الإنترنت ملاذ المرأة لطلب الحماية من الاضطهاد

نساء يرفعن أصواتهن في مواجهة التحرش الجنسي على مواقع التواصل الاجتماعي.
الأحد 2019/12/15
نساء يكسرن حاجز الصمت والخوف عبر التكنولوجيا

تأخذ وسائل التكنولوجيا حيزا كبيرا من حياة النساء، فهي العالم الجديد الذي يبحثن فيه عن مكان آمن لكسر صمتهن عما يتعرضن له من انتهاكات ويمارسن فيه هامشا من حريتهن، لم يكن في مقدورهن التمتع به من قبل، لكنهن في حاجة ماسة أيضا إلى قوانين نافذة تمكنهن من التصدي لثقافات ذكورية تشوبها الرغبة في السيطرة على جنس المرأة في العالمين الواقعي والافتراضي.

تونس - ما زال العنف ضد المرأة يمارس في بعض المجتمعات على نطاق واسع ولا توفر القوانين في معظم الأحيان الحماية اللازمة للضحايا، ما دفع البعض من النساء إلى البحث عن مساحات آمنة على منصات التواصل الاجتماعي، لنقل صورة حية للعالم عما يواجهنه من أوقات عصيبة في حياتهن، وما يتعرضن له من انتهاكات جنسية وأسرية، علهن يجدن المساندة، بعد أن عجزت القوانين عن حمايتهن.

وبالرغم من التحذير الذي يطلقه بعض الخبراء، من بيئة مواقع التواصل الاجتماعي التي قد لا تحل مشاكل النساء بقدر ما ستزيد في تأزيمها بسبب ما قد يتعرضن له في العالم الافتراضي من تهديدات وتنمر، إلا أن الأدلة الحديثة تشير إلى أن هذه النوافذ الافتراضية تؤثر على حياة النساء بأشكال مختلفة، ومن الواضح أنها قد تحقق لهن فوائد لا تحصى.

وبينت الدراسات أن هناك فروقا نوعية بين الذكور والإناث في استخدامات التكنولوجيا الرقمية ووسائطها، مما ينعكس على تأثيراتها على المستخدمين وفقا للنوع.

وتصل نسبة استخدام النساء لمواقع التواصل الاجتماعي إلى حوالي 30 في المئة حسب ما أكده مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث “كوثر” بتونس، في دراسة حملت عنوان “المرأة العربية في النقاش الافتراضي: دراسة في تمثلات المرأة في صفحات الميديا التقليدية في الفيسبوك”.

وتقضي 20 في المئة من السعوديات نحو ثماني ساعات يوميا في التجول بين شبكات التواصل الاجتماعي، في حين لا تتجاوز نسبة الرجال في هذا المضمار 12 في المئة، بحسب دراسة أعدتها شركة الأبحاث الدولية “يوغوف” بالتعاون مع شركة فيرجين موبايل السعودية.

أما على موقع إنستغرام فقد أكدت الدراسة أن النساء يشكلن 60 في المئة من المستخدمين في السعودية. وتشكل السعوديات أيضا نسبة 55 في المئة من جمهور تطبيق سناب تشات في المملكة. لكن الدراسة كشفت أيضا أن الجمهور النسائي لا تجذبه وسيلة التواصل الاجتماعي التي لا تعتمد على الدردشة ونشر الصور ومقاطع الفيديو، إذ تجاوز عدد مستخدمي “لينكد إن” عدد المستخدمات بنحو سبع مرات.

وتلجأ معظم السعوديات إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لرفع أصواتهن حول مواضيع مختلفة تتعلق بحقوق النساء والدعوة إلى التصدي للعنف الأسري ضد المرأة، الذي تصدر على الأغلب تغريدات السعوديات.

مقاومة العنف

70 في المئة من النساء يعانين من العنف في حياتهن
70 في المئة من النساء يعانين من العنف في حياتهن

يمكن أن تختلف دوافع استخدام مواقع التواصل من امرأة إلى أخرى، إلا أن حوادث التحرش والعنف الجنسي تظل على رأس قائمة الموضوعات المتكررة التي تشكو منها معظم النساء في أنحاء مختلفة من العالم. وتعد الكتابة عن هذه التجربة القاسية أو نشر تسجيلات فيديو ملاذ الكثيرات لطلب الحماية والتعاطف من الرأي العام العالمي، بعد أن ترسخت في أذهان معظمهن أن أقرب طريق لمواجهة الجناة هو فضحهن على الملأ.

