الإنترنت وسيلة لاستقطاب الجهاديين وفخ للإيقاع بهم

الخميس 2015/04/09
الإنترنت وقود تطرف الشباب

لندن – ظاهرة تجنيد الشباب المسلم للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميا بـ”داعش” معضلة تؤرق السلطات والمجتمعات. فالتنظيم له أسس فكرية يرفضها العالم بأسره لكنه يملك أيضا أذرعا إعلامية قادرة على الولوج إلى أي مجتمع ولكل بيت وأسرة.

في زمن أصبح فيه الإرهاب منتشرا في مختلف أنحاء العالم وأصبح لا يفرّق بين معتنقي أي ديانة ولا طائفة ولا مذهب، لا غرابة أن يكون الشباب وقود التطرف نظرا لكونهم يتميزون بالحماس والاندفاع، وهو ما يجعل استقطابهم من التيارات الراديكالية أمرا يسيرا.

ويشكّل الفضاء الرقمي نقطة التماس الأولى بين الشباب وصناع التطرف، بحيث يتلقى الشباب أفكارا راديكالية من خلال الإنترنت. لكن، في المقابل، يمكن أن تكون شبكات التواصل الاجتماعي أول الخيوط في الكشف عن بداية تبني الشباب للأفكار المتطرفة.

بعض المؤشرات يمكن أن تدلّ على بداية انسياق الشباب نحو التطرف، وقد رصدت صحيفة "الغارديان"، إحدى طالبات الطب، البريطانية لينا مأمون عبدالجابر، عندما نشرت تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر تعلن من خلالها مساندتها لمنفذي الهجوم على الصحيفة الفرنسية “شارلي إيبدو”.

وسبق أن قامت لينا، في شهر أغسطس الماضي، بمشاركة فيديو لأحد الدعاة المتطرفين وهو الفلسطيني-الأميركي أحمد موسى جبريل، وهو رجل دين تلقى محاضراته رواجا بين الجهاديين في أوروبا وأميركا الشمالية.

لينا ليست سوى مثال بسيط على العديد من أبناء جيلها من الشباب ممّن ينساقون وراء مقولات بعض الدعاة التي تحثّ على الجهاد في سوريا، وإن كانت الأنباء تفيد بتوجه لينا وعدد من طلبة الطب البريطانيين من أصل سوداني، لتقديم الدعم الطبي للمصابين في المستشفيات داخل الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم. وكأغلب أبناء جيلها كان حساب لينا على تويتر حافلا بالزهور والطرائف وتعليقات عن حبها لشوكولاته نوتيلا، قبل أن يبدأ حسابها بالكشف عن تحولها باتجاه تبني مقولات راديكالية.

لينا ليست الوحيدة، فالصحيفة تحدثت عن طالبة أخرى تدعى تسنيم حسن، التي غادرت بريطانيا نحو السودان وهي ترتدي بنطلون جينز لتخلعه وترتدي النقاب، ثم تأخذ طريقها نحو الأراضي التي تخضع لسيطرة داعش. وبنفس الطريقة تقريبا، توجهت لينا لمواصلة دراستها في العاصمة السودانية الخرطوم، حيث يوجد بيت جدّتها، ولكنّها في الواقع كانت تسلك طريق التطرّف باتجاه المناطق التي يسيطر عليها داعش. والسودان ليس إلا إحدى المحطات.

هل السودان حاضن للإرهاب

السودان يتبع نظام حكم محافظ، وقد اختار الرئيس عمر حسن البشير تطبيق الشريعة الإسلامية، ويتجسد ذلك على سبيل المثال، في إدانة إحدى الصحفيات في عام 2009 وتدعى لبنى حسين لعدم الاحتشام بعد أن تم سجنها لارتداء سروال في قضية أثارت احتجاجا عالميا وحكم عليها بدفع غرامة مالية أو أنها ستقضي شهرا في السجن. ونجت الصحفية من عقوبة أشد وهي الجلد أربعين جلدة.

شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أول الخيوط في الكشف عن بداية تبني الشباب للأفكار المتطرفة

في عهد البشير استضاف السودان زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في التسعينات وتبنّى نموذجا محافظا من الإسلام السنّي، وهو ما أدى إلى نيل رضا الجماعات المتشددة.

