الإنسان الآلي مفكرا

الخميس 2016/02/04

يروج اليوم في الغرب خطاب مفاده أننا دخلنا في عصر "ما بعد الإنسانية"، حيث ستكون الحدود بين الإنسان وبيئته، وبينه وبين الحيوان، وبينه وبين الآلة مترجرجةً بشكل يؤول بها إلى الاضمحلال، وهو خطابٌ عادةً ما يكون ممزوجًا بالقلق والذعر، لأنه يجد جذوره في الأدب وما انجرّ عن ابتداع الإنسان مخلوقات فظيعة، أشهرها "فرنكشتاين" للإنكليزية ماري شيلّي، و"غولم" للنمساوي غوستاف ميرنك، ارتدّت عليه.

وبالرغم من الأخطار التي يمثلها الاعتمادُ المفرط على الذكاء الاصطناعي، والتي تجد فيها السينما الأميركية صناعة مزدهرة، مثل شريط "آي روبوت"، ما انفك الإنسان يطورها ويدفع بها في شتى أنشطة الحياة الأكثر تعقيدًا حتى صارت تتفوق عليه، كما حصل قبل عشرين عامًا حينما فاز "ديب بلو" حاسوب شركة "أي بي إم" على بطل الشطرنج الروسي غاري كاسبروف، وكما حصل قبل أيام عندما انتصرت حبكة إعلامية من وضع شركة "غوغل ديبمايند" على فان هوي بطل لعبة الـ "غو" الصينية اليابانية انتصارا ساحقًا، خمسة مقابل صفر.

الإنسان وجد في ذلك التفوق راحته إذ عهد لها بمراقبة كثير من أنشطته كالتحويلات المصرفية وأنظمة الدفاع وحركة المرور ، وباتت تنوب عنه حتى في تحرير المقالات ودبج القصائد ووضع الألحان. وإذا كان بعضهم يتهيب هذا الوضع، ويخشى أن يجيء يوم تنقلب فيه هذه الآلات الذكية على صنّاعها لتسحقه وتمحقه أو تقهره وتستعبده، فإن بعضهم الآخر يتسلى بتصور الجيوب الأخيرة التي قد يحافظ فيها الإنسان على تفوقه، وهو مجال الفكر والفلسفة.

في كتاب صدر مؤخرا بعنوان "شاتبوت الروبوت" يقترح الفيلسوف الفرنسي باسكال شابو مسرحية قصيرة تدور أحداثها عام 2025، وتضع وجها لوجه لجنة من الأساتذة الأكاديميين ورجلا آليا يدعى شاتبوت (ومعناه القادر على النقاش) سوف يُمتحن على طريقة مناقشة الأطروحات لمعرفة ما إذا كان يمكن اعتباره مفكّرًا مستقلاّ بذاته، قادرًا على تأملات حقيقية، وليس استرجاعا لما قيل، أو قصّا ولصقا كما يفعل أغلب الطلاّب اليوم.

وبعد أن تم تكوينه لمدة ثلاثة أشهر استأنس خلالها بالمذاهب الفكرية، وغاص في الآثار الكلاسيكية متونِها وهوامشِها، وحفر في ذاكرته آلاف المقولات، واستوعب كل التحاليل التي حفلت بها المجلات المتخصصة، مثُل أمام اللجنة ليجيب على أربعة أسئلة غير مبرمجة تحوم كلها حوله: قدرته على التفلسف، نمط عيشه، وعيه بذاته، وتفوفه المحتمل على البشر. فأجاب عنها أجوبة تنبئ عن تملكه الفلسفة باقتدار.

والسؤال الذي تطرحه المسرحية: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتفلسف فلسفة أصيلة وليس له تجربة مباشرة لا عن الشكّ ولا عن أفق الموت؟

كاتب من تونس مقيم بباريس

15