الإنسان والمدن التي يحب

ليس جميع المدن قادرة على أن تضع المرء في فضاء عشقها، بل طالما كانت المدن مثل الناس، في شمائلهم وقدراتهم في استقطاب الآخرين وكسب محبتهم والتعلق بهم.
السبت 2019/07/27
الشاعر راينر ماريا ريلكه جسّد التماهي بين الإبداع والأمكنة

معظم الناس، إن لم أقل معظم المخلوقات، أكثر ارتباطا بالمكان الأول، وبخاصة مدينة مسقط الرأس والنشأة، من أماكن أخرى ومدن وبلدان، ينتقل إليها المرء لأي سبب من الأسباب، بل طالما كانت مفارقة المكان الأول تحيل إلى مفارقة الجنان، حيث الفردوس المفقود، وهذا ما أشار إليه أبوالطيب المتنبي في قوله: أبوكم آدمٌ سنَّ المعاصي/ وعلَّمكم مفارقة الجنان

غير أن ارتباط بعض الناس بمدن أخرى، غير مدنهم الأولى، في بلدانهم أو في بلدان أخرى، ظاهرة شائعة ومعروفة، وهي ظاهرة ثقافية واجتماعية في آن واحد، وفي الحالين لا تمس هذه العلاقة الجديدة بمدن أخرى، صدق علاقة الإنسان بالمكان الأول، بجميع مكوناته الاجتماعية والثقافية ولا تمس وطنيته.

بل طالما كانت تلك العلاقة عميقة وأفصحت عن جوهرها الاجتماعي والثقافي، ولا أقصد هنا، بعض الحنين المرضي الذي يظهر في بكائيات ساذجة أو حالات تعصب مبالغ فيه. وليس جميع المدن قادرة على أن تضع المرء في فضاء عشقها، بل طالما كانت المدن مثل الناس، في شمائلهم وقدراتهم في استقطاب الآخرين وكسب محبتهم والتعلق بهم.

خطرت لي هذه الأفكار، بعد أن انتهيت من قراءة كتاب “من سيرة ذات.. فتن كاتب عربي في باريس” للصديق الأثير، المبدع المغربي الكبير أحمد المديني، وهو كتابه الثاني، بعد كتابه “نصيبي من باريس” الذي صدر في العام 2014، وفيهما يتناول تجربة إقامته في باريس التي بدأت في العام 1980 وهذه الإقامة مستمرة حتى الآن.

جاء كتاب "من سيرة ذات.. فتن كاتب عربي في باريس" بصيغة يوميات وبتسلسل زمني حينا أو متباعد حينا آخر حيث الإقامة في باريس، عنوان كبير تنضوي بداخله عناوين متفردة لأعلام ومعالم وأزمنة

إن الصداقة التي ربطت بيننا، بدأت في العام 1973 حين التقينا مصادفة في إطار نشاط أدبي عربي بمدينة الجزائر، وتواصلت بحميمية حتى صارت مضرب مثل في الوسط الثقافي العربي، فعددته أخا، وعدَّني أخا، بل هكذا تصرفنا على امتداد زمن صداقتنا، والمديني قاص وروائي وناقد وأكاديمي، كما عمل في الصحافة وبرز فيها، تخرج من جامعة السوربون بدرجة دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية في العام 1990 وعمل أستاذا في جامعات مغربية وفرنسية، وصدرت له أعمال عديدة، قصصية وروائية ورحلية ودواوين شعر، ودراسات أكاديمية ونقدية وترجمات أدبية، عن دور نشر مغربية وعربية وأجنبية، وترجمت بعض كتاباته إلى الفرنسية والإسبانية والإنكليزية، وشارك في عدد من المناظرات الأكاديمية والمؤتمرات الأدبية والفكرية في معظم عواصم الوطن العربي وخارجه، كما نال جوائز أدبية مهمة، منها جائزة المغرب للكتاب في فئة الدراسات الأدبية والنقدية في العام 2003 وعلى الجائزة ذاتها في فئة الإبداع السردي في العام 2009.

