الإنجاب في المخيمات.. جيل جديد عالق بين الخيمة والحياة

مخيم الزعتري في الأردن يعد، بحسب موقع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، أكبر مخيم للاجئين في الشرق الأوسط ويقيم فيه حوالي 150 ألف نسمة يشكل الأطفال نصفهم.
السبت 2018/03/31
قليل من الحب وحده لا يكفي

سجل معدل الولادات في ألمانيا ارتفاعا بنسبة 7 في المئة في عام 2016 ليبلغ أعلى مستوى تشهده البلاد منذ 1973 ويرجع ذلك بشكل خاص إلى الأمهات الأجانب في أوج موجة التدفق التاريخي للمهاجرين، وخاصة اللاجئين السوريين.

يشار إلى أن ألمانيا استقبلت في العام 2015 نحو 900 ألف طالب لجوء غالبيتهم من السوريين والعراقيين والأفغان. وقبل سنة من ذلك استقبلت حوالي 200 ألف مهاجر.

وهكذا أنجبت السوريات 18 ألفا و500 طفل في ألمانيا في 2016 مقابل 4800 في 2015 و2300 عام 2014. وأنجبت الأفغانيات 5900 طفل (مقابل 2000 في 2015)، والعراقيات 5500 (مقابل 2800 في السنة السابقة).

وأنجبت التركيات 21 ألفا و800 طفل أي بزيادة 200 طفل عن العام 2015، والأتراك هم أكبر جالية أجنبية في ألمانيا منذ عقود. ومع هذا الارتفاع الكبير أصبحت البلاد ضمن المتوسط الأوروبي لمؤشر الخصوبة بعد سنوات من وجودها في أسفل السلم.

يعيش الملايين من اللاجئين تحت خط الفقر في ظروف إنسانية صعبة غير ملائمة للعيش. وذلك ما جعل أغلبهم يحلم بالسفر إلى بلد أوروبي، أو ينتظر تغير الظروف السياسية والاجتماعية في بلاده، ليتمكن من العودة واستعادة حياته في وطنه؛ ولكن في محطة الانتظار هذه يولد مئات الآلاف من الأطفال محرومين من أبسط حقوق الطفولة

ولولا وصول اللاجئين بأعداد كبرى لكان تعداد الألمان تراجع لأن البلاد سجلت في تلك السنة 188 ألف وفاة أكثر من الولادات.

لقد استطاع هؤلاء اللاجئون أن يحظوا بفرصة حقيقية للحياة لهم ولأبنائهم. لكن ماذا عن أولئك اللاجئين الذين أنجبوا أطفالا فتحوا أعينهم لأول مرة تحت الخيام؟

مع غياب أرقام دقيقة توضح ما إذا كانت الحرب أثرت على معدلات الولادات بين السوريات سلبا أو إيجابا، فمن المؤكد أن أعدادا ليست بقليلة من المواليد السوريين يأتون إلى الحياة يوميا ضمن ظروف في غاية الصعوبة سواء داخل البلاد أو دول اللجوء المجاورة.

فماذا يعني الانجاب في المخيمات: أن المسلمين عموما والعرب بصفة خاصة أمة تحب الحياة أم أنهم أمة “لا تفكر”؟

مخاض عسير

كان كتف الطفل عالقا وبدا واضحا أن الأم قد أنهكها طول ساعات المخاض. لم تكن القابلة عبلة أي معدات أو ما يساعدها في عملها إلا يديها العاريتين. استجمعت كل قوتها واستطاعت أخيرا أن تسحب المولود وتخرجه إلى هذا العالم.

لقد ولد محمد في وحدة الأمومة التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في مخيم دوميز للاجئين في شمال العراق في عام 2013 بعد أيام قليلة من وصول عبلة إلى مخيم دوميز في شمال العراق.

كانت عبلة قد درست وتدربت على التوليد في سوريا وبدأت تعمل كقابلة فور وصولها إلى المخيم فكانت تساعد النساء اللواتي كن يلدن في الخيام لأن أقرب مستشفى يقع على بعد مسافة كبيرة.

