الإنترنت تفرز للمرأة العربية تقاليد طبخ جديدة

تعد الكثير من المأكولات العربية القديمة بمثابة المرجع الثقافي، لذلك يمثل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الذي يصادف الاثنين 12 ديسمبر الحالي، فرصة للولوج إلى مطبخ المرأة العربية وإلقاء نظرة عن كثب على أساليبها في إعداد العصيدة احتفالا بهذه المناسبة.
الأحد 2016/12/11
الاستفادة من خبرات الكبار مطلوبة

جمعت بين المرأة التونسية والعصيدة موجة تغيير ألمت بكليهما، حيث ارتبط المولد النبوي الشريف حتى عهد قريب بالعصيدة الشعبية التي يطلق عليها التونسيون اسم “العصيدة البيضاء” ويتم إعدادها إما بالاعتماد على الدقيق أو الفارينة وتقتصر زينتها على زيت وسكر أو عسل حسب الرغبة.

ومنذ زمن ليس ببعيد عرفت العائلات التونسية عصيدة الزقوقو، احتفالا بالمولد النبوي، وتكاد تكون أكلة متفردة في العالم العربي الإسلامي، يعتمد في إعدادها على مادة أساسية، وهي الحبات التي يتم استخراجها من شجرة الصنوبر الحلبي، المنتشرة شمال تونس.

العصيدة البيضاء رافقت الجدات وتوارث إعدادها عدد قليل من الأمهات، وحلّت محلها على موائد التونسيين عصيدة الزقوقو لتكون شاهدا على المرأة التونسية العصرية، لكن الإشكال ليس في نوع العصيدة وإنما في طرق إعدادها، حيث لم تعد التونسية اليوم تعول كثيرا على التقليد العائلي في مطبخها وعلى كتب “أمك صنافة” بل على العالم الرقمي بدءا من لحظة شراء اللوازم وصولا إلى مرحلة الطبخ.

العصيدة من الأكلات الشعبية ولها مكانة خاصة في المناسبات الاجتماعية. وتعد إحدى الوجبات الرئيسة في السودان واليمن وشرق وجنوب السعودية. أما في ليبيا وتونس فتقدم احتفالا بالمولد النبوي.

ومع موجة البرامج التلفزية والمواقع والتطبيقات التي تقدم طرق إعداد الطعام ظهرت أصناف مختلفة من العصائد مثل عصيدة البوفريوة (بندق) والكاكاوية (الفول السوداني) وغيرها من العصائد، تلهث أغلب التونسيات للحصول على وصفاتها.

وتعتبر أغلب مواقع التواصل الاجتماعي شاهدا على انطلاق المرأة التونسية في التحضير للمولد النبوي، حيث عرفت العديد من الصفحات الخاصة بالطبخ على هذه المواقع، حركية كبيرة في الفترة الأخيرة، حيث حاولت الكثير من التونسيات الاستفسار عن طرق إعداد عصيدة المولد، حتى أن عددا منهن أرسل بالاستعانة بالهواتف أثناء التسوق، صورا لعلب الزقوقو مستفسرات عن النوع والجودة.

محمد أمين بن صالح: مختلف الشرائح العمرية تحرص على شراء كتاب الطبخ بدءا من الفتاة الصغيرة، وصولا إلى نساء في 55 و60 عاما

وبالإضافة إلى موجة التقليد الأعمى التي وسمت الكثير من القنوات التلفزية والتي في إطار المنافسة لم تعد تكتفي بالاعتماد على الطباخين بل واستدرجت المشاهير لتقديم هذه البرامج لتحظى أكثر بمتابعة المشاهدين، انتشرت في الآونة الأخيرة صفحات وغروبات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد ساعد وجود مثل هذه الغروبات المرأة التونسية سواء المتزوجة حديثا أو منذ عهد، والمقبلة على الزواج أو المسنة على الحصول على الكثير من طرق إعداد عدد من المأكولات التونسية القديمة أو العصرية.

ونظرا للإقبال الكبير من النساء على مثل هذه الغروبات كان لـ”العرب” حديث مع صاحب أحد أشهر الغروبات على فيسبوك.

ووفقا لما صرّح به الشاف محمد أمين بن صالح (33 عاما) وهو صاحب غروب “كوجينة الشاف أمين” لـ”العرب” عبر اتصال هاتفي أنه حين قام بإنشاء الغروب في نوفمبر 2015 كانت غايته مساعدة المرأة التونسية بشكل خاص والمرأة العربية كيفما كان انتماؤها بشكل عام على الحصول على “دبارة اليوم” مستخدما أيسر طرق الشرح ومستعينا باللغة المحلية لتتمكن مختلف الفئات من فهمه والتواصل معه لذلك حقق غروبه في فترة وجيزة إقبالا كبيرا.

