الإنترنت فضاء بديل لإنتاج السياسة والديمقراطية الافتراضية والإرهاب

الأربعاء 2016/09/14
ربيع عاد سريعا إلى مجاله الافتراضي

الإسكندرية (مصر) - أكد جوهر الجموسي أستاذ التّعليم العالي في جامعة منوبة بتونس أن السياسة انتقلت إلى الفضاءات الافتراضيّة، ليُصبح الحديث مُمكنا عن قوى حزبية افتراضية ناشئة، وقوى سياسية افتراضية صاعدة تستند، في الغالب، إلى إخفاء الاسم والهوية. وقال الجموسي إن هذا الانتقال أفرز شكلا جديدا من الديمقراطية هو الديمقراطية التشاركية أو ديمقراطية الاقتسام. وقال الباحث التونسي في محاضرته “الإنترنت والديمقراطية التشاركية في المجتمع العربي: الحقيقة والوهم” ضمن فعاليات مؤتمر مستقبل المجتمعات العربية الذي نظمته مكتبة الإسكندرية أخيرا “لقد تسرب المجتمع السياسي داخل تنظيمات المجتمع المدني، من جمعيات وجماعات افتراضية، باعتماد إخفاء الاسم ضمن الفضاء الافتراضي، وتحديدا عبر الإنترنت”.

وفسر الجموسي ذلك بأنه تقنية لإخفاء العجز الذي يضرب النخب السياسية في البعض من دول الربيع العربي، وقال إن ظاهرة الأحزاب الافتراضية هي انعكاس لواقع الخوف من الرأي العام الذي لم يعد يثق في الطبقة السياسية ولم تعد له أي تفاعلات مع ممارستها للسياسة أو المعارضة أو الاستقطاب. ويعود نقص الثقة هذا في أن النخبة السياسية العربية لم تستطع مواكبة سرعة التطورات التي تطرأ على الساحة العامة بعد الربيع العربي.

وفي السياق، يؤكد الباحث الفلسفي المغربي كمال عبداللطيف أن هذه الظاهرة هي “ذهول النخب في الثّورات العربية وبعدها”. وهو ذهول، على وقع سرعة التقدم الرقمي والافتراضي في الواقع اليومي العربي. ويمكن القول، في هذا السياق، إن الحيز العامّ الافتراضي والمتمثل في وسائل الإعلام التفاعلية (الميديا الجديدة)، قد تقدم بِوصفه مجالا عاما حقيقيا نافِيا المجال السياسي القديم، وبفاعلية شديدة قادرة على إنتاج حالة إجماع على قيم ورموز سياسية معينة.

جوهر الجموسي: ظاهرة الأحزاب الافتراضية هي انعكاس لواقع الخوف من الرأي العام

وأوضح كمال عبداللطيف أن هذه الظاهرة المُعاصرة بدأت بالتبلور في الفترة الرّاهنة. وأَخذت في تسييس المجال المدني بتوظيف تكنولوجيّات المعلومات والاتّصال (الافتراضيّ الرّقميّ). وتَحُلُّ جَدلا كان قائما بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني منذ ألكسيس دي توكفيل، ومرورا بأنطونيو غرامشي. فما هو سائد من أطروحات في هذا المجال يكرّس فكرة الصّراع بين السياسي والمدني. ويحاول كل من الحقل المدني والحقل السّياسي أن يَفتكّ مساحة من السّلطة على حساب الطّرف الآخر.

أمّا اليوم، ومع هيمنة الوسائط التّقنيّة للاتّصال، فقد حل الصّراع بتداخُل عميق بين العالَمَيْن، استطاع فيها المجتمع المدني أن يخلق مجاله العام في اللّامجال، مثلما يُسمّيه مارك أوجي والذي هو المجال الافتراضي الرقمي. هذا المجال، يطرح اليوم، وبحدّة كبيرة، إشكاليّة الإنترنت والدّيمقراطيّة التّشاركية في المجتمع العربيّ بين الحقيقة والوهم، باعتبار هذه الثّنائيّة قد تكون حقيقة منتجة لديمقراطيّة حقيقيّة أو “وهم الديمقراطيّة” إذا ما اعتبرنا خلفياتها وآثارها السلبية، بدءا بالانقطاع عن الواقع، وانتهاء بتستر الجماعات الإرهابية وراء الإنترنت والديمقراطية وحرية الرّأي والتعبير لاستقطاب الشباب في هذه الجماعات المدمرة.

وقال الجموسي إن قوة اقتحام الجميع لما هو مجتمعي وسياسي عبر الإنترنت قد أدت إلى ظهور نوع جديد من العمل السياسي، ينزع نحو خلق منظومة سياسيّة جديدة قوامها ديمقراطيّة التّشارك، الّتي تُوظّف الافتراضي الرقمي بلا حدود، متجاوزة في أحيان كثيرة، حدود الأخلاق وقيم المجتمعات، ومفرزة حقيقة ووهما ينكشفان بين يوم وآخر كلما ترسخت أقدام الإرهاب عبر الإنترنت، وتضاعفت مواقع الجماعات الإرهابيّة عبر الشّبكة. فعدد المواقع الإلكترونيّة للجماعات المتطرّفة عبر الإنترنت ارتفع من 12 موقعا سنة 1997 إلى 150 ألف موقع سنة 2015. ولتحقيق أهدافها في نشر سياسة تنظيم داعش الإرهابي، واستقطاب الشباب للتأثير فيهم، وتجنيدهم للقتال، باعتماد وسائط الاتّصال الحديثة، يدير هذا التّنظيم سبع أَذرع إعلامية، و90 ألف صفحة على مواقع التـواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك وتويتر.

ورصد تنظيم داعش من ميزانيته 3 مليارات دولار لتمويل القنوات السبع، والإذاعات والمواقع الإلكترونية والمجلّات التي تروج لفكر التنظيم في جميع دول العالم بأكثر من 12 لغة. كل هذا الحراك الاجتماعي والسياسي المشبوه، يتم عبر الإنترنت باسم ديمقراطية الشبكات وديمقراطية تشارك الجميع واقتسامهم للمعلومات والأفكار في ما بينهم حتى وإن كانت هدامة ومدمّرة للمجتمعات ذاتها.

6