الإنترنت تحول "الجهاد" إلى سوق مفتوحة لجمع المال

الاثنين 2016/09/26
في الحرب على الإرهاب يمكن اعتقال الحاسوب أيضا

الحرب على الإرهاب المعلنة دوليا والجهود العالمية التي انصبت على محاربة التنظيمات الجهادية عسكريا جعلت من الحل الأمني مجرد مسكنات تداوي أعراض الآلام الظاهرة، لكنها لا ترقى إلى مستوى المواجهة الاستراتيجية التي تقتضي الجمع بين المواجهة الاقتصادية والسياسية والفكرية، وهي حالة أشبه بوضع رجل في قلب المعركة ورجل آخر خارجها.

فالحركات الجهادية مازالت تتوفر على أرصدة مالية مهمة لتمويل عملياتها وتحاول تطوير أدائها الاقتصادي والمالي خارج مسار جمع أموال الفدية والتبرعات والنهب والجزية التقليدية، بحيث اتجهت إلى استغلال المجال السبراني من أجل توفير سيولة نقدية إلكترونية منتظمة، تعمل على تمويل أعمال مدنية وعسكرية تصب في تحقيق استقلالية شبكاتها وخلاياها ودعم ذئابها المنفردة.

التمويل الافتراضي

إن نمط الإرهاب بلا قيادة مركزية، كما يمثله “الجهاد مفتوح المصدر”، احتاجت معه المنظمات الجهادية إلى تغيير وسائل عملها وتمويلها، فإذا شكلت الجغرافيا الاقتصادية رافدا من روافد انتشار التطرف بحكم الفقر والبؤس الاجتماعي والأمية، فإن التمويل الافتراضي مازال يعتبر ذهبا أسود للتمكين من الخلاص الجهادي والإفلات من تمشيط الحدود ومراقبة الطرقات والموانئ والمطارات. فالتنظيمات الإرهابية لم تعد منعزلة في مكان ما جغرافيا، فهي اليوم عابرة للحدود في وسائلها وإمكاناتها، كما تشهد أنشطتها تنوعا على الخارطة الجغرافية وصولا إلى العمل على الخارطة الافتراضية، فكل وحدة إقليمية أو إلكترونية مهما صغر عددها، تعد قيمة مضافة في زعزعة الأمن والاستقرار.

الوسائل البنكية الحديثة تجعل الحدود بين عالم النصب وعالم الجهاد غير واضحة بالمرة، إن لم تكن منعدمة

وفي هذا الباب تستحسن المقارنة بين قدرات جمع التبرعات كيف كانت قبل وبعد انتشار الإنترنت، إذ يعد استعمال الشبكة العنكبوتية تطورا حساسا وبالغا بالنسبة إلى حقبة التسعينات من القرن الماضي التي كان الوقف الجهادي النقدي يستعمل نظام تحويل مادي مواز يطلق عليه اسم “حوالة” خارج المراقبة المالية الحكومية، والذي كان يتم به تحويل الأموال عبر رجال الصيرفة من طرف العديد من الجمعيات الخيرية التي اتخذت من خطابها الإنساني أداة لتمويل الشبكات الجهادية.

وهكذا فسحت الأنشطة الافتراضية للبعض من المنظمات الإسلامية المجال لتقديم المساعدات الإنسانية على جمع التبرعات المالية إلكترونيا، بحيث كانت “مؤسسة الإحسان الدولية” التي وضعها مجلس الأمن على لائحة الجمعيات المحظورة بموجب البندين 1 و2 من القرار 1390 الصادر في العام 2002، تقترح على المتبرعين حزمة من الاقتراحات تمكنهم من دفع أموال لغايات خيرية، تتضمن التسجيل الإلكتروني، وسحب أموال من الحسابات البنكية، وخدمات بطاقات الائتمان البنكي، وصولا إلى تبرعات بالأسهم إلكترونيا.

والواقع أن الحركات الجهادية تدرجت من الجهاد الأفغاني إلى صناعة التوحش، وهي اليوم تعتبر الجهاد الافتراضي معركة من نوع آخر، لا تقل أهمية وشراسة في عولمة الجهاد الذي يجمع في أدبياتها المضللة.