وأضاف الشاف بن صالح أنه قام بجمع خبرته في كتاب تخطفته النساء التونسيات وغير التونسيات وأن النسخ نضبت في وقت قصير، علما وأنه يلقى إلحاحا من الكثيرات للحصول على الكتاب لذلك يعمل في وقت قريب على تمكينهن من الطبعة الثانية التي بحسبه قد لا تكفي نظرا لكثرة الطلبات.

وبسؤاله عن سر ذلك أفاد أن الكتاب كان محل طلب من العديد من الشرائح بدءا بالفتاة الصغيرة التي تريد أن تتعلم الطبخ، أو المقبلة على الزواج وبحاجة إلى أن تحمل معها مساعدا خفيا إلى مطبخها لتفاجئ زوجها المستقبلي بأصناف من الطعام، وصولا إلى نساء تتراوح أعمارهن بين 55 و60 عاما وأكثر. وأضاف بن صالح لـ”العرب” أن بعض المنتميات لغروبه صرحن له أنهن لسن من محبي الدخول إلى المطبخ وأن الوصفات التي قدمها جعلتهن يتنافسن ضمن غروبه لتقديم ما تعلمنه منه.

ويرى الشاف أمين أن الغروب فتح بابا أمام الكثيرات لا للاستفادة فقط ممّا يقدمه لهن بل وكذلك من الوصفات والاقتراحات التي تقدمها بعض النساء سواء من تونس أو من بعض الدول العربية الأخرى.

وقال بن صالح إن شراء المرأة لعلب الزقوقو المرحي بدل شراء حبات الزقوقو يوفر عليها على الأقل ساعتين لأن العملية التي تصاحب تحضير الحبات تأخذ حيزا كبيرا من وقت المرأة التي أصبحت نظرا لضيق الوقت تفضل ربح الوقت.

وأضاف أن العلب أيضا جيدة لكن المهم أن تحرص المرأة على إعداد العصيدة وهذا ما لاحظه ضمن غروبه لأن النساء منذ فترة وهن حريصات على الحصول على طرق إعداد العصيدة بمختلف أصنافها.

وهناك نقطة هامة لفت الشاف أمين إليها الانتباه وهي أن الفرق بين البرامج التلفزية والاستعانة بالغروبات على مواقع التواصل الاجتماعي يكمن في أن الأولى تقدم في أحيان كثيرة وصفات تعتمد على منتجات باهظة الثمن لأنها حريصة على الترويج والدعاية لبعض المنتوجات، بينما الغروبات غايتها فقط مساعدة المرأة في مطبخها، مؤكدا أنه على الرغم من إقامته بالنرويج فهو حريص على تقديم مأكولات تونسية تتماشى مع مدخول كل الطبقات التونسية.

ويبدو أن الإنترنت خلقت نوعا جديدا من العلاقة بين المرأة ومطبخها ولم تعد مسألة تعلم الطبخ حكرا على الموروث الأسري لأن الأم أيضا بدأت تحاول مجاراة أبنائها من خلال تنويع طبخها وجعله مواكبا للعصر.

كما أن التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي سهل محافظة المرأة على التقاليد الغذائية بتبادل الخبرات، بالإضافة إلى توفير الوقت والجهد في محاولات بحث مضنية عن وصفة أو سؤال جارة، وبذلك تتمكن المرأة من إعداد عصيدة بنكهات متنوعة استقتها من وصفات وخبرات مختلفة لتنتج عصيدتها الخاصة، وإن كانت ألغت بطريقة ما تلك الحميمية الخاصة التي تصاحب مراسم طبخ العصيدة، لكنها خلقت تقاليد جديدة عبر الإنترنت.

ولكن هذا لم يمنع وجود شابات تونسيات يحاولن تعلم إعداد طبق العصيدة من المطبخ العائلي، حيث قالت عتاب الشتوي (23 عاما) أصيلة محافظة دوز جنوب تونس وهي متزوجة حديثا لـ”العرب” إنها قررت اللجوء إلى أختها لتساعدها على إعداد العصيدة. وأضافت الشتوي أنها ستعتمد على الوصفة المرفقة مع علبة الزقوقو لإعداد عصيدتها إذا ما اقتضى الأمر.

كاتبة من تونس
20