الإنسانية كونية أو لا تكون

فرنسيس وولف يرى في كتابه الجديد "دفاعا عن الكَوني" أن الكونية لا يمكن أن تبنى على رؤية طبيعية لضمان كونيّتها.
الخميس 2019/10/24
فرنسيس وولف: كل البشر متساوون في القيمة

الحديث عن الإنسانية في المطلق شيء، وحضورها في الواقع شيء آخر، فما من شعب لا يحس أن البشرية واحدة، ذات مصير واحد، ولكنه غالبا ما يسبق على تلك الكونية مصالحه، فيفضل الانطواء على نفسه استئثارا بخيراته، وصونا لهويته. هنا قراءة لكتاب جديد للمفكر الفرنسي فرنسيس وولف يعالج بعمق هذه المسألة.

بعد كتاب “إنسانيتنا، من أرسطو إلى علوم الخلايا العصبية” الذي اقترح فيه تاريخا نقديا للمصطلحات الفلسفية عبر أربع مراحل كبرى تحتوي كل منها على وجهٍ علمي وقفًا أخلاقي، ثم كتاب ثان عنوانه “ثلاث طوباويات معاصرة”، هي “ما بعد الأنسنة”، وما قبل الأنسنة أي النزعة الحيوانية، وما فوق الأنسنة أو “الكوسموبوليتية”، القادرة وحدها على جعل الإنسانية قيمة مطلقة، صدر كتاب جديد للفيلسوف الفرنسي فرنسيس وولف بعنوان “دفاعا عن الكَوني”، كآخر جزء لثلاثيته حول الإنسانية.

هذا الكتاب يكمّل ما بدأه وولف في الجزأين السابقين، ويقوم على ثلاث فرضيات: الأولى أن الإنسانية هي مجموعة إيثيقة؛ والثانية أنها تمتلك قيمة في ذاتها، هي مصدر كل القيم؛ والثالثة أن كل البشر متساوون من حيث القيمة. ما يعني أن للكائن البشري حرمة، وأن الأعمال البشرية من تاريخ ومعارف وتقنيات وفنون جديرة بالاحترام. هذه الأفكار عن الإنسانية والأنسنة مرتبطة بأفكار أخرى عن العقل والعلم والمساواة والأخلاق والفلسفة، وعمّا يوحدها جميعا أي الكونيّ.

بيد أن هذه الأفكار تمر اليوم بأزمة، فمن المفارقات العجيبة أن الناس واعون اليوم أكثر من أي وقت مضى بأنهم يشكلون إنسانية واحدة، لا سيما بعد تطور وسائل النقل والاتصال وانتشار الإنترنت التي ألغت المسافات، وجعلت سكان المعمورة يشعرون بأن مصيرهم واحد، وأنهم يواجهون المخاطر نفسها حيثما كانوا، ولكنهم في الوقت نفسه يميلون إلى الانطواء داخل قومية وهويات ضيقة، ويمارسون التشدد الديني ويكرسون معاداة الأجانب، أي أنهم يدركون أنهم من طينة واحدة، ويفضّلون رغم ذلك العيش مع أمثالهم دون سواهم، ولو باستنباط اختلافات متجددة، وهويات لا حصر لها.

يفسر وولف هذه المفارقة بأن الشعوب والمجتمعات والجماعات إذ تحس بأنها خاضعة لضغط تاريخي للإنسانية المعولمة تسعى إلى تحديد نفسها باختلافاتها الصغرى، أي أنها تخشى أن تتحلل في كليانية مقولبة تلتصق بمن هم أقرب إليها ثقافيا وحضاريا وتاريخيا. ولكن لئن صح هذا الرأي على العولمة الاقتصادية والثقافية، فإنه لا ينطبق على أزمة الأخلاق الإنسانية، لأن هذه الكونية الأخلاقية يمكن أن تكون خير ضمان للتنوع الثقافي، مثلما كانت العلمانية ضمانة لظروف الحرية الدينية. ما يعني أن الأزمة الأخلاقية أعمق بكثير.

تكملة لما بدأه وولف في الجزأين السابقين
تكملة لما بدأه وولف في الجزأين السابقين

لو قلّبنا النظر ناحية اليمين أو اليسار لألفينا عودة النقد القديم الذي يقول إن الكونيّ في النهاية ليس سوى حق الأقوى، فيسوَّى حينا بالبطريركية (كل الرجال ولكن ليس كل النساء) وحينا بالعرق الأبيض (كل البشر ولكن البيض وحدهم والذكور تحديدا)، وحينا آخر بالمركزية الأوروبية (كل البشر، من الغربيين دون غيرهم) أو المركزية الأنثروبولوجية (البشر، من دون الحيوانات)، أي أن الكونيّ حسب هذا الزعم يهمل الخصوصيات والاختلافات والقوميات والثقافات والإثنيات وديانات المستضعفين وحتى العرقيات التي عادت هي أيضا إلى العودة بشراسة.