وتتعلق هذه النقطة بتأثير المواقع الإلكترونية، حيث يتبيّن من فحص موقع “القوقاز. نت” مثلا، والذي كان يديره بابر أحمد، التأكد كيف كان أنصار التنظيمات الجهادية يستعملون العالم الافتراضي في تمويل أنشطتهم، بحيث كان ابن الخطاب أحد زعماء الجهاديين في الشيشان يدعو أنصاره إلى “التريث حتى يتم اعتماد جمعية خيرية إسلامية موثوق فيها”، ثم يتابع الموقع نفسه على صفحاته الأخرى بأن هناك منظمة خيرية جديرة بالثقة نجحت في القيام بالعديد من الأنشطة الناجحة على عين المكان، وسيقوم بعرض روابط الاتصال وأرقام حساباتها البنكية على شبكة الإنترنت سريعا.

ومع بداية الألفية الثالثة، شكّل الوقف المالي الإلكتروني وسيلة لدعوة مرتادي الشبكة بواسطة بيانات عامة أو عبر دعوات صريحة لجمع الهبات، لكن المطالب النقدية في هذه الحالة كانت تتيح في البعض من الحالات التعرف على المتبرعين، وخاصة أولائك الذين كانوا يعمدون إلى تعبئة استمارات إلكترونية واستعمال مراسلتهم عبر البريد الإلكتروني بشكل فردي، مما شكل رابط اتصال مباشر بينهم وبين هذه الجماعات، لكن إمكانية تعقبهم واقتفاء آثارهم الإلكترونية والرد على هذه الدعوات وتفنيدها ودحضها كانت واردة أيضا.

التقاطع الحاصل بين الجهاد الافتراضي والجهاد التقليدي يقتضي التفكير معه في وسائل جديدة تحد من تحول الجهاد الافتراضي كزعيم جديد للجهاد العالمي

والغالب أن الحركات الجهادية لا تدعو اليوم إلى جمع التبرعات بصفة مباشرة، لكن الدعاية الجهادية الافتراضية تحث عليها ولا تخلو منها بطريقة مضمرة، فالهدف “المستور” من استعمال وسائل متنوعة، هو الرفع من حظوظ الحصول على تبرعات كبيرة، حيث تلعب الدعاية دورا غير مباشر لضمان دعم مالي مستمر، وذلك باستعراض قدرات وقوة التنظيم الجهادي بأمل التزكية والثقة فيه لتمويله.

ومن أكثر مظاهر “الجهادية المالية” سرية اليوم توجهها حاليا نحو الشبكة العنكبوتية السوداء، سواء لعرض قوتها العسكرية ووسائلها في التنظيم والتدبير والتسيير أو لنشر كراسات متخصصة في التخريب ونشر الفوضى، أو كذلك لدعوة أنصارها إلى المزيد من دعم هذه القدرات وتطويرها وفق قدراتهم الذاتية. وهكذا نجد تنظيم أنصار الإسلام العراقي مثلا يستعرض التكاليف المتوقعة بالدولار الأميركي لأنشطته، وذلك يبرز من خلال عرضه لمشكلة الأسر دون سكن وكيفية تصنيع أسلحته وتكاليف الدعوة لنشر الإسلام.

إن طفرة الإنترنت كوسيلة للدفع وتحويل الأموال شجعت على ظهور تقنيات جديدة في مجال التبرعات التي استفادت من دروس السنوات الماضية، إذ يمكن للعديد من المنظمات الخيرية الافتراضية والحقيقية أن تطلق دعوات تبرعية بمناسبة وقوع أي كوارث إنسانية واللعب على العاطفة الإنسانية في مثل هذه الحالات العصيبة، لتعمد بعد ذلك إلى تحويل كل الأموال المحصلة أو جزء منها إلى الحركات الجهادية. فبفضل وسائل الدفع والتحويل الإلكترونية المباشرة التي تقدمها البنوك والشركات بوسع أي فرد الحصول أو تحويل مبالغ مالية افتراضيا لوسيط، وبالتالي يتم عبره استخلاص هذه المبالغ التي يمكنه بعد ذلك تحويل ما يعادلها نقدا للعناصر الجهادية.

