الإنسان لن يعيش في الواقع بعد الآن

من المحتمل أن تقود تقنيات “الواقع الافتراضي” الثورة التقنية خلال العقد المقبل، الأمر الذي دفع غوغل وفيسبوك إلى إنفاق المليارات في هذا المضمار، وهو ما دفع غوغل للاستحواذ على شركة الواقع الافتراضي “أوكيلوس في آر”.
السبت 2015/11/07
بالنسبة إلى الملايين من الناس، سيكون عالم الواقع الافتراضي المهرب المثالي

لندن- أطلقت “أوكيلوس في آر” شركة الواقع الافتراضي التي تملكها فيسبوك تطبيقا جديدا يسمّى أوكيلوس سوشيال ألفا. وهو تطبيق موجه لمستخدمي سماعة رأس الواقع الافتراضي التابعة لسامسونغ.

ولا يزال أوكيلوس سوشيال ألفا، تطبيق واقع افتراضي، مُخصصا لمشاهدة الأفلام. وتتمثّل هذه التجربة في اختيار مجسم ليُمثّلك، ثم فجأة تظهر في قاعة سينما صغيرة وتجد نفسك بين الجالسين في المقاعد. حيث يمكنك مشاهدة الفيديو من موقع تويتش أو من فيميو، ويمكنك كذلك، إذا أردت ذلك، الدردشة مع أربعة أشخاص آخرين في المسرح ممثّلين بمجسّماتهم الخاصة.

وقد تبدو التجربة مملة، كما أنها بدائية مقارنة بتطبيقات الواقع الافتراضي الأخرى، ولكنها تمثّل كذلك علامة هامة وفارقة باعتبارها التجربة الاجتماعية الأولى التي توفرها منصة أوكيلوس في آر، وهي بسيطة للغاية ولكنها تحمل في طياتها القدرة على تحويل ثقافة العالم الرقمي بنفس الطريقة التي غيّرت فيها هواتف نوكيا المحمولة عالم الأجهزة المحمولة في السابق.

وسيكون العام القادم سنة الواقع الافتراضي بجدارة. ومن المتوقع أن يتم شحن “أوكيلوس ريفت” في الربع الأول من عام 2016. إذ سيتم إطلاق النسخة الرسمية لهولولينز التابع لمايكروسوفت في وقت ما من العام المقبل.

ماذا قال رئيس فيسبوك

عندما أعلن المدير التنفيذي لفيسبوك، مارك زوكربيرغ، في مارس الماضي إن شركته ستشتري أوكيلوس في آر (واقع افتراضي)، قوبل هذا الخبر باندهاش عام. ويبدو أن التساؤل جد هام عن أسباب اقتناء شركة شبكة اجتماعية لما يعتبره الجميع لوحة ومفاتيح ألعاب؟ وقد تناول زوكربيرغ نفسه هذه المسألة في بيانه. إذ كتب “يمثّل أوكيلوس ريفت فعلا منصة جديدة للاتصالات. عبر التواجد الفعلي، يمكنك مشاركة مساحات وتجارب لا متناهية مع أفراد عائلتك وأصدقائك. تخيل أن يكون بإمكانك أن تتقاسم ليس فقط لحظات مع أصدقائك عبر الإنترنت، ولكن جميع التجارب والمغامرات”. وبعبارة أخرى، يمثل الواقع الافتراضي حيّزا اجتماعيا أو أنه سيصبح كذلك يوما ما”. لكن ما هي أسباب ذلك؟

العام القادم سيكون سنة الواقع الافتراضي بجدارة. ومن المتوقع أن يتم شحن “أوكيلوس ريفت” في الربع الأول من عام 2016

حتمية الواقع الافتراضي

نحن مخلوقات اجتماعية بالطبع. ونحن نميل بالطبع إلى التفاعل مع الآخرين، وهو ما يفسّر حجم فيسبوك اليوم، إذ يشمل الموقع أكثر من مليار ونصف مليار من المستخدمين النشطين. ولكن الناس لا يتشاركون في مظاهر فعلية أو متوازنة من حياتهم على فيسبوك. سيفرض الواقع الافتراضى للشبكات الاجتماعية نفسه بشكل فائق لأنه سيمكن الناس من التفاعل مع الآخرين، لا من خلال ذاتهم الحقيقية ولكن من خلال ما يرغبون في إظهاره من أنفسهم للعالم.

وبطبيعة الحال، فإن القدرة على التفاعل مع الآخرين، كما أنت وكشخص آخر في نفس الوقت، هي إمكانية متوفرة بالفعل في ألعاب الفيديو الضخمة مُتعدّدة اللاعبين على الإنترنت وفي العوالم الافتراضية كذلك، على غرار سكند لايف.

ولكن التفاعل الاجتماعي في مثل هذه المنصات والمواقع يحدث على الشاشة المسطحة للكمبيوتر، أي أن التجربة تتوقف بمجرد إشاحتك بالنظر. أما في الواقع الافتراضي، فإنك تعيش تجربة تشعر خلالها مباشرة بالمشاركة الكاملة والانغماس الكلي.

فعندما تريد أن تنظر إلى اليسار، كل ما عليك فعله هو النظر على يسارك في العالم الافتراضي دون الخروج من إطاره. وحتى عندما تكون بصدد إجراء محادثة مع شخص آخر، يمكنك النظر فعليا إلى مخاطبك.

