الإنسانية والسلام في مزايدات الإسرائيليين

الخميس 2015/03/19

قادة إسرائيل جعلوا فكرة السلام استهلاكية وغير ذات جدوى في السياق الواقعي، وحين ننظر في مجريات العملية الانتخابية الأخيرة، نجد ذلك السلام مزايدة براغماتية يمكن أن تلعب دورا كبيرا في انتصار المنتصر، إذا أحسن الابتعاد عنها بالقدر الذي يعكس مضمون الرأي العام الإسرائيلي، ما يجعلنا أمام حقيقة نهائية، وهي أن السلام بالنسبة إلى إسرائيل يعني سلامها وأمنها داخل الحدود التي تحددها، دون اعتبار للخط الأخضر أو مترتبات أوسلو ومدريد.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته وزعيم حزب الليكود ينتصر مجددا لرهانه على تحقيق السلام حسب الرؤية الإسرائيلية، وتلك الرؤية تفترض أصالة عدم وجود شريك فلسطيني أو عربي في هذه العملية، ما يجعله يفتح الباب لتحقيق السلام كيفما يراه وحسب وجهة النظر الإسرائيلية، بغض النظر عن أي استحقاقات فلسطينية، وطالما أنه انتصر فهو ملزم انتخابيا ببرنامجه غير السلمي، أو الذي يعكس عقيدة إقصائية لا تقيم وزنا للعرب.

في معادلة السلام حينما يتم التعامل مع الحقائق بالتسويف أو التدليس فإننا لا نحصل على نتائج واقعية، وإنما تؤسس لأخطاء معقدة تبدأ وتنتهي بالإنسان، وانتصار نتنياهو في عمقه العقدي والجماهيري يفتقد لإرادة السلام التي تحفظ للإنسان حقوقه كاملة، وذلك لن ولم يحدث لأن الاستيطان يعمل على تآكل الأرض الفلسطينية عاما بعد آخر، وهو سلوك عدائي يجهض الحقوق الفلسطينية تماما، ويضعنا في دوامة الصراع بصورة متجددة.

حينما أطلق الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، مبادرة السلام العربية في قمة بيروت، كان ذلك أفضل مشروع سلام يمكن أن يدعم أي جهود دولية لتحقيق السلام في الأرض المحتلة ولإسرائيل، ولكن تعنّت وتجاهل الإسرائيليين أبعدا المبادرة عن خيارات الواقع، ولذلك انتهينا إلى المزيد من اعتقال الفلسطينيين في وطنهم وأرضهم، وقتلهم ومصادرة أراضيهم والزحف باتجاه مزيد من البلدات العربية.

إلى هنا نحصل على وضع أممي سلبي للغاية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، لأن السلوك الإسرائيلي العدائي يقدم منهجا مضادا لكل الأعراف والأخلاقيات الإنسانية، بذلك نحصل على أسوأ المناهج الحقوقية التي تضعف الآمال بتطوير أدوات حقوق الإنسان، حيث نحصل على سوابق تعبر دون عقاب أو تغيير للأفضل أو إعادة لمسار القواعد الأممية، وكلما بقيت هناك استثناءات حقوقية تتمتع بها إسرائيل يضعف المنهج الإنساني في تأسيس منظومة حقوقية معيارية ملزمة لكل الشعوب والحكومات.

لا قيمة لديمقراطية إسرائيل دون سلام حقيقي، أو احترام لحقوق الإنسان دون تأويلات وتبريرات غير منطقية، وبقاء الوضع في الأراضي المحتلة على هذا الحال الإنساني الرديء يعطينا نموذجا حقوقيا سيّئا يعوق أي جهود لحصار الانفلاتات التي تحدث في بقية مجتمعات العالم، فإسرائيل تمارس انتهاكات متكررة وجسيمة بحق الفلسطينيين، وتتجه حاليا إلى مصادرة القدس الشرقية وذلك تطوير لعدائها الإنساني، بما يتطلب إيقافا لهذا الأداء الحكومي الإسرائيلي التخريبي.

احترام حقوق الإنسان ليس عملا استعراضيا أو انتقائيا وإنما هو التزام صادق بكل القواعد والضوابط، ولا تزال هناك فرصة لأي حكومة إسرائيلية للوصول إلى سلام مع العرب من خلال إعادة فتح المبادرة العربية والتعاطي الإيجابي معها، وليسـت إسرائيل بحـاجة إلى استعداء العرب بعد تقديم هذا الطرح الذي يبقيها دولة معتـرف بها، لها حقوق وعليها واجبات، وينبغي أن تكون شريكا في السلام بدلا من إنكار كل شريك لرفضه سياساتها التوسعية وتعسفها في إجراءاتها الاستحواذية على الإنسان والأرض، وقبل كل ذلك من الضروري أن تتوقف المزايدات الانتخابية حول السلام لأنه من لوازم الذات الإنسانية، ويجب على الإسرائيليين أن يبحثوا عنه بداخلهم ليتأهلوا لأن يكونوا شركاء فيه، لأن العرب قالوا كلمتهم، ولكن إسرائيل لم تقل لأنه يبدو صعبا على زعيم إسرائيلي أن يقدم نفسه كشريك سلمي أو صانع سلام.

كاتبة سعودية

8