الجهاد والاحتيال

نجاح هذا النوع من العمليات يتوقف على اتصالات مشفرة ومؤمنة عبر استعمال البريد الإلكتروني، كما يتم اللجوء إلى شركات مختصة في صرف العملات وتحويلها، مما يتيح إمكانية تحويل عملة أخرى بسهولة، وفي بعض الأحيان يتم تحويل قيمة ما يعرض عليها عينيا من ذهب وأحجار كريمة، مما يضمن تحويلات مضمونة وسرية أكبر. فالإرهابيون يعملون بشكل مستمر على مسألة تطوير قدرات الاختراق والتأمين والبحث الدائم عن مسالك ترويج الأموال بعيدا عن أنظار السلطات.

وقد بدأ مؤخرا استعمال بطاقات بنكية مدفوعة مسبقا أو أنظمة الدفع عبر الهاتف التي تتيح نقل الأموال بسرعة، وهي غير مكلفة ومضمونة الوصول وعلى جانب كبير من السرية. ويبدوا أن هذه الوسائل تنخرط كلها في وسائل الدفع الافتراضي وتقع على هوامش النظام المالي العالمي التقليدي، كما أن جزءا من هذه الوسائل لم يهيكل قانونيا بالشكل المطلوب في جميع دول العالم، مما يجعل الحدود بين عالم النصب وعالم الجهاد غير واضحة بالمرة، إن لم تكن منعدمة، كما تشهد على ذلك محاولات التصيد والتزييف عبر صناعة مواقع مشابهة لمواقع الشركات الوطنية والعالمية الكبرى وعمليات القرصنة المتزايدة، ويضاف إلى ذلك تزوير البطاقات البنكية، كما يتم تحوير مراسلات إلكترونية وإرسالها بتوقيع شركات وبنوك عالمية مزيفة.

الحركات الإرهابية طورت أداءها وأصبحت تجمع المال من خارج ممارساتها التقليدية إلى المجال السبراني الافتراضي

ومن ضمن الوسائل المعتمدة حديثا ما تم رصده منذ العام 2004، عندما قام الناشط إمام سمودرا، عضو منظمة الجماعة الإسلامية الإندونيسية، وأحد منفذي عملية بالي الإرهابية التي أدت إلى مقتل 202 من الأشخاص في العام 2002، وما أورده في كتابه بعنوان “كيف أحارب الإرهابيين”، بتخصيص فصل كامل عالج فيه قرصنة وتزوير البطاقات البنكية تحت عنوان “القرصنة، لم لا”، حيث يستعرض معلومات أولية حول تبييض الأموال وتزييف البطاقات البنكية عبر الشبكة، ثم لغات برمجة إلكترونية يراها ضرورية لكل مبتدئ إرهابي يريد استعمال المجال السبراني في سبيل إنجاح الجهاد العالمي.

ولذلك، لا تمكن الاستهانة أبدا بهذا النوع من الدعاية، إذا نجح في الشيوع بين المراهقين والناقمين والمغرر بهم، فهو موجه بالأساس إلى عديمي التعليم والتكوين، وثقافتهم بسيطة. الأمر الذي يساعد حتما في ظهور جيل إرهابي جديد مختص بشكل عشوائي في القرصنة والتزييف الإلكتروني واستعمال الشبكة في عمليات إرهابية مدمرة، دون الانخراط الفعلي في عمليات ميدانية مباشرة على الأرض، وهو ما ينذر بطابور ثالث جديد تجنده الحركات الإرهابية. ويقول خبراء إن تأمين المجال الافتراضي من الإرهاب يفرض توازيا بين ما يستنبطه الإرهابيون من وسائل وبين أدوات الحماية.

إن التقاطع الحاصل بين الجهاد الافتراضي والجهاد التقليدي يقتضي التفكير معه في وسائل جديدة تحد من تحول الجهاد الافتراضي كزعيم جديد للجهاد العالمي، وحتى لا يتحول الإنترنت إلى جغرافيا حرب جديدة، مما يفرض إنشاء مراكز بحثية متخصصة في تعقب الفكر الجهادي الافتراضي ودراسة أساليب عملها وتعقب مواطنها الافتراضية حتى يسهل محاصرتها وجمع أكبر عدد من المعلومات حولها والرد على دعايتها بدعاية مضادة، كما يظهر من محاولات رائدة تجسدها حملة "سكينة" المملكة العربية السعودية التي تجمع بين تكتيك المراقبة للخطاب المتشدد واستراتيجية مكافحة التطرف، لكن هذه المحاولات تظل في بداياتها في العالم العربي.

باحث في جامعة السوربون

6