الإنسان عبد الكلمات والممثل شاعر يقف كالشجرة

الخميس 2013/08/15
«مسرح الكلمات» عند بيتر هندكه: طغيان الشفوي على الحركي

باريس- ضمن فعاليات مهرجان أفينيون الـ67 لهذا العام تابع عشاق الفن الرابع مسرحية للكاتب النمساوي بيتر هندكه «عبر القرى»، وهو نص ألفه عام 1981 وأعده للمسرح فيم فاندرس بسالسبورغ عام 1982، وكلود ريجي بمسرح شايو بباريس بعدها بسنة، وجان كلود فال بمسرح الباستيل عام 1988. الإخراج هذه المرة كان لستانيسلاس نورديه الذي سبق له أن اشتغل أيضا على نصوص الإيطالي بازوليني.

ينتمي بيتر هندكه إلى فئة الكتاب الذين نبذوا الاتباع وساروا في طريق لم يألفها قبلهم سابل، فالإبداع عنده طقس كتابة، وبناء يقوم على الكلمات ينظمها موسيقيا ويمنحها انسيابا بالغ البطء والهدوء حتى تتخذ لها شكلا مخصوصا. فهو من أنصار «مسرح اللغة» الذي كان بازوليني دعا إليه في سبعينات القرن الماضي.


سخط واستنكار


بدأ هندكه روائيا، وظل يقارب المسرح بحذر واحتراز. يقول: «لم يكن ثمة ما هو أغرب من المسرح بالنسبة إليّ، لذلك خطر ببالي تأليف مسرحية تصف ما يفرّق بيني وبين المسرح.

كتبت مسرحية «إهانة للجمهور»، فأثارت السخط والاستنكار في تلك الفترة، أي الستينات، حيث اعتبر الانقضاض على الجمهور، لانتزاعه من سباته وإبعاده عن طرق المسرح البريختي الأكثر هدوءا وسكينة، هجوما سافرا على الفن الرابع».

لم يكن ذلك ليفلّ من عزمه، إذ قام بمحاولة ثانية عام 1967 وألف مسرحية بعنوان «غاسبارد» استوحاها من سيرة فتى غريب وجد في ساحة إحدى القرى الألمانية، كان عاجزا عن التلفظ بأكثر من جملة واحدة.

وجد فيها هندكه فرصة لتعميق النظر في مسألة تعلم اللغة كتمرين على تدجين الإنسان، بوصفه هو أيضا مسكونا بعبادة الكلمات.

وقد أعجب بيتر بروك بهذا النص وقدمه في بداية حياته الباريسية، فحظي بما لم يحظ به العمل الأول، نتيجة تغير العقلية عقب أحداث مايو/ آيار 1968، وبذلك حصل التقارب بين كاتب حذر من المسرح، وجمهور راغب في تطويره وتغييره.

هوامش
*سجل مهرجان أفينيون الفرنسي المسرحي الـ67 لهذا العام زيادة في عدد المترددين عليه، حيث بلغ 52 ألف و350 مشاهد، مقابل 47 ألف و102 مشاهد خلال عام 2012.

هذا بالإضافة إلى المهنيين الذين بلغ عددهم 3 آلاف و646 منهم ألف و484 منسق لبرنامج المهرجان.

*شاركت ألف و66 فرقة مسرحية في العروض منها 115 فرقة أجنبية قدمت ألفا و265 عرضا مسرحيا في حوالي 125 فضاء للعرض.

*حصل العرض المسرحى "خطاب إلى الأمة" من إخراج اسكانيو سيليتين، على جائزة الجمهور التي منحت لأول مرة هذا العام من قبل جمعية المهرجانات وشركة "تيرانوفا"، والجائزة منحت عن طريق الاقتراع الذي وقع بين 3 آلاف و657 مشترك.

*جائزة الموسيقى ذهبت إلى الناي الغنائي لبيتهوفن، وجائزة الرقص لفرقة "ماجي" عن رقصة الباليه التي قدمت بعنوان "ساحرتي المفضلة".

