية والمؤسسات الأممية المختصة تدعي أنها تستطيع السيطرة على الكثير من الأنشطة غير القانونية في الواقع الحقيقي، فإن ما تستطيع ضبطه في عالم الإنترنت، أقل بكثير، خاصة وأن الأجهزة الاستخباراتية تركز في متابعاتها على الأنشطة الإرهابية والسياسية. ويبقى أن ما يقوم به البشر في الحياة الواقعية من ابتعاد عن الشوارع الخلفية المظلمة والخطرة، هو الخيار الأفضل للتطبيق في شوارع الإنترنت ومدنه وبلدانه وقاراته، وما بينها من محيطات معتمة.

15