وترجع منظمة الأمم المتحدة سبب مشكلة الاضطهاد والعنف ضد النساء بشكل عام، إلى التمييز ضد المرأة قانونيا وعمليا واستمرار نهج اللامساواة بين الجنسين، ومن بين آثار ذلك إعاقة التقدم في مجالات عدة مثل القضاء على الفقر ومكافحة فيروس نقص المناعة والسلام والأمن. وعرفت بعض الدول خلال السنوات الأخيرة تطورات إيجابية على صعيد القوانين المجرّمة للعنف ضد المرأة، إلا أن ظاهرة معاكسة النساء والاعتداءات الجنسية عليهن لا تزال منتشرة على نطاق واسع.

وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 70 في المئة من النساء يعانين من العنف في حياتهن، وأن مكافحة هذه الظاهرة أمر حتمي وممكن، وأن أبرز تحدّ يواجه جهود إنهاء ظاهرة العنف ضد النساء والفتيات هو نقص التمويل بشكل كبير.

وفي عام 2018 نشر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) أرقاما جديدة عن العنف ضد النساء شدد فيه على أن 137 امرأة يلقين حتفهن يوميا على أيدي أزواجهن أو شركائهن أو أقاربهن عالميا.

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف النساء الـ 87.000 اللاتي قتلن في عام 2017 قتلن بأيدي أولئك الأكثر قربا لهن.

ومن هذا العدد، قتلت 30.000 امرأة تقريبا بأيدي شريك أو زوج، كما قتلت 20.000 بأيدي قريب. كما يقول التقرير الذي أصدرته الهيئة الأممية إن “المنزل هو المكان الأكثر ترجيحا لوقوع جرائم القتل هذه”.

وتعد القارة الأفريقية أسوأ الأماكن التي تواجه فيها مخاطر قتل أكبر بأيدي زوج أو شريك أو قريب، حسب تقرير الأمم المتحدة، فالمعدل فيها يصل إلى 3.1 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة. وكانت آسيا هي القارة التي قتل فيها أكبر عدد من النساء بأيدي شركاء أو أزواج أو أقارب في عام 2017، إذ قتلت فيها نحو 20 ألف امرأة في جرائم من هذا النوع.

كسر حاجز الصمت

معظم السعوديات يلجأن لوسائل التواصل الاجتماعي، لرفع أصواتهن حول مواضيع مختلفة تتعلق بحقوق النساء والدعوة إلى التصدي للعنف الأسري ضد المرأة، الذي تصدر على الأغلب تغريدات السعوديات
معظم السعوديات يلجأن لوسائل التواصل الاجتماعي، لرفع أصواتهن حول مواضيع مختلفة تتعلق بحقوق النساء والدعوة إلى التصدي للعنف الأسري ضد المرأة، الذي تصدر على الأغلب تغريدات السعوديات

وفي الواقع لا يبدو أن هناك جديدا على مستوى الاعتداءات الذكورية التي تتعرض لها النساء، ولكن هذه الاعتداءات لم تكن تطرح للحديث أو النقاش العلني في المجتمعات المحافظة التي تسيطر عليها ثقافة “العيب”، إلا أن العصر الرقمي فتح مجالا جديدا للتصدي للجناة وفضحهم علنا، وطلب الحماية عن طريق البث الحي أو نشر الفيديوهات عن حوادث العنف التي يتعرضن لها. وأعطت حملة “MeToo” أو “أنا أيضا” التي أطلقتها الممثلة الأميركية الشهيرة أليسا ميلانو عام 2017 بعد فضيحة منتج هوليوود الكبير هارفي واينستين الذي واجه اتهامات بالاعتداء والتحرش، دفعا قويا للنساء من كل أنحاء العالم لكسر حاجز الصمت ومشاركة تجاربهن على صفحات التواصل الاجتماعي.

التنمر الإلكتروني

وهذه الحملات المتواصلة ساهمت بدورها في تنامي الوعي النسوي بحقوق المرأة، ما جعل مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل في العديد من المناسبات بالتعليقات الرافضة لانتهاكات الذكورية وتطالب بالمساواة بين الجنسين، بالإضافة إلى تسليط الضوء على المشاكل التي ما زالت تعاني منها النساء في الكثير من المجتمعات.

