الإنسان العربي وأدبيات الحاكمية الجديدة

السبت 2015/02/14

تعود بدايات نشوء حركة حقوق الإنسان في المنطقة العربية وميلاد الجيل الأول من الحركة الحقوقية إلى بداية السبعينات من القرن العشرين، لكن نشاط حقوق الإنسان ظل محظورا أو شبه محظور في غالبية بلدان المنطقة إلى وقت ليس ببعيد، ورغم أن هذه الحركة حققت منجزات ملموسة وأثبتت عدم إمكانية الاستغناء عنها وعن دورها، وجسّدت القيم التي تدافع عنها وأهميتها على طريق التنمية المستدامة وانتشال الشعوب من براثن التخلف والفقر ومواجهة كل أشكال العسف والعنف، إلا أنها دون شك مازالت وليدة ويلزمها الكثير من المقومات الضرورية لاستكمال صيرورة تطورها.

خلال السنوات الأربع الماضية، تقدمت حركة حقوق الإنسان إلى صدارة المشهد، بالتوازي مع بروز نخب سياسية جديدة، وكان لها تأثير في السياسات المتبعة خلال هذه التحولات، وتمكنت في بعض الأحيان من ترسيخ حقوق الإنسان في بنية النظام السياسي الجديد، وساهمت في تطوير التشريعات ورفع القيود عن الحريات، مثلما كان للإعلام دور هام، لا فقط في نشر لغة حقوق الإنسان وخلق مجتمعات قادرة على الدفاع عن هذه الحقوق، وإنما أيضا في حماية الجمعيات الأهلية بالتعريف بقضاياها ومبادراتها.

أحيانا أخرى فشلت جمعيات المجتمع المدني والنخب السياسية الجديدة في إدارة مرحلة الانتقال على أساس توافقي، ولم تؤجّل التنافس أو تُرحّل الأطماع السياسية، مما أضاع عليها وعلى مجتمعاتها فرصا هامة، فالبنية المؤسساتية لها لا تعاني من ضعف بناء فقط، بل تحتاج إلى بنية إدارية ديمقراطية لممارسة عملها، والجيل الجديد الذي يُفترض أنه جيل دفاع عن الحقوق، تحول في بعض البلدان التي تعاني أزمات سياسية إلى جيل خيري وإغاثي.

بالمقابل، برز من بعض النخب السياسية سوء توظيف لخطاب حقوق الإنسان أدى إلى تراجع هذا الأخير، وبالخصوص مع فشل هذه النخب في نيل ثقة الرأي العام، خاصة عندما استسلمت لأنظمة قائمة لتوليد أيديولوجياتها وسياساتها، بما عزز إمساك هذه الأنظمة بناصية الحكم من منطلق الشرعية والتمثيلية، وهذه النخب نهلت من نفس الثقافة السائدة وحملت سمات تخلف المجتمعات التي نشأت فيها، مما جعل منها نخبا غير قادرة على الفعل الذي يطور المجتمع.

في نفس الوقت، أدى غياب الاستراتيجيات الوطنية والإرادات الحكومية لتمويل المجتمع المدني في المنطقة العربية ببعض المنظمات إلى الارتهان لأجندات خارجية عبر بحثها عن التمويل، مقابل قلة رغبت أو تمكّنت من الاعتماد على مصادرها الخاصة وتمويلها الذاتي لتحافظ على حريتها واستقلالية أدائها، وفي مناسبات أخرى كان هذا الأمر مدخلا أحيانا للإثراء السريع. إشكالية التمويل الخارجي حملت أخطارا، فمن خلالها نُفِّذَت سياسات دولية لاستهداف المجتمعات، أدوات هذه السياسات في الغالب منظمات دولية مشهورة واجهاتها تختلف عن مضامينها.

غالبية حركات حقوق الإنسان العربية، لا تأخذ موقفا حاسما من ممارسات الأنظمة التي تعيش في كنفها، كما لا تأخذ موقفا واضحا من الصراعات التي تجري بين الدول العظمى لإعادة اقتسام العالم، مع أن منطقة الشرق الأوسط تحتل الموقع الأول في الصراع بين هذه الأقطاب، كما يمر أمام هذه الحركة الحقوقية مشروع تقسيم المنطقة لدويلات طائفية متصارعة فيما بينها دون أن يكون لها رد فعل.

عملت السياسات الدولية على استيعاب القوى الإسلامية من أجل شرذمة المجتمعات العربية وتفتيتها، ومن ثم شجّعت الانقسامات فيما بينها ومع من يخالفها التوجّه، بحيث بات بروز القوى الأصولية أمرا بديهيا، ولجأت هذه القوى إلى السلاح تحت تأثير خطاب أيديولوجي منغلق على نفسه، وكأنه كُتب لشعوب المنطقة القطع مع استبداد خَبِرتهُ، لتقع في آخر أشد وطأة كونه مغلفا بجلباب القداسة.

لاشكّ أن تعميم ثقافة حقوق الإنسان هو ما يغذي هذه الثقافة ويقوي مناعة الأجيال الشابة ويعيدها لذاتها ولصنع حاضرها وبناء مستقبل أوطانها، بحيث لا يبقى الهروب من الواقع الحل المتبقي لها، مع اتخاذ المهجر وجهة تؤم شطرها ثروات هذه الأمة البشرية، حينها يُصبح بالإمكان فرض توجهات جديدة على من يُمسكون بالقرار وإحداث نقلة نوعية ومتغيرات عميقة في الواقع العربي المأزوم، ولإحداث مثل هذا الانقلاب لابد من البدء بالعمل على الذات.


إعلامي سوري

9