الإنترنت.. مختبر عميق لبحوث العلوم الإنسانية دون ورق

المكتبات الافتراضية تشكل جزءا مهما من الشبكة العنكبوتية لما تحويه من مصادر مختلفة للمعلومات التي تتيح إمكانية زيارة عدد كبير من المكتبات العامة، والجامعية في عدد من الدول.
الاثنين 2018/05/28
المكتبات الرقمية بحر من المعلومات

باريس – يحدث العالم الرقمي تغييرا عميقا في مهنة المؤرخين وعلماء الاجتماع مع ما يحويه من محفوظات إلكترونية بكميات هائلة وبرمجيات قوية للبحث، والإمكانات البشرية الكبيرة المتاحة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

قبل ثلاثة عقود، وصفت الأخصائية الفرنسية في تاريخ القرن الثامن عشر أرليت فارج في كتاب شخصي بعنوان “حس الأرشيف”، تاريخها الطويل مع ارتياد قاعات المحفوظات حيث “يُصنع التاريخ”، متحدثة عن “لون القسائم، وتقشف أخصائيي الحفظ، ورائحة المخطوطات”.

أما اليوم فيغوص المؤرخون المعاصرون في عالم رقمي تسوده برمجيات البحث، وتختفي منه رائحة الأوراق القديمة. وأصبح يطلق على مرحلة الإنترنت عصر ثورة المعلومات بسبب الكم الهائل من المعلومات الذي أصبح في متناول فئة كبيرة في معظم مناطق العالم التي تتوافر فيها وسائل الاتصال الحديثة، وبرزت قواعد معلومات ضخمة تغطي جوانب المعرفة البشرية كافة.

 

تشكّل عملية جمع المعلومات أحدى الركائز الرئيسة لعمليات البحث في العلوم الإنسانية، وخاصة علم التاريخ والعلوم الاجتماعية، ما يدفع الباحثين في هذين المجالين إلى تكبّد المشاق في سبيل معايَنَة موقع، أو الحصول على كتاب أو رسالة، أو لقاء مع أحد المختصين، وغير ذلك ممّا يخدم تخصّصهم، موظفين في ذلك أساليب عديدة قد ينهي عصر الإنترنت صلوحيتها. وأحدث تقنيَّات الحصول على المعلومات هي استخدام شبكة الإنترنت في تبادل المعلومات ونقلها من طرف إلى آخَر خلال دقائق، حيث أصبح من الممكن الوصول إلى عدد كبير من مصادر المعلومات في جميع بلدان العالم بسرعة فائقة.

وفي مجال التاريخ والبحث التاريخي سعى المختصّون للاستفادة من هذه الوسيلة الحديثة في نشر إنتاجهم العلمي عبر شبكة الإنترنت، حيث أصبح من السهل الوصول إليه من قبل جميع المهتمين من طلبة وأساتذة في مختلَف أنحاء العالم، مما أتاح إمكانية بناء قواعد ضخمة من المعلومات العامة والخاصة، وتشمل قواعد المعلومات التاريخية جميع ما نُشِر عبر هذه الشبكات، وما له علاقة بعلم التاريخ والبحث العملي، وبذلك تساعد على تطوير القدرة على استقراء التاريخ وتفسيره.

وأدى تطور الشبكة العنكبوتية وبروزها كأداة فاعلة لخزن المعلومات إلى دخول مراكز البحوث التاريخية في هذا المجال، بعد إدراكها لأهمية التقنية الجديدة في جمع المادة التاريخية، ودراستها، ونشرها، لتحقيق الاستفادة القصوى.

ومن أهم قواعد الشبكة العنكبوتية “أدوات البحث”، وهي عبارة عن كشوفات بأسماء المواقع المعروفة في تخصص معين بعد ازدياد عدد المواقع على شبكة الإنترنت، وتساهم محركات البحث في حصر المواقع التاريخية حتى توفّر للزائرين وسيلة عملية في تحديد احتياجاتهم والوصول إلي أهدافهم بيسر وسهولة، وتتميَّز بعض المحركات بإعطاء تعريف بسيط بالمواقع، ونوعيَّة المعلومات التي يمكن الحصول عليها عند زيارة الموقع المعرف، والتعرُّف على هذه المواقع هو أفضل وسيلة للبحث في الشبكة العنكبوتية، عوضا عن التنقُّل دون دليل بين الآلاف من المواقع.