تقول عبلة “كان الأمر يصيبني بالتوتر حين تحدث مشاكل أثناء الولادة”. وتتابع عبلة “ليس بمقدوري إلا أن أحاول كل ما في وسعي بما هو متوفر لديّ، وأن أدعو الله أن ينجو الطفل ويخرج سالما إلى هذه الحياة”.

أطلقت منظمة أطباء بلا حدود مشروع الصحة الجنسية والإنجابية ورعاية الحوامل في مخيم دوميز للاجئين في عام 2013، حيث كان يقدم بشكل أساسي خدمات الرعاية ما قبل الولادة وتنظيم الأسرة. وفي عام 2014 تم توسيع المشروع إلى وحدة متكاملة للعناية بالنساء الحوامل مع غرفة توليد تعمل على مدار 24 ساعة، واستشارات في مجال التوليد والأمراض النسائية.

أكملت أطباء بلا حدود المشروع في مخيم دوميز للاجئين في نوفمبر 2017 وسلمت وحدة رعاية الحوامل لمديرية صحة دهوك.

علياء جاد: الحميمية وسيلة الناس للشعور بالحب والأمان بعد ظروف قاسية
علياء جاد: الحميمية وسيلة الناس للشعور بالحب والأمان بعد ظروف قاسية

وللمنظمة حاليا مشاريع في محافظات أربيل وديالى ونينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار وبغداد.

كما تعيش الآلاف من الحوامل السوريات في مخيم الزعتري بالأردن في ظروف قاسية، حيث لا تستطيع غالبيتهن تأمين الضروريات من غذاء ودواء.

ففي مخيم الزعتري بالأردن، الذي يعيش فيه قرابة 150 ألف نسمة، يشكل الأطفال نصفهم، يولد يوميا ما بين 12 و15 طفلا، وقدر مصدر طبي في المخيم عدد السيدات الحوامل بـ2750 امرأة، وذلك في إحصاء أولي لم يعتمد بشكل رسمي بعد.

ويُعتبر مخيم الزعتري بحسب موقع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أكبر مخيم للاجئين في الشرق الأوسط. وأُنشئ المخيم في 29 يوليو 2012 وسط تدفقات ضخمة للاجئين القادمين من سوريا. وبحسب تصريحات صحافية سابقة لمسؤول مشروع الطوارئ والخدمات الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان شبل صهباني، فإن كل ولادة طبيعية لطفل/ طفلة في العيادة النسائية في مخيم الزعتري، تكلف الصندوق حوالي 100 دولار، فيما يبلغ معدل الولادات 160 ولادة كل شهر.

وتقول ريما دياب، رئيسة عيادة الصحة الإنجابية في مخيم الزعتري، إن ”عدد المراجعين يوميا ما بين 100 و120 حالة، من بينهم ما بين 70 و80 من النساء الحوامل.

وفي الأردن، أكثر من 657 ألف لاجئ مسجلون، أغلبهم من السوريين، من بينهم حوالي 165 ألف امرأة في سن الإنجاب، وواحدة من بين عشر حامل.

يذكر أنه على الصعيد العالمي 60 في المئة من وفيات الأمهات سببها الأوضاع الإنسانية المتدهورة خلال الحروب، والكوارث الطبيعية.

وفي لبنان، يضم مخيم شاتيلا للاجئين الذي يقع على بعد بضعة كيلومترات عن وسط مدينة بيروت مركز صحة المرأة الذي تديره أطبّاء بلا حدود منذ سبتمبر 2013، لضمان الحمل الصحي والولادات المأمونة للنساء الأكثر حاجة في شاتيلا والمناطق المجاورة.

ويقول قائمون على المركز إنهم يساعدون على توليد ما معدّله 250 طفلا كل شهر.

وكان تأسيس المخيم في العام 1949 لإيواء اللاجئين الفلسطينيين، إلا أنّ المخيم يستضيف اليوم مجموعة متنوّعة من السكان، تشمل السوريين والفلسطينيين والفلسطينيين العائدين من سوريا وغيرهم من الأقليات ويعيشون جميعهم في ظروف صعبة.

ويعيش سكان شاتيلا والمناطق المجاورة أوضاعا صعبة للغاية، فالمخيم مكتظ بالسكان ويكافح معظم المرضى لسدّ احتياجاتهم الأساسية.