وإبان انتفاضات الربيع العربي، ظهرت هذه الجماعات في السودان في حرم الجامعات دون رقابة من الحكومة التي يقودها الإسلاميون.

ورغم تأكيد الحكومة السودانية على محاربتها للتطرف، إلا أن المعلومات تفيد بتواجد 100 مقاتل سوداني في العراق وسوريا. كما أن إحدى الجماعات السلفية في البلاد أعلنت قبل نحو عام دعمها لتنظيم الدولة الإسلامية.

من المؤكد أن لينا وبعض طلبة الطب الآخرين الذين توجهوا إلى سوريا قد حضروا لقاءات مع أحد الدعاة المتطرفين الذين يزورون الجامعة في إطار محاضرات تنظمها جمعية الحضارة الإسلامية والتي يرى الطلبة أنها ترشدهم إلى الطريقة الصحيحة للصلاة وضرورة لبس الحجاب والنقاب كما توفر لهم دروسا في الفقه في مرحلة أولى.

وفي المرحلة الثانية يبدأ الحديث عن أوضاع المسلمين والمظالم المسلطة عليهم في فلسطين وسوريا وضرورة الجهاد. ويشير تقرير "الغارديان" إلى تجنيد المجموعة على يد محمد فخري، وهو بريطاني من أصول فلسطينية، توجه إلى بريطانيا بعد تخرجه من جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا ومن هناك ذهب إلى سوريا وانضم إلى داعش.

ويقول هاراس رفيق، المدير التنفيذي لمركز أبحاث مؤسسة كويليام، بلندن، إنه بإمكان الفرد أن يتلقى الأفكار المتطرفة عبر الفضاء الإلكتروني لكنه يبقى في حاجة إلى اللقاء المباشر والذي يبدو أن بعض الدعاة أمثال، الشيخ محمد علي الجزولي الذي كان يلقي خطبا يؤيد فيها الدولة الإسلامية، ويدعو فيها الناس إلى ترك المدرجات والذهاب لنيل الشهادة، هو من أوكلت إليه مهمة التأثير المباشر في الطلبة.

هاراس رفيق: "الفرد يتلقى الأفكار المتطرفة عبر الإنترنت لكن اللقاء المباشر ضروري"

تويتر وفيسبوك وتطرف الشباب

يحتوي الفيديو الذي نشرته لينا للداعية أحمد موسى جبريل على أفكار متطرفة وقد أثار حفيظة والديها، وهو ما جعلها تنشر تغريدة تعرب فيها عن استيائها من أن والدتها تصفها أحيانا بكونها "داعشية". لكن اهتماماتها الأخرى بقيت منسجمة مع اهتمامات سنها، وعبّرت مثلا عن استيائها من أقربائها الذين يتحدثون عن الزواج بشكل دائم.

وتختلف الحسابات الأخرى التي تتابعها لينا بين مؤيدة لداعش وأخرى لممثلين كوميديين مثل الكوميدي فرانكي بويل. وفي تصريح لصحيفة "ذي أوبزرفر" قال والد لينا، وهو جراح عظام، إنه سارع بالتوجه إلى الحدود التركية منذ أن علم بغيابها، مؤكدا أنه لم يشك لا هو ولا والدتها بأن ابنتهما تبنت أفكارا متطرفة واعتقدا بأن حسابها على تويتر قد تمت قرصنته وأنها ليست مسؤولة عن التغريدات المتطرفة الواردة فيه.

ويقيم والد لينا حاليا قرب الحدود التركية مع أولياء أمور معظم الشباب الآخرين المفقودين، وأغلبهم من البريطانيين ومن بينهم أيضا مواطن أميركي، وآخر كندي واثنين من السودان. وقال أحد أولياء الأمور، الذي رفض الكشف عن اسمه، إنه لم يقم بمراقبة استخدام أبنائه للإنترنت لأنه يثق فيهم، موضحا أنهم بلغوا سن الرشد لذلك لم يتابع حساباتهم على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

ويتم نشر أفكار راديكالية ومتطرفة بشكل منتظم على صفحة الفيسبوك التابعة لفرع جامعة الخرطوم، بما في ذلك مقتطفات من محاضرات للداعية الأميركي أحمد موسى جبريل (43 عاما) الذي أمر قاضي في ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية بمراقبة جهاز كمبيوتر واستخدامات الإنترنت الخاصة به، والذي يعتبره بعض المسؤولين الفدراليين وإحدى المجموعات التي تدرس نشاطات المتشددين أنه شخصية ملهمة للمقاتلين الأجانب في سوريا.