أرشيف بلا رائحة

تشكل المكتبات الافتراضية جزءا مهما من الشبكة العنكبوتية لما تحويه من مصادر مختلفة للمعلومات التي تتيح إمكانية زيارة عدد كبير من المكتبات العامة، والجامعية في عدد من الدول، مثل مكتبة الكونغرس في واشنطن والبحث في مكتباتها العامة والخاصة.

ومن القواعد المهمة التي تهم المشتغِلين بالعمل التاريخي معرفة الجديد في عملية البحث التاريخي، عن طريق متابعة التوجهات الحديثة في الدراسات التاريخية، من خلال الاطلاع على ملخصات رسائل الماجستير والدكتوراه المقدمة في مختلف جامعات العالم ، وكانت الملخَّصات متوفِّرة في السابق في المكتبات، ولكن الحصول عليها يتم بصورة محدودة بسبب البعد الجغرافي، أما الآن فتوجد قواعد خاصة بهذه الرسائل العلمية يمكن تصفحها بكل سهولة عن طريق الشبكة، لأن الباحث أو الطالب يستطيع الاطلاع على الرسائل المقدمة في جامعات ألمانيا أو الولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا أو غيرها من الدول التي قامت مؤسساتها العلمية بطرح نتاجها الأكاديمي عبر صفحات الإنترنت.

وتمثّل مسيرة الباحث فريديريك كلافير (41 عاما) مثالا جيدا عن هذا التحول. لقد أطلق هذا المؤرخ مسيرته في نهاية التسعينات من القرن الماضي عبر أطروحة “تقليدية” عن حاكم البنك المركزي خلال الحكم النازي يالمار شاخت. وهو يستذكر زياراته المتكررة إلى قسم المحفوظات الفيدرالية في برلين متوقفا خصوصا عند “حالات الغثيان لدى قراءة بعض الوثائق” من المحفوظات النازية.

أما اليوم، فبات هذا الأخصائي في التاريخ المعاصر في جامعة لوكسمبورغ يستخدم خصوصا خوادم إلكترونية وبرمجيات لجمع تغريدات كوثائق من أجل دراسة عن الذكرى المئوية الأولى للحرب العالمية الأولى.

ويقول “لا أزال أعمل في مجال التاريخ”، لكن الأمر “اختلف كثيرا” عن جلسات الأرشيف في برلين قبل عقدين. ويوضح “أنا أشكّل حالة متطرّفة، لكن زملاء كثيرين يستخدمون دون أن يعلموا أحيانا، محفوظات رقمية متوافرة إلكترونيا مع برمجيات متطورة لاستخدامها”.

وسواء جرى تحويلها إلى نسخ رقمية في مراحل لاحقة استنادا إلى وثائق قديمة أو تصميمها من الأساس بنسق إلكتروني (بريد إلكتروني أو تغريدات أو صفحات إلكترونية أو وثائق معلوماتية)، أطاحت المحفوظات غير المادية بفضل حجمها وسهولة الولوج إليها الوثائق الورقية.

الكمبيوتر يختصر بعد المعلومة
الكمبيوتر يختصر بعد المعلومة

وتوضح المسؤولة في القسم الرقمي في هيئة المحفوظات الوطنية الفرنسية مارتين سين بليما بارو، أن الأرشيف الرقمي قطاع يسجل “نموا استثنائيا” مع أكثر من 198 مليون وثيقة. فعلى سبيل المثال، خلال التغيير الحكومي الأخير في فرنسا العام الماضي، جمعت 9 آلاف جيغابايت من البيانات المتأتية من وزارات محلية على يد هذه المؤسسة التي تتمحور مهمتها الأولى حول جمع محفوظات الدولة.

تقول سين بليما بارو إن الوثائق الرقمية أكثر “هشاشة” من النسق القديم لأن “حفظها يعني إبقاءها مفهومة وقابلة للاستخدام عبر الزمن بما يسمح بتخطي مرور الزمن التقني في نسقها وعبر الوسائط التي تحملها”.

ويشير الأستاذ في جامعة تولوز- جان جوريس الفرنسية، سيباستيان بوبلان إلى أن الكثير من طلابه يرون في التوجه إلى قاعة للأرشيف “أمرا غير ذي جدوى بتاتا” لأن “كل المصادر باتت موجودة بالنسق الرقمي”.

غير أن “التحويل الرقمي للمحفوظات ينطوي على شكل من أشكال المحو وتخفيف الرابط مع المصادر” ولا يترك أي مكان للاكتشافات، حسب ما يقول المؤرخ في وثيقة جماعية بعنوان “حس الأرشيف في العصر الرقمي”.