ومنذ ذلك التاريخ واصل هندكه تأليفه المسرحي بالتوازي مع أعماله في الرواية والسيناريو، دون أن يتقيد بشروط الكتابة المسرحية المعهودة، إذ سعى إلى خلق علاقة شخصية بين اللغة والركح، وبين الممثل والمتفرج، وهي علاقة تقوم على النهل من معين الكلمات بلا حساب ليتمثل العالم بفضل قدرتها على التعبير عن تعقيده. غايته ألاّ يقدم مادة للعيان بل للسماع. وبخلاف بيكيت ويونسكو اللذين جعلا اللغة مقتصدة منمطة جدباء، يطلق هندكه سجيتها كي تنساب صافية كجدول ماء، بلا حدود ولا غصب، وتنطق بهسيس العالم، وضجيجه وصخبه، لإدراك الواقع في أدق خلجاته.

يقول هندكه: «لنمسك في خضم الكلمات بأصداء الواقع التي يلتقطها السمع وتحتفي بها اللغة». لذلك يوصي بأن يتكلم الممثل ووجهه إلى الأمام، باتجاه الجمهور وليس بمعزل عنه في ركن من الخشبة، فيراوح بين الكلام الطقوسي والكلام الموجه حتى يثبّت مسرحُ اللغة هويته.

فاللغة عنده ليست للحوار والتواصل بقدر ما تنحو منحى الخطاب الأحادي (مونولوغ) حينا والإنشاد الجماعي (جوقة على طريقة المسرح اليوناني القديم) حينا آخر.


دراما شعرية


في ساحة الشرف بقصر الباباوات، سهر جمهور غفير مع مسرحية «عبر القرى»، التي ألفها هندكه عام 1981، ولم يبلغ الأربعين، في شكل أقرب إلى الدراما الشعرية.

تنبني المسرحية على سلسلة متعاقبة من «المونولوغات» تتخللها حوارات قليلة، تصف أثر الحداثة على الأماكن والأحياء، خصوصا القرى والأرياف التي غيّرت المدنيّة ملامحها، والقوى العاملة التي صارت أشبه بالعبيد، خاضعة للآلة من جهة، وللعزلة القاتلة من جهة ثانية. وتسرد عودة كاتب إلى مسقط رأسه لفض مسألة بيت ورثه عن أبيه، هو وأخوه عامل الحظائر وأخته البائعة بمغازة اللذان بقيا في القرية.

ينطلق منها هندكه لنقد وضع بشري في انحدار وتحلل، وضع صارت فيه الصلات الأسرية منفصمة، والعلاقة بين الطبقة البروليتارية والمسحوقين وبين المثقفين والأقوياء متصدعة، فيتنقل من الحنين إلى الطبيعة وبساطة العيش في القرية، إلى الإفراط في تمدين القرى وتشويه ملامحها، ومن فقدان المعالم المميزة التي يمكن للمرء أن يستدل بها للحفاظ على توزانه إلى مواجهة الزمن والموت.

وفي كل الحالات طغى الشفوي على الحركية، وبدا الديكور قارا مثل عملية الإخراج، حيث التزم الممثلون ببطء غريب، لا يتحركون إلاّ لماما، ليتركوا الكلمات تحتل الفضاء الركحي.

هي وحدها تتنقل وتتخاصم وتواسي بعضها بعضا في هيئة «مونولوغات» تتصاعد وتتباعد ثم تتلاقى حيث شاء لها الكاتب أن تلتقي، ليدين الوجه البشع للمدنيّة التي أفقدت القرى والأرياف والطبقات الضعيفة ملامحها الأصيلة.

اللغة أنيقة شاعرية راقية، ما في ذلك شك، ولكن طول المسرحية، التي دامت أربع ساعات ونصف بغير انقطاع، والاستعاضة عن الحوار في أغلب ردهاتها بخطاب أحادي يتجاوز أحيانا عشرين دقيقة، يلقيه ممثل واحد كأنه شاعر يستظهر قصيدة، (بعكس مسرحيته الأولى التي تعتمد على خطابات شديدة الاقتضاب، ومبتورة في الغالب).

فيما الممثلون الآخرون يصغون إليه واقفين وقوف الشجر المرسوم على ألواح خشبية خلفهم، علاوة على تعذر السمع في مواطن كثيرة لتلاعب ريح رخية في الهواء الطلق بأصوات بعض الممثلات.

كل ذلك ولّد الملل والضجر، وجعل الوصول إلى مرامي المغامرتين اللتين ساقهما هندكه صعب المنال، ونعني بهما مغامرة الخطاب اللغوي المنتشر في الأرجاء في شكل جزئيات أولية، ومغامرة شخوص يتوقون إلى تغيير مجرى حياتهم.

وهو ما دفع بعض النقاد إلى القول إن قراءة الأثر في بيت مريح كان يمكن أن توفر متعة أكبر.

16