وتحتوي الصفحة على فيديوهات لرجال دين مثيرين للجدل، بما في ذلك الداعية أنور العولقي المولود في نيو ميكسيكو بأميركا لوالدين يمنيين والذي كان على رأس قائمة المطلوبين لليمن والولايات المتحدة في قضايا الإرهاب، ويصنفه مكتب التحقيقات الفدرالي (أف. بي. آي) على أنه الملهم الروحي لتنظيم القاعدة. وقد قتل العولقي في غارة لطائرة أميركية دون طيار في اليمن في عام 2011.

أحمد موسى جبريل أخطر المصفقين للتطرف
يعتبر الداعية الأميركي أحمد موسى جبريل واحدا من بين أكثر الأصوات المؤثرة في الغربيين الذين ينضمون إلى القتال في سوريا. فجبريل لديه الكثير من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأظهر تقرير عن المقاتلين الأجانب بأن الكثير من البريطانيين الذين انضموا لداعش شاهدوا مقاطع لجبريل على يوتيوب. ورغم أن جبريل ليس عضوا في تنظيم الدولة الإسلامية ولا يعمل في تجنيد المقاتلين لصالحه بشكل علني، إلا أن دراسة أكاديمية أجراها باحثون في كلية “كينج كوليدج” بلندن توصلت إلى أن الوعاظ المتشددين يسخّرون شبكات التواصل الاجتماعي من أجل إلهاب مشاعر الشباب المسلم وتوجيه المسلمين في بريطانيا ودول أوروبية أخرى من أجل الجهاد في سوريا.

ويشير الأكاديميون إلى أن هؤلاء الدعاة أو الوعاظ، وخصوصا منهم أحمد موسى جبريل والأسترالي موسى سيرانونياو، يكونون مجموعة من السلطات الروحية الجديدة التي لديها أكبر نسب متابعة في صفوف الشباب، حيث أنهم استطاعوا تقديم صورة فريدة لعقول المقاتلين الأجانب الغربيين والأوروبيين في سوريا، خاصة أن الداعيين تحديدا يجيدان اللغة الإنكليزية ويقيمان في الغرب. وتقول «الغارديان» إنه على الرغم من عدم وجود دليل يشير إلى أن هذين الشخصين متورطين في تسهيل تدفق المقاتلين الأجانب على سوريا، أو أنهما ينسّقان نشاطهما مع منظمات جهادية، فإنهما يلعبان دور المشجعين على الجهاد.

الإنترنت فخ الجهاديين الجدد

الشبكات الاجتماعية التي تحث على التطرف، هي نفسها من توفر فرصا كبيرة لكشف المرشحين في الوقوع ضحية أفكارهم الجهادية. فقد أفادت دراسة أميركية أعدها معهد “بروكينغز” أن ما لا يقل عن 46 ألف حساب على تويتر مرتبطة بتنظيم داعش حتى نهاية 2014.

وحذرت الدراسة من التوجه إلى الرقابة المعمّمة جدا لهذه الحسابات. وبحسب تحليل معمق للمعطيات الجغرافية للتغريدات (الموقع المُعلن والمنطقة الزمنية)، أظهر أن أغلب المشتركين يقيمون في مناطق تحت سيطرة التنظيم في سوريا والعراق.
حيث أن ثلاثة أرباع الحسابات المؤيدة للتنظيم ناطقة بالعربية و20 بالمئة بالإنكليزية و6 بالمئة بالفرنسية.

ويتبع الحسابات المؤيدة للتنظيم حوالي 1000 مشترك. وأضاف التقرير أن الكثير من نجاح التنظيم على الشبكة الاجتماعية “يمكن نسبته إلى مجموعة صغيرة نسبيا من المستخدمين الناشطين جدا”.

