الإنجليزي الذي صعد إلى التل

الحضارات لا تُترجم حرفيا، بل تُنقل روحها الحقيقية إلى جسد الثقافات الأخرى بنزاهة، لا بسخرية واستكبار.
الجمعة 2021/03/26
عندما تكون لترجمة الأسماء أهداف أخرى

تأخرتُ بمشاهدة تحفة سينمائية أنتجتها بريطانيا في التسعينات، وذلك هو سرّ السينما، أنك يمكن دوما أن تعثر على كنوزها الدفينة، وكأنك تبدأ للتو بالتعرّف إلى هذا الفن العظيم.

الإنجليزي الذي صعد إلى التل لكنه نزل من الجبل” هذا اسم عائلة الطفل، بطل الفيلم، وهو عنوانه أيضا، أما لماذا كان اسم البطل هكذا، فلأن جدّه استحق هذا الاسم بجدارة. يسأل الطفل جدّه عن سر اسمه، فيروي له كيف أن الجد كان طبوغرافيا، وكان في مهمّة لرسم خرائط إمارة ويلز، حين وصل إلى قرية صغيرة تعتز بجبل صغير تعيش في ظلاله. فصعد إلى الجبل وقام بقياس ارتفاعه، ثم نزل وأخبر الأهالي أن هذا ليس جبلا لأنه أقل من ألف قدم، وفي معايير المملكة المتحدة آنذاك لا يكون الجبل جبلا إن لم يكن بذاك العلو فما فوق. فإن كان أقل سيتم اعتباره تلّا.

حزنَ أهالي القرية، ورفضوا أن يتم سلبهم جبلهم. فتوصلوا إلى حل؛ يجب التعاون من أجل رفع منسوب التل ليصبح جبلا، وهكذا أخذوا يجمعون التراب بالدلاء والعربات كبارا وصغارا، ولن أكمل بقية القصة كي لا أفسد متعة مشاهدتها عليكم.

الفكرة أن اسم البطل “الإنجليزي الذي صعد إلى التل لكنه نزل من الجبل” الذي لعب دوره هيو غرانت هو اسم عجيب. لأنه يتضمن حكاية. وغرابته نشعر بمثلها حين نتذكر أسماء الهنود الحمر. تجد بينهم من اسمه “الأنف المعقوف عند ظهور القمر” أو “منقار النسر الذي باضت أنثاه على شجرة الصنوبر الشرقية” وغيرها.

لم ننتبه إلى أن اللعبة تعود إلى من صدّروا لنا تلك الأسماء عبر قصص الغرب وأفلام الكاوبوي، أولئك الذين تعاملوا بفوقية مع السكان الأصليين لأميركا، فقاموا بترجمة أسمائهم، حتى تبدو غريبة، وكي يظهر أصحابها غير طبيعيين، برابرة وغير متحضرين. ما سيبرّر التخلّص منهم لاحقا.

لم يفعل البيض ذلك مع أسمائهم. ولو أنهم فعلوا لرأينا قواميس من الأسماء الطريفة الأكثر غرابة من أسماء أبناء “الشيروكي” التي تعني “البشر الذين يسكنون الجبال” و”الأباتشي” التي تعني “البشر الذين يسكنون السماء”. ولو ترجم جورج بوش اسمه لكان “العامل العالق في كومة شوك”، ولو ترجم نائبه ديك تشيني اسمه الأول لوقعت فضيحة.

تعالوا نترجم أسماءنا لنرى العجب. اسم سمير، مثلا، سيعني “الرجل الذي يتحدث في ظلام الليل”، وبلال يعني “الرجل المنقوع بالماء”، أما عبدالفتاح فسيكون “المملوك المخلص لمن يفتح له” واسم مها سيعني “البقرة الوحشية ذات العينين الكبيرتين”.

الحضارات لا تُترجم حرفيا، بل تُنقل روحها الحقيقية إلى جسد الثقافات الأخرى بنزاهة، لا بسخرية واستكبار.

24