وفي رأي وولف أن ضعف مفهوم الإنسانية أبستيمولوجي بالدرجة الأولى، فتحديد الكائن البشري يبدو مهددا بتعميم المناهج والنظريات الطبيعية في العلوم الإنسانية، مثلما تبدو حدود الإنسانية مع الروبوتات والحيوانات فضفاضة، يوهم دعاتها أن اختلاف الإنسان معها هو اختلاف بالدرجة لا بالنوع، وكأنهم يريدون فرض فكرة التواصل بين الإنسان والآلة، متجاهلين أن الآلة مهما اتسمت بالذكاء لا يمكن أن تعبر عن مظاهر الوعي.

والحقيقة أن أوجه الضعف تلك، سواء أكانت سياسية أو أخلاقية أو فلسفية أو علمية، تشكل في موقفها من الإنسانية أعراض مرض عميق، حتى لكأن الكوني، وكذلك الأنسنة، فقدا كل مبرر تاريخي. ففي عصر الأنوار، كان لإعلان حقوق الإنسان والمواطن جانبُ أيديولوجيا فرديةٍ عن حقوق ذاتية خاصة بأوروبا والولايات المتحدة في القرن الثامن عشر، وجانبُ مشروعٍ كونيّ عن تفتح الإنسانية عبر اكتساب الحريات الفردية. غير أن تلك الحقوق لا تستند إلى واقع عينيّ، كأن نلاحظ أن البشر يولدون ويظلون أحرارا ومتساوين (حتى في الحقوق) لأن ما نشهده هو العكس، فهم يولدون ويبقون غير متساوين في الواقع وفي الحقوق. والحقيقة أن تلك الإعلانات كان يراد منها خلق مجموعة قادرة على تحقيق تلك المساواة في الحقوق، ولكن كان لا بد من أساس لتحقيق تلك المساواة. ففي القرن الثامن عشر، كان الدور منوطا في البداية بالذات العليا، خالق كل البشر، كما ورد في إعلان استقلال الولايات المتحدة عام 1776، ثم تلته الطبيعة كما جاء في إعلان 1789، الذي حدّد “الحقوق الطبيعية والمقدسة والتي لا تقبل التنازل”، ما يعني أن كل البشر متساوون بالطبيعة، والحال أن الواقع عكس ذلك. هاتان الفكرتان، فكرة ذات عليا عليمة وفكرة طبيعة مساوية صارتا هشتين في عصر ما بعد الحداثة. فالذين خرجوا من الدين لا يؤمنون لا بهذه ولا بتلك، والذين لم يخرجوا منه يميلون إلى اعتبار الرب ضمانا لخصوصيتهم، شاهدهم على ذلك الحقيقة المطلقة للنصوص المقدسة التي يلتزمون بتعاليمها. وفي رأي الكاتب أن ذلك هو ما حدا بمنظمة الأمم المتحدة إلى عدم الأخذ بالفكرتين في إعلان 1948، ما حرم رغبتها المشروعة في إرساء الكونية من أساس يضمنها، ومن مصدر مسلح بقوة بالقانون لفرضها، إذ ظل الإعلان خاضعا لتطور العلاقات الدولية وهشاشة النظام القانوني المنبثق عنها.

ومن ثَمّ يرى وولف أن الكونية لا يمكن أن تبنى على رؤية طبيعية، ولا بدّ من تسليح الأنسنة بقاعدة فلسفية، عقلانية صرف، حتى تضمن كونيّتها، وهو ما ينهض به هذا الكتاب. ويتلخص مسعاه في أربع مراحل: الأولى أن خصوصية الجنس البشري ووحدته لا تقومان على اللغة بل على الحوار، حتى عن لا شيء. والثانية إقرار إيثيقا المساواة والمعاملة بالمثل، ما يسمح بصياغة “نحن” إنسانية وكونية. والثالثة الإيمان بأن الكونيّ هو أفضل سبيل من نسبوية القيم أو الانطواء الهووي للمحافظة على التنوع الذي يجعلنا نعيش ونتحاور. والرابعة الدعوة إلى أنسنة كوسموبوليتية تقوم على إيثيقا المساواة وسياسة الاختلافات. وبذلك ننقذ المتعدد داخل ذواتنا وخارجها.

15