لذا، إن كنت امرأة حاملا كيف يسعك الاستمرار بالعيش والحفاظ على صحة جيّدة في ظل هذه الظروف؟  كما شهدت الأسابيع الأخيرة تزايد التصريحات التركية الرسمية التي تعد بإعادة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم خلال المرحلة المقبلة.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “لا يمكننا الاحتفاظ بـ3.5 مليون لاجئ إلى ما لا نهاية، يمكن لقسم منهم أن يبقى هنا”. وأعلنت اللجنة الفرعية للاجئين التابعة للجنة حقوق الإنسان في البرلمان التركي ولادة نحو 311 ألف طفل سوري تحت وضع لاجئ منذ 2011.

وكان مسح ميداني أجرته وزارة التخطيط العراقية، كشف عن أكثر من 6500 حالة ولادة جديدة في مخيمات النازحين، في الثلاثة أشهر الأولى من عام 2017، وأن مخيمات محافظة الأنبار غرب البلاد، ضمت العدد الأكبر من الولادات، كونها تضم المخيمات الأكثر اكتظاظا بالنازحين.

ويعبر خبراء صراحة عن مخاوفهم مؤكدين أن “الرقم مخيف مستقبليا”، فيما اعتبر آخرون الأرقام “دليل على حب العراقيين للحياة”.

60 في المئة من وفيات الأمهات سببها الأوضاع الإنسانية المتدهورة
60 في المئة من وفيات الأمهات سببها الأوضاع الإنسانية المتدهورة

وتؤدي المعتقدات الدينية التي تحرّم الإجهاض، وتشجع على استمرار المرأة في الإنجاب، طالما أنها تمتلك القدرة الجسدية على ذلك، دورا في ارتفاع معدلات الولادات بين اللاجئين السوريين.

وهناك الكثير من النساء لا يستخدمن موانع الحمل؛ لاعتقادهن بأن استخدامها يتعارض مع المعتقد الديني، إضافة إلى جهل الكثيرين بمسألة التفريق بين التحديد والتنظيم؛ وقد أدّى هذا الأمر دورا بارزا في ازدياد أعداد المواليد، حيث قلّما نجد أسرة سورية، في تركيا أو أي دولة أخرى من دول اللجوء، عدد أفرادها أقل من ستة أشخاص.

تقول هند، امرأة لبنانية تحدثت لـ”العرب”، “لا أعرف لماذا يصرون على ولادة أطفال جدد وهم ما زالوا في مخيمات النزوح والعوز؟ يحتاج الأطفال إلى بيئة مناسبة لكي يعيشوا بطريقة سليمة”.

وتضيف “فقط لو يكفوا عن الإنجاب في المخيم. فقط لو يكفوا عن الإنجاب إلى أن تكفّ الحرب عن السعير. الحرية تبدأ حين تعرف المرأة والرجل وظائف الأعضاء الجنسية ودور الأم والأب في تأمين البيئة البشرية للمواليد الجدد. جريمة بحق الطفولة والبشرية أن تكون الأم حاملا في المخيم، وطفلها الأصغر عمره 8 أشهر فقط”.

ويعتبر أمين (29 سنة موظف) “كلما ازداد الجهل، تمحورت أفعال الإنسان حول وظائفه البيولوجية دون تخطيط ولا ترشيد ولا تفكير بالمستقبل”. ويضيف “قلت يوما لرجل صومالي  ماذا لا تنظمون الإنجاب كونكم لاجئين في اليمن؟ رد علي وهو يبتسم “عشان نعود للصومال ومعنا كم كبير من التخلف”. وتابع “برأيي هذا يلخص كل القصة”.

وتشرح علياء جاد، الطبيبة المصرية الهولندية، “أظن أن أهم سبب لازدياد نسبة المواليد في مخيمات اللاجئين هو أن العلاقات الحميمة وسيلة الناس للشعور بالحب والأمان بعد ظروف شديدة القسوة، كما أنها تثبت لهم أن الأمل مستمر في حياتهم، فالطفل الجديد يجلب لأهله أملا في حياة جديدة”.

