الإنترنت حديقة العمالقة الكبار وعلى الناشرين دفع قيمة الدخول

لم تكن خطوة غوغل بإلغاء شرط المقالات المجانية على المواقع الإلكترونية المدفوعة، بريئة وتهدف فقط لإصلاح العلاقة المتوترة مع المؤسسات الإعلامية، لأن عين غوغل على نصيب من هذه الاشتراكات، مستغلة استعداد الجمهور المتزايد للدفع مقابل الصحافة الجيدة من جهة، واتجاه المواقع الإلكترونية أكثر فأكثر إلى نموذج الاشتراكات المدفوعة، من جهة أخرى.
السبت 2017/10/28
شركات الإنترنت تجني ثمار جهود الصحف

لندن - يسود العلاقة بين المؤسسات الإعلامية وشركات الإنترنت توتر قديم، نابع من استغلال مجموعة التكنولوجيا لنفوذها على المستخدمين، من أجل إجبار وسائل الإعلام على دفع فاتورة الخدمات التكنولوجية التي حصلت عليها، بينما تعتبر هذه الوسائل أنها دفعت فاتورة مرتفعة مسبقا بخسارة إيرادات الإعلانات.

قبل ثلاث سنوات قال ريتشارد جينجراس نائب رئيس الأخبار في غوغل، أن صناعة الأخبار لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه في الماضي، وإذا لم تكن تريد احتواء التغيرات الحاصلة في طريقة إعداد الأخبار واستهلاكها ومشاركتها، فقد تجد نفسك في المؤخرة.

وفي حقيقة الأمر لم يكن تطوير المحتوى والتغيرات التي عرفتها صناعة الأخبار بعيدَيْن عن مصالح غوغل وشركات الإنترنت الأخرى، التي لطالما وجدت طريقة لاستثمارها لصالحها، فعندما أعلنت غوغل هذا الشهر أنها سترفع القيود التي تكبل بها المواقع الإلكترونية المدفوعة تنفس الناشرون الصعداء، واعتبروا ذلك فرصة لاكتساب مشتركين جدد باستخدام بياناتها وخوارزمياتها الخاصة، وأعرب مدراء وسائل الإعلام عن سرورهم، وتصور بعضهم أن “الملايين من الدولارات ستتم إعادتها إلى الصحافة”، فيما ذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك بتخيل أرقام مضاعفة من تحويلات الاشتراكات، وفق ما قال مادهوميتا مورجيا في جريدة فايننشيال تايمز.

لكن خطوة غوغل لم تكن بريئة على الإطلاق، حيث كشف جينجراس في مقابلة مع فايننشيال تايمز، “أن المجموعة تعتزم تحصيل رسم يصل إلى 30 في المئة عن كل مشترك جديد تجلبه للناشرين. نريد أن يكون لدينا نظام بيئي صحي بحيث نستفيد كمجتمع وأعمال في آن واحد”.

وأضاف “نحن لا نزال نعمل لإنجاح هذا. لسنا مختصين في أعمال الاشتراك المدفوع الأجر، لكن حصص الإيرادات ستكون سخية جدا جدا”.

ووجد الناشرون أنفسهم أمام تساؤل مهم: هل هي مجرد محاولة من غوغل لفرض وجودها بين القارئ وأعمال وسائط الإعلام لإيجاد مصادر دخل جديدة لنفسها، أم أن مشاريعها المبتكرة في استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي يمكن أن تنعش اقتصاديات صناعة الأخبار عبر الإنترنت، التي تنتقل بشكل متزايد إلى نماذج قائمة على الاشتراك المدفوع؟

ريتشارد جينجراس: لسنا مختصين في أعمال الاشتراك المدفوع، لكن الإيرادات سخية جدا

ويقول كين دكتور، محلل صناعة الأخبار ومؤلف “نيوزونوميكس”، “إن (شركَتَيْ) غوغل وفيسبوك أساسيتان لاقتصاد الأخبار الرقمية، ولا يوجد للناشرين خيار سوى التحرك حولهما”.

وتؤمن شركتا فيسبوك وغوغل معا 76 في المئة من إجمالي حركة الدخول إلى المواقع الإخبارية، ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه الناشرون لا يتعلق بحصة الإيرادات إنما “هل يمكن لغوغل تحريك مؤشر الاشتراكات؟”.

يميل الناشرون إلى تأييد وجهة النظر هذه، إذ يضعون نصب أعينهم الآن أن زيادة الاشتراكات الرقمية هدف أساسي نظرا لانخفاض الدخل من النشرات المطبوعة، ويقول أحد المسؤولين التنفيذيين في وسائل الإعلام العالمية “سننظر بالتأكيد في ‘حصص الإيرادات’ بالطريقة التي نتبعها في أي تحليل لقناة استحواذ؛ بمعنى هل تكون كلفة الحصول على مشترك مقبولة أكثر عند مقارنتها مع الإيرادات التي تم استحداثها؟”.

ويضيف “لكن الأهم من ذلك هو أن مبدأنا الرئيسي هو العلاقة المباشرة بالمستخدم، لذلك فإن حصة بنسبة 10 أو 30 أو 90 في المئة من الإيرادات هي في الواقع مسألة ثانوية عند التفكير في وضع العلاقة المباشرة”.

ويصر جينجراس على أن غوغل لم تكن تخطط لإنشاء أعمال قائمة على الاشتراكات، إلا أنه لا تزال هناك مخاوف من مثل هذه الخطوة التي تجعل شركة غوغل تقوم بدور الوسيط في المدفوعات التي تُدفع مقابل السلع الرقمية.

