الإنسان والمكان.. علاقة يصوغها تضافر أبعاد الجغرافيا والتاريخ والسياسة

الجمعة 2016/10/14
تأقلم مع مناخ جديد

يشير باحثون إلى التأثير الكبير للبيئة الجغرافية على الإنسان وتفكيره وخياراته، وأن عوامل الأرض والمناخ والموقع والموارد تدخلت في تشكيل شخصية الأفراد وثقافة المجتمعات وسياسات دول الشرق الأوسط، لدرجة تحديد الخصائص النفسية والاجتماعية للسكان ومستويات العنف، والسلوك الاقتصادي والاتجاهات الثقافية، وأنماط الحكم والإدارة والعلاقات الدولية.

فهل تسيطر الظواهر الجغرافية بصورة قدرية وقهرية على السلوك البشري، وإلى أي مدى أثر السياق البيئي والمناخي في تكوين طبائع وهويات بلدان المنطقة وتفجير تناقضاتها وصراعاتها؟

هو سؤال طرحته “العرب” على أستاذ الجغرافيا البشرية السوري زياد عبدالعزيز اليوسف فقال إن “للطبيعية الجغرافية بمكوناتها المختلفة تأثير نسبي على شخصية الفرد وتفكيره، ويعتمد على درجة تطور المجتمعات، فيقل كلما تقدمت اقتصاديا واجتماعيا، ويزداد بتخلفها وتدهور أوضاعها الثقافية والمعرفية”.

وأوضح اليوسف أن “الطبيعة الجغرافية تترك بصمتها على المجتمعات الهشة”، مؤكدا أن “التعليم يحصّن الإنسان ضد تداعيات البيئة أو الموقع أو المناخ على شخصيته”.

وأرجع اليوسف صراعات المنطقة إلى تفاعلات الجغرافيا السياسية والتطلعات والمخاوف الاقتصادية.

وتبدو مخاضات الربيع العربي صراعا بين سرديات تاريخية أفرزتها الجغرافيا السياسية العربية وبين طموحات مجتمعات تتطلع إلى التغيير لكنها لا تمتلك أدواته، إذ يؤيد اليوسف النظرية الإمكانية التي “لا تنكر التأثير الجغرافي، ولكن تربطه بعوامل أخرى تتصل بالإرادة البشرية والتطلّع السياسي والحراك الاجتماعي والهجرات، ومدى التقدم أو التأخر في المستوى الاقتصادي والثقافي للمجتمع، رافضا القول بالحتمية الجغرافية أو خضوع الإنسان للطبيعة بشكل سلبي كامل.

ولا تحظى بالتأييد الفرضية الأصولية التي تفسّر واقع الشعوب بحتميات جغرافية أو سلالية، والتي تبدو ترجمة لنظرة تمييزية ترهن جوهر الإنسان بأقداره البيئية، فالظاهرة الاجتماعية نتاج منظومة مقدمات وسياقات وأسباب معقّدة ولا يمكن اختزالها في تفسيرات الانتماء العرقي/المكاني، حيث تنقض إنجازات ونجاحات مهاجري العالم الثالث إلى الغرب فرضية الخصائص الجغرافية العنصرية للفرد.

وتوضح الأكاديمية العراقية سعاد عبدالله محمد أن “المغتربين العراقيين والعرب يبدعون في تخصصاتهم في الدول الغربية بعكس بلدانهم”، وترجع هذه المفارقة برأيها إلى “إخفاق حكومات المنطقة في التنمية، وعدم توفير ظروف استثمار في القدرات البشرية أو احترام الحقوق والحريات”.

وتلفت عبدالله، وهي أستاذة الجغرافيا السياسية بجامعة دهوك، إلى “تأثير ممكن للبيئة الجغرافية على الفكر والسياسة والاجتماع ومعتقدات الإنسان”، وتشير، في حديثها لـ”العرب”، إلى “دور محتمل للتغيّرات المناخية في التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها المنطقة العربية خلال عصور”.

وتصف الباحثة أزمات الشرق الأوسط بأنها “مُركّبة تتداخل فيها العوامل التاريخية والجيوسياسية والصراع على السلع الاستراتيجية كالنفط، مع الاعتبارات البيئية والسكانية والاقتصادية والمخاضات الهوياتية والسوسيولوجية، إضافة إلى غياب التوازن العالمي والتدخل الخارجي واختلال سياسات أنظمة المنطقة في التعامل مع المجتمع الدولي”.

ويرهن زياد اليوسف فهم سياسة الدولة باستيعاب جغرافيتها وموقعها على الخرائط الدولية، داعيا إلى تحليل مكونات شخصية الدولة الجغرافية لدراسة العوامل الثقافية والسكانية التي تؤثر في سياساتها المحلية والخارجية، موضحا أن “النفوذ الإقليمي للدولة وتمددها في المجالات الحيوية أو انكماشها مرتبط بموقعها الجغرافي ومدى إدراكها لممكنات توظيفه السياسي”.

وتبرهن أزمات الدول العربية على الحاجة لتفعيل مساهمتها في العمل من أجل عالم أكثر تعاونا وعدالة وشراكة، حيث يتفق الأكاديميون على الأثر السياسي للتفاوت في توزيع الموارد الطبيعية بين مناطق العالم، فلهذه الحقيقة الجغرافية، وفق زياد اليوسف، “تأثير في السياسة الدولية وتتسبب في النزاعات العسكرية”، ما دفع الدول إلى “تشكيل تكتلات اقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية لمعالجة التفاوت في توزيع الثروة الطبيعية أو النشاط الاقتصادي، وسد حاجياتها من المواد الخام أو رؤوس الأموال، كما سعت دول أوروبية إلى السيطرة على الموارد في أفريقيا وآسيا”.

ويرى الأكاديمي العراقي نشوان شكري أن “شبكة العلاقات الدولية تصاغ في جزء كبير منها في بوتقة الجغرافيا الاقتصادية، فوجود النفط في الدول الخليجية عزز علاقاتها مع العالم الغربي لكنه جلب المشاكل للمنطقة أيضا”.

وتوافقه الرأي سعاد عبدالله، فتقول إن “الصراع على الثروات الطبيعية قوّض الأمن والسلم الدوليين، وجعل نفط الشرق الأوسط نقمة عليه”، وتتابع “ثمة سعي مستمر من الدول الكبرى للحصول على الطاقة لمراكمة عناصر القوة، ولذلك دفعها الاستشعار الجيواقتصادي نحو مناطق جديدة كدول أفريقيا جنوب الصحراء مثل غينيا الاستوائية ونيجيريا حيث يتركّز البترول ومعادن أخرى”.

ويقول اليوسف إن “تطور التكنولوجيا والمواصلات أدى إلى تعديل جزئي لاختلال التوازن الاقتصادي الكوني عبر انتشار الأنشطة التصنيعية والزراعية في أرجاء العالم بشكل يعوّض إلى حد ما نقص الثروات الطبيعية كالنفط والمياه”.

ويعد الوعي الجيوسياسي بديلا تنمويا للدول الفقيرة يساعدها على توظيف مقوماتها الجغرافية في السياسة الدولية وتحقيق مردود اقتصادي، إذ يرى شكري أن “تحقيق التوازن في العلاقات الدولية يمكن أن يعالج نسبيا التوزيع غير المتوازن للموارد في العالم”. ويخلص في النهاية إلى أن “التوظيف الإيجابي لحقائق الجغرافيا الاقتصادية باتجاه التكامل، يمكن أن يصنع السلام والتعاون بين الشعوب”.

كاتب من العراق

7