أما زميله فريديريك كلافير فلا يأسف “على رائحة المخطوطات” محذرا من التوهم بإمكان الاعتماد التام على التحويل الرقمي. وهو يشير إلى أن الخطر يكمن في نسيان أنه لا يمكن رقمنة كلّ شيء، وفي تجاهل المحفوظات الورقية اللازمة.

علم الاجتماع وقاعدة البيانات

 ظهر في الآونة الأخيرة افتراض أن علم الاجتماع، بما يشمله من نماذج واختبارات، قد عفا عليه الزمن، بعد أن أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي مصدرا ضروريا لباحثين كثيرين في مجال العلوم الاجتماعية نظرا لغناها الهائل بالبيانات. كما أن أخصائيي حفظ المعلومة في العالم الرقمي باتوا يتولون تخزينها بالاستعانة بأدوات محددة.

وأصبح من الممكن لعلم البيانات أن يساعد على الإجابة عن المسائل البحثية في العلوم الاجتماعية.

وعلى سبيل المثال، في الساعات التي أعقبت هجمات باريس في يناير 2015 ضد مجلة “شارلي إيبدو” الساخرة وفي نوفمبر من العام نفسه في قاعة “باتاكلان” للحفلات، جمع المعهد الوطني للقطاع المرئي والمسموع الملايين من التغريدات تعقيبا على الهجمات.

وتمت أرشفة أكثر من 20 مليون تغريدة من المعهد وبدأ باحثون باستخدامها في إطار مشروع خاص بإدارة المؤرخة فاليري شافر لحفظ البيانات المرتبطة بهجمات باريس.

اختبار المعلومة والصورة ممكن ويسير
اختبار المعلومة والصورة ممكن ويسير

ويمكن لشبكة الإنترنت أن تساعد في إيجاد الإجابة على الأسئلة البحثية في العلوم الاجتماعية، لكن بعض الباحثين يرون أن البيانات المتوفرة عبر الإنترنت لا تستطيع تطوير المسائل الاجتماعية حيث لا يمكن أن تحل ارتباطات إحصائية مكان العلاقة السببية. ولأن العلوم الاجتماعية لا تبحث فقط عن ماهية الأشياء بل عن أسبابها أيضا، لذلك، لا غنى عن علماء الاجتماع.

قد يختلف المتخصصون في العلوم الإنسانية في نظرتهم لتقييم المعلومة من الشبكة العنكبوتية، ما بين مؤيد ومعارض، لطريقة اكتساب المعرفة الجديدة، فهناك من يرى أن الإنترنت يسهل عملية الحصول على المعلومات، وآخرون يرون أن الحفاظ على الطرق التقليدية في البحث أدق وأنجح، إلا أن هناك أسبابا عديدة تدفع أصحاب الرأي الثاني إلى التوقف عند الذي اعتادوا عليه في حياتهم العملية والتحول إلى العالم الافتراضي للبحث واستقاء المعلومة.

أصبح مما لا يدعو مجالا للشك في أن التكنولوجيا يمكنها أن تكون خير وسيلة للباحث في توسيع معلوماته، حتى باتت الكثير من الجامعات العالمية تربط بين استخدام الأستاذ الجامعي للإنترنت، وتطور أدائه الجامعي بصورة عامة، وهذا ما يفسر تقدم الجامعات التي تكون أكثر استخداما للإنترنت في إحصائيات المنظمات الدولية، وفي المقابل هذا لا يعني أن الإنترنت ليس لها مساوئ، لكن هذه المساوئ ليست مبررا منطقيا للعزوف عن هذه الوسيلة العلمية المهمة بعد أن فرضت مصادر المعلومات الإلكترونية واستخداماتها نفسها في فترة التسعينات من القرن العشرين واستمرت في التقدم باطراد وثبات في كل مجالات الحياة وبشكل يهم الدراسات العميقة في المجالات الأكاديمية والبحثية والثقافية ونتيجة لذلك شرعت العديد من المكتبات في العالم في تسخير هذه المصادر للاستفادة من تقنياتها الحديثة باعتبار أنه من الصعب عليها توفير كل ما يحتاجه المستفيد من معلومات في الموضوعات المختلفة وبالأشكال واللغات المختلفة دون أن تتعامل مع تقنية المعلومات بجميع أشكالها المتاحة، وقد شهدت العقود الأخيرة تطورات هائلة في تقنيات إنتاج مصادر المعلومات عن طريق قواعد البيانات على شبكة الإنترنت.

20