وقال دكتور “الاشتراكات في الأخبار تمثل حاليا نقطة ضئيلة ضمن الإيرادات الجديدة المحتملة بالنسبة إلى شركة مثل غوغل، لكن من المنطقي بالنسبة إلى هذه الشركة أن تصبح أكثر من وسيط، وهو أمر تحاول فعله منذ ست سنوات، منذ برنامج (محفظة) غوغل” الذي يقوم على تقديم خدمة تتمثل في تحويل الهواتف الذكية إلى محافظ جيب رقمية لاستخدامها في المعاملات التجارية بدلا من بطاقات الدفع البلاستيكية.

ويضيف “سواء كانت هذه السلع اشتراكات أو موسيقى أو أفلاما، فهذا جزء مهم من استراتيجية عمل غوغل، التي لم تستطع تحقيق نجاح كبير في ذلك مقارنة بأبل أو أمازون”.

ووضع عملاق الإنترنت منذ فترة طويلة خطة لتهدئة الناشرين، حيث لقي انتقادات متزايدة منذ عام 2007 حين أدخلت الشركة ميزة “النقرة الأولى مجانا”، التي تطلب من الناشرين الذين لديهم مواقع اشتراك مدفوع، تقديم ثلاثة مواضيع مجانية يوميا على الأقل عبر بحث “غوغل”.

وزعمت غوغل التي تعد أكبر شركة تابعة لشركة ألفابت أن المقالات المجانية ستؤدي إلى زيادة الاشتراكات. لكن باستثناء عدد قليل من المواقع لم تكن الاشتراكات عن طريق الإنترنت مرضية وتزايدت شكوى شركات مثل نيوز كورب التي تملك وول ستريت جورنال من أن حصول مستخدمين على مقالات مجانية أدى إلى تراجع الاشتراكات.

واعتبر الناشرون الذين لديهم مواقع اشتراك مدفوع أنها تخنق أنموذج أعمالهم وتعاقبهم على عدم المشاركة، إذ قالت صحيفة وول ستريت جورنال المملوكة لشركة نيوز كورب “إن إحالاتها من أخبار غوغل انخفضت بنسبة 94 في المئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2017، بعد أن اختارت الخروج من هذا النشاط”. لكن خروجها أدى إلى زيادة الاشتراكات.

30 في المئة رسم الاشتراك عن كل مشترك رقمي جديد تجلبه شركة غوغل للناشرين

وتعول غوغل الآن على القواعد التي خففتها وبرنامج الاشتراك قيد التطوير لوقف تراجع المحتوى القيم للناشرين.

واعترف جينجراس باستثمار استعداد الجمهور للدفع مقابل الصحافة الجيدة، وقال “جاء مشروع الاشتراك لدينا من الاعتراف الناشئ بأن المستهلكين مستعدون فعلا لدفع ثمن الصحافة الجيدة”، وأضاف “كما كنا نرى اتجاهات السوق ببساطة في عدد الناشرين الذين كانوا يبنون نماذج الاشتراك المدفوع. قبل عشر سنوات، كان بمقدوري على الأرجح أن أحسب على أصابع يدي عدد الصحف التي تفرض الاشتراكات. قبل عامين، ربما كان هناك أكثر من 30 صحيفة. الآن أصبح العدد بضع مئات. في العام المقبل سيكون العدد أكثر من ذلك بكثير”.

وليست غوغل شركة الإنترنت الوحيدة المعنية بهذه المسألة، إذ أن شركة فيسبوك هي الأخرى تسعى لإصلاح المشاكل الملتبسة مع وسائل الإعلام، حيث أعلن موقع هذه الشركة الأسبوع الماضي أنه أيضا يختبر طريقة جديدة لمساعدة الناشرين، مثل “الإيكونومست” و”واشنطن بوست”، على بيع المزيد من الاشتراكات. لكن طبعا لن يكون الأمر دون شروط، إذ قالت الشركة إنها ستطلب من الناشرين تقديم عشرة مقالات على الأقل مجانا، على عكس غوغل، ما يتيح للناشرين تحديد عدد العينات المجانية التي يرغبون في تقديمها.

ويقول جينجراس “فيسبوك بيئة ذات ملكية حصرية. إنها، بمعنى من المعاني، حديقة مسورة. من أجل الحصول على أقصى استفادة من بيئة من هذا القبيل، كناشر، أنت بحاجة إلى علاقة تجارية معها”.

ويضيف “الإنترنت المفتوح أمر بالغ الأهمية لمستقبل أي ناشر. هذا هو في الواقع المجال الذي نشاطر فيه الناشرين هدفا مشتركا”.

كما تعتزم غوغل تدشين برنامج مجاني خلال الشهور القادمة للناشرين يمكّن المستخدمين من الدفع مقابل المحتوى باستخدام معلومات بطاقة الائتمان التي زودوا بها عملاق البحث من قبل.

وقال جينجراس إن الهدف من وراء ذلك هو تسهيل عمليات الشراء لتصبح من خلال نقرة واحدة. وسيتم تشارك أسماء وعناوين البريد الإلكتروني للمشتركين مع الناشرين.

وجاءت هذه المناقشة في الوقت الذي يواجه فيه عمالقة التكنولوجيا أنفسهم أسئلة حول ظهور “أخبار مزورة” ودورهم في تقديم الصحافة المسؤولة.

18