وتضيف في تصريحات لـ”العرب”، “طبعا عدم وجود أي وسيلة للتسلية حيث يعيشون في ظروف المخيمات له دوره أيضا في جعل الناس يقتلون الوقت بممارسة الحميمية. بالإضافة إلى ذلك كله، فإن عدم توفر وسائل منع الحمل ونقص الوعي الصحي لدى اللاجئين يجعلان من حدوث الحمل بنية أو دون نية، ظاهرة منتشرة بصورة أكبر”.

وتؤكد أن انفجار الولادات أمر طبيعي لأن اللاجئين “في أقصى حالات اللخبطة العقلية لا يستطيعون التفكير بالمنطق بسبب ما عاشوه في مناطق النزاع”.

وتشبه جاد ما يحصل في أوساط اللاجئين بما حصل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ زاد عدد المواليد بصورة كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، حيث أطلق عليهم جيل Baby Boomers أو جيل طفرة الإنجاب. وتؤكد “قد تختلف الأسباب في حالة مخيمات اللاجئين، إلا أن جميع الحروب عبر التاريخ شهدت زيادة في عدد المواليد بعد انتهائها (كما نرى في الحالة العراقية مثلا)”. وإجابة عن سؤال إذا ما كانت زيادة عدد المواليد في معسكرات لاجئي الحروب ظاهرة طبيعية وهل هي جيدة أم سيئة؟ تؤكد أنها “نتيجة طبيعية ومتكررة، وكونها جيدة أو سيئة فذلك يعتمد بالضرورة على توافر الموارد وفرص العمل، بالمقارنة بعدد السكان”.

جاهل فقير دون هوية

ينمو جيل من أطفال اللاجئين السوريين من دون هوية ولا تعليم. بموجب القانون الدولي يعد تسجيل المواليد حقا لكل الأطفال، فبالإضافة إلى أن تسجيل المواليد يثبت الهوية القانونية للطفل يعد أيضا إثباتا للعمر، وما له من أهمية لكفالة التمتع بالحقوق وتوفير كافة صور الحماية له. لكن لا يتم تسجيل أغلبية المواليد لأسباب متعددة بسبب معوقات كثيرة في بلدان اللجوء.

وقد أظهرت دراسة جديدة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي أن اللاجئين السوريين في البلدان العربية المجاورة لبلادهم هم أكثر ضعفا من أي وقت مضى، نظرا إلى أن أكثر من نصفهم يعيشون في فقر مدقع وأكثر من ثلاثة أرباعهم يعيشون تحت خط الفقر.

وتتضاعف وطأة المعاناة والخراب اللذين تعرّض إليهما هؤلاء الأطفال، من جرّاء فقدان فرص الحصول على التعليم، ولا سيما أن حوالي 2.8 مليون طفل سوري هم الآن خارج المدرسة.

ويقول أحد مسؤولي الحماية في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) “إذا لم نبادر الآن بإنقاذ هؤلاء الأطفال، فلن يفقدوا قيمهم وحسب، بل سيفقدون الأمل أيضا”.

نتيجة لذلك، أصبحت عمالة الأطفال السوريين شائعة الآن في لبنان، مع أنها غير مشروعة. فقد اضطر الأطفال إلى التخلّي عن التعليم والانضمام إلى القوى العاملة لإعالة أسرهم، ناهيك عن أن حوالي ثلث الأطفال السوريين اللاجئين المنخرطين في سوق العمل هم دون سن الرابعة عشرة، وبعضهم لا تزيد أعمارهم عن ستة أعوام. ويعمل غالبيتهم في الاقتصاد غير الرسمي.

ترتدي عمالة الأطفال أشكالا مختلفة في المدن الكبيرة، حيث يتسوّل الكثيرون في الشوارع، ما يجعلهم عرضة إلى الاستغلال والتحرّش. ويشمل ذلك المشاركة في أنشطة غير مشروعة مثل الاتجار بالمخدّرات والدعارة، ويفسح المجال لاحتمال تجنيدهم من جانب مجموعات متطرّفة.

لاشك أن لهذا النقص في تعليم الأطفال اللاجئين تداعيات كارثية على مستقبلهم.

20