والمديني الذي كتب كثيرا عن باريس المدينة التي أحب، سواء في نصه الرحلي أم السيري أم في نصه الإبداعي، وأقصد في ما ورد عنها في عدد من نصوصه السردية، مع أنه جاءها متأخرا نسبيا، وعرف قبلها مدنا أحبها وارتبط بها وشكلت جذر تجربته الاجتماعية والثقافية، فمدينة برشيد فضاء طفولته وبذرة ذاكرته، أيام كان يستيقظ في طفولته فلا يذهب إلى المدرسة ويهرب إلى الحقول المحيطة بالبلدة الصغيرة الوادعة، قبل أن تكون كما هي عليه اليوم شاسعة وصناعية.

وفي ما كان مثل حيوان بري يشم الفصل الجديد وهو نائم ومع أول شعاع شمس يتسلل من فراشه لينافس الفراشات التي تحلق باكرا حول شقائق النعمان.

والدار البيضاء حاضرة المغرب الكبرى التي أدخلت المغاربة إلى المدنية الحديثة التي يقول عنها المديني: المدينة التي هزت صروحنا القديمة المتهالكة وفخخت مقدساتنا وخرافاتنا المعششة في الرؤوس.

وفاس، هي الأندلس، الماضي التليد، العلم العرفاني، هي الشمس ومغربها يشقشقان على الفسيفساء، والخَلق الفاسي كله يلثغ بلغة الماء، والملائكة تردد فوقها التسبيح من أعلى سماء.

كما تنقل بين أمداء مدن عربية، أحبها وكتب عنها، مكة المكرمة والمدينة المنورة وبغداد والجزائر وتونس والقاهرة وبيروت، ويقول عن هذه المدن “لا طاقة لي بحصر مدني أو المفاضلة بينها، هي مثل خلاني، وسأكتفي بالجمرة الأخيرة، مثوى الجمال ومهبط أسرار وإعجاز الجمال ومضمار الفتن والضلال، هي باريس”.

وهو يعرف، ويعترف أنْ سبقه إلى حبها والكتابة عنها مثقفون لامعون وكتاب مبدعون من غير أبنائها، من عرب وأجانب، منهم الفقيه المغربي عبدالله الفاسي الذي جاءها في مهمة سياسية، ثم كان الطهطاوي والشدياق وبيرم التونسي وغيرهم.

ارتباط بعض الناس بمدن أخرى، غير مدنهم الأولى، في بلدانهم أو في بلدان أخرى، ظاهرة شائعة ومعروفة، وهي ظاهرة ثقافية واجتماعية في آن واحد

ويتوقف عند إقامة الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه، فيها وما كتبه عنها ويرى المديني في ما كتبه ريلكه عن باريس أقرب إلى ذوقه وإحساسه، وسوى ريلكه من سلالة المبدعين الكبار، جيمس جويس وهمنغواي وهنري ميللر وبيكاسو ويونسكو وخوان غويتسللو، ولم ينس أن يذكر عربا أفذاذا، واكتفى بالراحلين منهم، طه حسين وزكي مبارك وسهيل إدريس وألبير قصري وعبدالرحمن منيف ومحمود درويش والباهي محمد، وكل منهم صنع باريسه، نسجها بعينيه وأحلامه ورصعها بأوهامه.

لذا فهو يقول عنها “إن هذه المدينة لا تنفد، وإذ كتبت فيها هذا الكتاب فلأنني عشت هذه الحياة بفضلها وبجوارها وأبعد عنها أيضا، بذا أنا مدين لها”.

لقد جاء كتاب “من سيرة ذات.. فتن كاتب عربي في باريس” بصيغة يوميات وبتسلسل زمني حينا أو متباعد حينا آخر حيث الإقامة في باريس، عنوان كبير تنضوي بداخله عناوين متفردة لأعلام ومعالم وأزمنة، هي جزء من سيرة الكاتب من دون أقنعة.

غير أنه ومنذ البداية، ينبه نوعا من القراء بالقول، إنهم لن يجدوا في  صفحات كتابه هذا مدينة سياحية ولا في صورة انطباعاتهم المسبقة، لأنها باريس كما يراها، إذ لكل امرئ باريسه، وهذه هي باريس التي أستطيع أن أقول، التي أحبها.

14