وخلال السنوات الأخيرة شارك عدد كبير من النساء العربيات قصصهن الشخصية عن حوادث التحرش والعنف الجسدي التي مررن بها على صفحات فيسبوك وتويتر، لكن هذه القصص على الرغم من أهميتها لا تغني عن الحاجة إلى تفعيل قوانين مكافحة العنف ضد المرأة، علاوة على الحاجة الماسة إلى تغيير الثقافة الذكورية التي تنظر إلى المرأة بدونية، وتبرر بشتى الطرق العنف ضدها.

وفي الوقت الذي يبدو فيه الإعلام الاجتماعي محركا قويا في اتجاه الدفاع عن حقوق المرأة والحشد من أجل التعاطي مع قضاياها، وخصوصا في ظل وجود هامش من الحرية لم يكن في مقدور النساء التمتع به من قبل، فإن معظمهن قد يواجهن أنواعا مختلفة من الاعتداءات، بداية من التعليقات اللاذعة التي تنطوي على تحيز ضد جنسهن، مرورا بالتشهير والابتزاز والوصم بالعار، وصولا إلى التهديدات بالقتل. وكثيرا ما يتغاضى الناس، حتى في المجتمعات العصرية، عن حوادث التنمر ضد المرأة ويعتبرونها أحداثا عابرة، إلا أن أبحاثا جديدة أثبتت أن التنمر قد يترك في نفسية المرأة جروحا غائرة لا تندمل بسهولة، وقد يؤثر على حياتها العملية وحتى علاقاتها الاجتماعية.

وكلما قضت المرأة وقتا أطول على الإنترنت، زادت احتمالات تعرضها للتنمر الإلكتروني، الذي لا يقل تأثيرا عن التنمر وجها لوجه، فضلا عن أن النساء اللواتي يتعرضن للتهديدات عبر الإنترنت يكن أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، وتزيد احتمالات إقدامهن على إيذاء أنفسهم والانتحار.

التنمر قد يترك في نفسية المرأة جروحا غائرة لا تندمل بسهولة، وقد يؤثر على حياتها العملية وحتى علاقاتها الاجتماعية

كشفت منظمة العفو الدولية في أحدث إحصائياتها أن ما يقرب من ربع نساء العالم تعرضن للإيذاء عبر شبكة الإنترنت، والكثير منهن شعرن بالتهديد.

وشددت أزمينا دروديا، الباحثة في منظمة العفو الدولية بمجال التكنولوجيا وحقوق الإنسان، على أن الإنترنت يمكن أن تكون مكانا مخيفا وساما بالنسبة إلى النساء. واعتبرت دروديا أن الاعتداء عبر الإنترنت له خطورة خاصة لأن تغريدة واحدة مسيئة بإمكانها أن تصبح وابلا من الكراهية المستهدفة في غضون دقائق. وهذا النوع من الإساءة لا يمثل إلا جزءا من قضية أوسع نطاقا على الإنترنت، تضم طائفة من المشكلات التي لم يتم التوصل إلى حلول لها إلا مؤخرا ولكنها أحدثت ما يشبه الصدمة بين التكنولوجيا التي هي حق للجميع وبين الأعراف القديمة الخاصة بالعار والشرف في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وفي ظل تزايد انتشار التهديدات وتصاعد كراهية النساء على الإنترنت، يرى الكثيرون أنه بات من الضروري تعلم كيفية التعامل مع أصحاب التعليقات المستفزة.

ويجمع البعض من الخبراء على أن أفضل طريقة هي تجاهل ذلك الشخص المتصيد وحرمانه من الاهتمام الذي يلهث وراء الحصول عليه. لكن الأجهزة الرقمية التي تزيد من احتمالات تعرض النساء للتهديدات، قد تمتلك الحل للقضاء على هذه التهديدات. وقد بدأ الخبراء الآن في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لرصد عبارات الإيذاء والمضايقات والتعامل معها.

ومن المفترض أن تستثمر بعض مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير في تقنية التعلم الآلي الذي من شأنه أن يحمي الناس من التغريدات المسيئة. وقد تنجح الآلات في القضاء على التنمر ضد المرأة في العالم السيبراني. لكن الأهم من هذا كله تغيير الثقافة المجتمعية التي تنظر إلى المرأة على أساس أنها مواطنة من الدرجة الثانية.

20