الإنسان ذو البعد الواحد

الأربعاء 2013/12/18

لا جدال أن التطورات العلمية في القرن الأخير نقلت البشرية من عصر إلى عصر، عصر استعاض فيه الإنسان عن الحمام الزاجل بالإنترنت، وعن العربات المجرورة بالطائرات النفاثة، وعن الدواة والقلم بالحاسوب والطابعة وما إلى ذلك من مستحدثات تكنولوجية سهلت عيشه وقلصت مسافاته ومهدت لتواصله مع من يشاء في أبعد نقطة على سطح الأرض، ولكنها أحدثت أيضا، في بعض أوجهها واستعمالاتها، تحولا عميقا في نمط حياته، لا ينحو دائما نحو حياة الدعة والكفاية التي يصبو إليها. من ذلك مثلا هيمنة ثقافة الشاشة التي توشك أن تذهب بعازب العقول، إذ احتلت الشاشات مختلف جوانب الحياة اليومية، حاضرة على الدوام بشكل خطير.

وخطرها مرده إلى سببين: أولهما تميز عصرنا هذا بتسارع في الزمن، للشاشات دور هام في تطوره. فعالم الشاشة لا يهجع أبدا، حتى وإن أطفئت الحواسيب، ونام أصحابها، والسباق المحموم يتواصل لأن سيل المعلومات لا يتوقف، ومن الغد يهبّ النائمون للاطلاع على ما فاتهم أثناء نومهم من رسائل وأخبار وصور وفيديوهات مع ما يتبعها من انفعالات، وهو ما يجعل مستعمل الإنترنت في حالة تبعية وتعلق وخضوع، مثلما يفقده إحساسه بالزمن ويشوش ذهنه فلا يعرف من أين يبدأ ولا عمّن يردّ. وثانيهما، لأن الشاشة هي القناة الرئيسية، وربما الوحيدة، التي تصل الإنسان بالعالم.

وإذا كان مثل هذا النشاط يستلزم فيما مضى جوانب كثيرة من كيانه، ولكن بصور مختلفة، فإنه اليوم منحصر في ناحية تكاد تكون وحيدة، فالإنسان يستعمل الشاشة في البيت والمكتب والحياة العامة استعمالا يكاد لا ينقطع، سواء في اللعب أم في القراءة والسينما والموسيقى. وبذلك صارت الأصابع والعيون والجسد تستعمل دائما بطريقة واحدة. وفي ذلك كلّه إفقار لعلاقة الإنسان بالآخرين وبالعالم.

والحق أن المشاكل المنجرة عن العلم والتطور التي تواجه الإنسان اليوم ليست جديدة، فقد أثارها الفلاسفة منذ بداية عصر الحداثة الغربية في القرن الثامن عشر، حينما استشعروا مخاطر اندفاع التطور وجموحه، وكان روسو مثلا قد حذّر ممّا أسماه “الزوبعة الاجتماعية”، وانتقد في الحياة العصرية، القائمة على التنافس ورغبة التملك، آثارها التي تستلب الإنسان وتسخّره.

وتواصل ذلك حتى في عصرنا الحاضر مع مدرسة فرنكفورت (أدورنو، هابرماس، ماركوز، بنيامين) التي انتقدت النزعة البرومثيوسية الكامنة في الحداثة الرأسمالية. فالعقلانية التقنية تريد ترويض العناصر، والسيطرة على الطبيعة، وابتكار أدوات لا تني تتطور في دقتها وأدائها، ولكن يحدث أن ينقلب المشروع البرومثيوسي على الحداثة في بعدها المحرِّر، لأنه أهمل أبعاد الإنسان الأخرى. وهو ما عبّر عنه هربرت مركوز في نظريته عن “إنسان البعد الواحد”.

ولسائل أن يسأل: أما من سبيل إلى قطع الاتصال، والتخلي عن الشاشة نهائيا؟ والجواب كما يرى الفيلسوف الألماني هرتموت روزا أن الأفراد لا يملكون إجابة، فلا التأمل ولا التصوّف ولا اليوغا بقادرة على إبعاده عن الشاشة، لأن حضورها بمثل هذه الكثافة هو ظاهرة سياسية وثقافية، وتغيير تلك الظاهرة يتطلب تحولات اجتماعية مدروسة ومتفق عليها سلفا. ولا بدّ، يقول روزا، من إعادة النظر في السياسات الدولية وإخضاع الرأسمالية إلى المراقبة الديمقراطية.

وهي كما نرى مطالب صعبة التحقيق. والأجدى أن نعيد تحديد مفهوم “الحياة الحق” أو “الحياة الطيبة” التي يتحدث عنها الفلاسفة منذ ألفي عام. فليست الحياة السعيدة في قطع المسافات بأسرع وقت، وتكديس الثروات وابتكار وسائل جديدة، بل تلك التي تجعلنا في انسجام مع أنفسنا، ومع الآخرين، ومع الأشياء والمحيط. أما الحرص على التجديد بأيّ ثمن فلن يخلق غير استلاب قد يكون أكثر شمولية من الشاشات.
14