شعبية واسعة

بالنسبة إلى الملايين من الناس، سيكون عالم الواقع الافتراضي المهرب المثالي، عالما أفضل بكثير من عالم الواقع الذي يعيشون فيه. وبالتالي، ستصبح عدم مساهمتهم الطوعية في العالم الواقعي مشكلة كبيرة، ومن المحتمل أن تصبح أكبر من مشاكل إدمان الكحول والمخدرات وإدمان القمار مجتمعة. ولكن بالنسبة إلى الأغلبية، أعتقد أن الواقع الافتراضي سيصبح طريقة طبيعية للانتقال إلى عالم آخر، طريقة تهدف أساسا إلى تحقيق التفاعل الاجتماعي (مثل التلفزيون، ولكن في إطار أوسع يتطلب منهم المشاركة).

عُرفت غوغل بسعيها إلى دفع الأمور نحو الأمام عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيات الجديدة، على غرار سعيها إلى وضع السيارات دون سائق في الشوارع

ومثل كل التكنولوجيات التي ساهمت في تغيير الثقافات على نطاق واسع وشامل، سيكون الواقع الافتراضي والاجتماعي أفضل وأسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا في نفس الوقت.

وسوف يجمعنا معا بطريقة ما في مكان ما في العوالم الافتراضية، ولكنها ستتسبب أيضا في عزلنا أكثر عن الواقعية. ومثل كل التكنولوجيات التي نجحت في تغيير الثقافات الاجتماعية على مستوى عالمي، انطلقت هذه التكنولوجيا في كنف الغموض وفي ركن مجهول من أركان العالم،

وبالنسبة إلى أوائل المستخدمين لهذه التكنولوجيا، سوف تبدأ تجربة الواقع الافتراضي فعليا العام القادم. وأما عن تبنّي الجماهير الواسعة لهذه التكنولوجيا المغيّرة للثقافات، فستبدأ بعد خمس سنوات. وبغض النظر عن التوقيت، فإن الواقع الافتراضي والاجتماعي أمر محتوم وقادم لا محالة. وهي تكنولوجيا ستغيّر كل شيء.

غوغل والواقع الافتراضي.. أمر عادي

لطالما عُرفت غوغل بسعيها إلى دفع الأمور نحو الأمام عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيات الجديدة، على غرار سعيها إلى وضع السيارات دون سائق في الشوارع وخطتها لإيصال الإنترنت إلى أبعد مكان في العالم عبر بالونات حرارية. وتهدف الآن عدّة مواقع افتراضية تابعة لغوغل، على غرار غوغل كاببورد، إلى جعل الواقع الافتراضي أمرا عاديا. مارك زوكربيرغ وصف الواقع الافتراضي بكونه “منصة المستقبل”، وهي تكنولوجيا ستنجح في تغيير العالم.

بعض الشركات تستخدم تكنولوجيا الواقع الافتراضي لتعزيز تجارب معيّنة. إذ يمكن للمستخدمين خوض تجربة السباحة مع أسماك القرش

بيد أن جميع أجهزة الواقع الافتراضي يجري تطويرها حاليا بأسعار عالية. ويبلغ سعر مطور مجموعة الأوكيلوس ريفت 350 دولارا، ويرتفع سعر العُدّة المشتركة بين سامسونغ وفيسبوك إلى حوالي 99 دولارا. لكن غوغل لا تريد أن يكون الواقع الافتراضي معقّدا أو مكلفا، باعتبار أنه ليس في قدرة أو استعداد أيّ كان تكريس مئات من الدولارات للحصول على هذه التكنولوجيا. وبالتالي، فإن غوغل تقدّم اليوم “غوغل كاببورد”.

ما يمكن أن يفعله الواقع الافتراضي

في الوقت الراهن، تدور معظم الضجّة المتعلقة بالواقع الافتراضي حول الألعاب، ولكن هذه التكنولوجيا قادرة على أن تحقق الكثير، وما زالت الشركات في طور اكتشاف كيفية استغلالها. وستتخذ صحيفة نيويورك تايمز خطوة كبيرة بمساعدة عارض غوغل كاببورد. إذ سيحصل أكثر من مليون شخص من المشتركين في الصحيفة المطبوعة على عدّة غوغل كاببورد مع عدد هذا الأسبوع من صحيفة غدا الأحد، ممّا سيمكنهم من مشاهدة الفيلم الوثائقي “ذي ديسبلاسد” بواسطة تقنية ثلاثية الأبعاد (D3).

ويمثّل التعليم مجالا آخر يمكن أن تستخدم فيه تكنولوجيا العالم الافتراضي. وتتزعم شركة “ماونتن فيو” هذه الحركة بالفعل، عبر إرسال مجموعات غوغل للواقع الافتراضي إلى المدارس مع التطبيق الذي يسمح للطلبة بالقيام بجولة ثلاثية الأبعاد.

كما تستخدم بعض الشركات تكنولوجيا الواقع الافتراضي لتعزيز تجارب معيّنة. إذ يمكن للمستخدمين خوض تجربة السباحة مع أسماك القرش من خلال تطبيق “الاكتشاف”، في حين يمكن للمغامرين التمتع بالطيران على علوّ 425 كم مع تطبيق “مسابق الهواء”. ومن المنتظر أن تُقدّم شركات إنتاج الأفلام قريبا محتوى يمكن عرضه من خلال تكنولوجيا الواقع الافتراضي، على غرار عُدّة غوغل كاببورد.

18