في الثلث الأخير من عام 2014، قام تويتر بتعطيل ما لا يقل عن 1000 حساب.

ومن الممكن أن يكون لاستهداف الحسابات أثر “مدمّر” بالنسبة إلى حضور التنظيم. لكن الخبراء الأمنيين لا ينصحون بهذه المقاربة لأنها قد تؤدي خصوصا إلى “عزل” أنصار تنظيم داعش على تويتر وتدفعهم إلى استخدام منصة إلكترونية مغلقة تؤدي إلى المزيد من التطرف.

كما أن شبكات التواصل الاجتماعي قد تلعب دور المنبّه للوقاية من الانغماس في التطرف، حيث أن بداية متابعة الشباب لحسابات وصفحات تابعة لتنظيمات متطرفة ورجال دين يشجعون على الجهاد قد يمهد الطريق لكشف ميولهم نحو تبني أفكار راديكالية.

وتعد بداية نشر الشباب لتغريدات وتدوينات تناصر أحداثا إرهابية، مثل مناصرة لينا لمنفذي الهجوم على “شارلي إيبدو”، بمثابة قرع ناقوس الخطر لحماية هؤلاء الشباب من التطرف.

صار من الواضح أن محاولة تنظيم الدولة الإسلامية إقامة "خلافة سنية" بوسائل عنيفة اجتذبت الآلاف من المجندين من أوروبا وغيرها.

وتشكل شبكات التواصل الاجتماعي قنبلة موقوتة في كل أسرة وفي كل بيت، بحيث يمكن أن تتسرب من خلالها الأفكار المتطرفة للقصّر والراشدين على حد سواء.

لذا يجب على صناع القرار وعلماء النفس والاجتماع أن يقدموا دراسات تكشف السر الكامن وراء انسياق الشباب وراء التطرف.

فالأبحاث تؤكد أن الغلاة يشتركون في عدة صفات رغم اختلاف المكان والزمان، فجميعهم يتحركون من حيث لا دين ولا شريعة ولا قانون ولا حتّى نظاما، بل هم أناس يعتمدون العنف وإن حاولوا صبغه بألوان فكرية أو ثقافية أو عقائدية.

إنهم أناس ينزعون بطبيعتهم التكوينية نحو الغلو والحدّة والانغلاق. فكثيرا ما يجدون في ميلهم نحو العزلة ظروفا ملائمة وبيئة مناسبة فينمو فيهم التطرّف ويكتسبون مزيدا من التشدد. ولكنّ هذا لا يعني أنّ هناك أشخاصا متطرفين بالفطرة ولكن هناك أناس مؤهلين للنزوع نحو التطرّف والتّعصّب.

وقد يكون عيش الشباب المسلم في عالم غربي لا يتقاسم معه نفس المبادئ سببا في عزلة نفسية استطاعوا أن يتجاوزوها من خلال أفكار تنظيم الدولة التي تدعو إلى "إقامة دولة الخلافة القادرة على أن تتصدى للنوازع الاستعمارية لدى الغرب الطامع في الأراضي الإسلامية الزاخرة بالموارد".

كما يمكن أن يكون مرد ذلك مقولة ما يعرف بـ”صدام الحضارة”، وهو مفهوم ظهر مع عالم الإنسانيات كالفيرو أوبيرغ، والذي عرفه على أنه إحساس نفسي وجسدي بالتوتر والقلق والشعور بالضياع لمن يرحل من المنطقة التي عاش فيها طوال عمره إلى منطقة أو دولة تتميز بعادات وتقاليد وجو مختلف أو مغاير تماما لتلك التي تعوّد عليها.

ولكن البعض، من أبناء العرب لا يصدمهم عريّ المرأة الأوروبية أو تحلّل العلاقات، بقدر ما تصدمهم الحريات والحياة الديمقراطية الغربية.

وقد يؤدي الكم الهائل من الحريات التي لا تفرض أي رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى إقبال الشباب بشكل متزايد على مواقع جهادية تكون المجنّد الأول لهم. في المقابل يمكن أن تشكل شبكات التواصل الاجتماعي جدار الصد الأول في مقاومة الإرهاب إذا ما تم التفطن لبداية ظهور الميول الراديكالية لمستعمليها.

6