الإنترنت وجه الصغار لعوالم جديدة يعطل فيها الإبداع والخيال

الأربعاء 2014/10/08
التقنية قد تجعل الأطفال مختلفين بعض الشيء في طريقة فهمهم للعالم المحيط بهم

بعيدا عن الأنشطة التقليدية كالقراءة واللعب وقضاء أوقات ممتعة مع الأهل والأصدقاء، يستطيع الطفل الذي يقضي معظم أوقاته مسمّرا أمام شاشات أجهزة التقنية الحديثة التي لا تعد ولا تحصى، لكي يطوّر مهارات عقلية محددة بالتعامل مع البرامج والخيارات التي تقدمها هذه التقنيات، لكنه سيفقد جراء ذلك التركيز، للملكة العقلية الأهم التي يمكنها أن توفر الحماية للعمليات العقلية الأخرى، وتتيح التأقلم مع المتغيرات السريعة لهذا العالم.

مجموعة لا بأس بها من الدراسات الحديثة، أجمعت على أن التأثير السلبي لاستخدام أجهزة التقنية على أطفالنا يعادله تأثير إيجابي أيضا. ولأن أدمغة الصغار ما زالت مرنة وقابلة للتطوير، فإن استخدام التقنية قد يتعدى تأثيره إلى أبعد من طريقة تفكيرهم، فربما يبدو الأمر أشبه بتأثير القراءة على تطور الدماغ. إلى ذلك، يشير نيكولاس كار، الباحث المتخصص في التقنيات، إلى أن ظهور القراءة قد شجع دماغ الإنسان في الماضي على تعزيز ملكة التركيز كما أطلق لخياله العنان، أما استخدام الأجهزة الحديثة، فلابد أن يعزز قدرته الدماغية على تفحّص المعلومات بسرعة وكفاءة، وفقا لأسلوب عمل هذه الأجهزة.

من ناحية أخرى، يعتمد مدى تأثير هذه التقنيات في تطور طرق تفكير الأطفال، خاصة في أعمار مبكرة، على نوع التقنية التي يستخدمونها وكيف ومتى وماهي المساحة الممنوحة لها لتجعلها تتحرك بحرية ضمن مفردات نشاطاتهم اليومية، وبالتالي مدى تعلقهم بها أو ما هي درجة “إدمانهم” عليها. وفي قائمة العمليات العقلية التي يمكن أن تتأثر سلبا أو إيجابا بذلك؛ القدرة على الانتباه، القابلية على تخزين المعلومات، القدرة على صنع القرار، الذاكرة وعمليات التعلم.

وقد درس الدكتور جيم تيلر، أستاذ علم النفس في جامعة سان فرانسيسكو الأميركية، والمتخصص في علم نفس الأعمال والعلاقات الأسرية، تأثير استخدام وسائل التقنية الحديثة في القدرة على الانتباه لدى الأطفال، مشيرا إلى أن الانتباه هو المدخل الرئيس للتفكير بما فيه من تصور، ذاكرة، لغة، تعلم، إبداع، منطق، وحل مشكلات. ويرى أن قدرة الأطفال على تركيز انتباههم، هي اللبنة الأولى لنمو قدراتهم العقلية، فيكون هذا الانتباه انتقائيا، وفق طبيعة البيئة والمهام التي يضطلع بها الإنسان ويطور من خلالها مهارات تساعده في التأقلم مع الحياة.

اختراع الإنترنت وجه الصغار لعوالم مختلفة، حيث يكون تشتيت الانتباه القاعدة، ومحاولة التركيز ضرب من المستحيل

وأشار تيلر إلى أن ملكة الحيوان خير مثال على ذلك؛ فالأسود والنمور تمتلك مهارات التركيز والانتباه البصري التي يتم تطويعها عادة في اصطياد فرائسها، في الوقت الذي تمتلك فيه الغزلان مهارة التركيز السمعي الذي يعزز من قدرتها على الهروب في الوقت المناسب، وهكذا تتطور القدرة على الانتباه بحسب الحاجة إليها، وهذا الأمر ينطبق على بني البشر.

وتحدد معطيات البيئة التي يتعرض لها الصغار، طبيعة المهارات التي يطورونها؛ فالقراءة التي كان ينصب عليها الاهتمام في الماضي، طوّرت ملكات مفيدة لدى الصغار مثل الذاكرة القوية والخيال الجامح، كما أدى ظهور التلفاز إلى تعزيز المحفّزات البصرية لديهم مع انتباه مشتت وحاجة محدودة إلى الخيال.

أما اختراع الإنترنت، فقد وجه الصغار لعوالم مختلفة تماما، حيث يكون تشتيت الانتباه القاعدة، ومحاولة التركيز ضربا من المستحيل، فيما عطّلت الذاكرة تماما، وبالتالي لم تعد هنالك حاجة للخيال.

والتقنية تجعلنا نتعاطى مع المعلومات بطريقة مختلفة عمّا اعتدناه من خلال قراءة الكتب، حيث يشبهها الدكتور نيكولاس كير بالفارق بين رياضة الغوص تحت الماء والتزلج فوق الماء؛ فالغوص كقراءة الكتب، يتيح للمرء التعرف إلى معلومات محددة في مكان هادئ ومحصور بصريا مع مؤثرات بسيطة لا يمكنها أن تعرقل مستوى التركيز وعمق التفكير، أما تصفّح الإنترنت فهو بمثابة التزلج فوق الماء؛ حيث السرعة الفائقة لمرور المعلومات مع وجود مؤثرات غير محدودة وتركيز شبه معدوم.

أثبتت الأبحاث أن قراءة النصوص بمعزل عن المؤثرات التقنية المعززة تطور التفكير وتعزز من قابلية التفكير النقدي وحل المشكلات

من جانب آخر، أثبتت الأبحاث أن قراءة النصوص بمعزل عن المؤثرات التقنية المعززة كمقاطع الفيديو والإعلانات أو ما يسمى بـ”الترابطات التشعبية”، أي القراءة الحرة، تطور التفكير وتعزز من قابليته النقدية وحل المشكلات، إضافة إلى استيعاب أكبر كمية من المفردات والمعاني.

إلا أن دراسات أخرى أثبتت أن تعرض الأطفال لوسائط التقنية الحديثة، قد تكون لها بعض الفائدة، حيث أن بعض ألعاب الفيديو مثلا من شأنها أن تعزز من قدراتهم البصرية المكانية، مثل القدرة على تحديد التفاصيل بين الفوضى وسرعة رد الفعل، في إشارة إلى أن التقنية قد لا تجعل الأطفال أغبياء، كما تقرر بعض الآراء التربوية، إلا أنها تجعلهم- ربما- مختلفين بعض الشيء في طريقة فهمهم للعالم المحيط بهم.

وتشير بعض الدراسات النفسية إلى أن التعرض لكميات كبيرة وغير محددة من المعلومات عن طريق الإنترنت، قد يعيق من قدرة الأطفال على فهم هذه المعلومات بصورة وافية وصحيحة، إلا أن طريقة تحييد هذه المعلومات التي تتيحها سهولة الوصول إليها قد تقود إلى تعزيز قدرات عقلية (ذات مستوى أرفع)؛ فالدماغ الذي لا يستوعب أو (يرفض) استيعاب المعلومات، سيستعيض عن ذلك بالتأمل والتفكير المنطقي وربما يتوصل لحل المشكلات.

21