الإنسان وما بعد الإنسان

السبت 2016/05/21

هل يمكن للإنسان، على تعدّد خصائص هويّته ومكونات تعريفاته التي نعرفها، أن يتحوّل من كونه “كائنا حيّا”، أو “كائنا عضويّا بيولوجيا”، أو ربما “ظاهرة طبيعيّة” بلغت الآن، فيما يتصوّر علماء وباحثون متنوّعو التّخصّصات، أقصى درجات نضوجها، ليصير كائنا أو شيئا آخر؟

وهل يمكن للإنسان أن يتجاوز حقيقة كونه “كينونة وجودية عاقلة” لا تزال محكومة بسعيها اللاهب إلى بلوغ كمال وجوديّ محتمل، ليذهب إلى التّماهي بـ”كائن هجين” قد يشار إليه على أنّه التّجلّي الأمثل للكائن المتجاوز الذي يجسّد حقيقة الإنسان حين يبلغ أقصى مداه ليلد، كما الفينيق أو على نحو آخر، كائنا جديدا يخرج من رماده، ولا نقول من ضلعه، ليكون هو الكائن الذي يأتي بعده، والذي يتأهّب لإزاحته والحلول محلّه، أي ليكون هو “ما بعد الإنسان”؟

ليس للإجابة عن هذين السؤالين المتداخلين أن تفارق حقيقة ساطعة مؤداها أنّ الزّمن التّقاني الانفجاريّ المتمدّد في مساحات الكون، قد أمعن في تعميق حضوره الطّاغي في مساحات الطبيعة وفي أدقّ تفاصيل الحياة الإنسانيّة، وذلك مع توالي مجيء كل لحظة من لحظاته بمبتكرات ووقائع وعمليات تطويريّة ومنتجات وآلات جديدة وتحولات متسارعة تفضي إلى تعزيز صيرورة الواقعة الحضارية التّقانيّة التي قد تبدو، لشدّة إسرافها في الوجود، غير مرئية تماما، ولكنّها هي، وليس غيرها، الواقعة الأرسخ حضورا والأشدّ تأثيرا في مصائر الطبيعة والحياة والنّاس ومآلات الوجود.

وما هذه الواقعة التي تتسرب في تفاصيل حياتنا وتتمدّد في أنسجة خلايانا، بخفاء ظاهر أو بظهور خفيّ، إلا عملية تفكيك الكائن البشري وإعادة تجميعه وتشكيله في مجرى تحوّل طاغ يكرّس الإطاحة بجميع التصنيفات والمفاهيم والتّعريفات القديمة، وفي مقدمتها التصنيفات والمفاهيم البيولوجية والاجتماعية والثقافية.

ولعلّ هذا التّفكيك المتلازم مع إعادة التشكيل، هو ما شرعنا نلمس ما يؤكّد أنّ اللّوازم والكيانات المصاحبة له قد شرعت هي أيضا في ترسيخ حضورها في وجود يبدو أنّه قد بلغ، بدوره، أقصى مداه، فشرع، هو أيضا، في تجاوز نفسه وصولا إلى ما بعده.

فكيف تتمّ عمليات تفكيك الإنسان، وإعادة تجميعه وتشكيله وفق مفهوم جديد يفقده جوهر هويّته الجامعة التي رسخت في الوجود منذ بدء الوجود، فيفقده اسمه ولا يجعله إنسانا، بل “ما بعد إنسان” يبحث لنفسه، أو يبحث له، عن مصطلح آخر يلتقط سمات مكوناته الجديدة ويدرك علاقاتها الممكنة فيضفرها في إهابه، ويتعرّف على جوهره العميق، فيسمّيه؟

ويبدو جليّا، في ضوء ما تضمّنته الفقرات السّابقة أو ألمحت إليه، أنّ عمليات تفكيك الكائن البشري وإعادة تشكيله إنّما تتمّ عبر سياقات ومسارات وخطوط إنتاج تلغي الحدود المعروفة بين العوالم الكونيّة والثّنائيات، المتجاوبة أو المتعارضة، حيث هنا يصير هذا الـ”ما بعد إنسان”، أو هذا الكائن المعاد تشكيله والذي يأتي مقرونا بـ”ما بعد حداثة” أو بـ”ما بعد بعد حداثة”، كائنا تقانيّا مركّبا من ثنائية ملتحمة تضفر الطبيعي باللاطبيعي، والمطبوع بالمصنوع، والمولود الطبيعي البيولوجي بالمصنّع التّقاني الافتراضي، أي تضفر الإنسان بالتّقانة، أو تزاوج بينهما في سياق تركيب كان مجرّدا، أو كان محض تصوّر خياليّ علميّ أو غير علميّ، ولكنّه لم يعد كذلك، إذْ هو يمعن، منذ زمن ليس بقصير أبدا، في تجسيد نفسه وترسيخ حضوره في الحياة عبر تمظهرات نلْمسها في كلّ لحظة، وفي كل حيّز اجتماعيّ أو اقتصاديّ أو ثقافيّ، وفي كلّ مجال معرفيّ، وفي كلّ بؤرة اهتمام ومكان وحين.

وبغية إدراك جوهر هذا الكائن الجديد عبر تعرّف مكونات هويته وقراءة سماتها والكشف عن دلالاتها التكوينية العميقة المسكونة بخصائص ماهيته الكاشفة عن مغزى انبثاقه، ووظائفه القائمة الآن والممكنة مستقبلا، أو رسالته المنطوية على دلالة وجوده في الوجود، أو ربما في “ما بعد الوجود”، انبثقت الحاجة إلى تسميته التي لا تجيب عن السؤال؛ من هو هذا المخلوق الجديد، أو من هو هذا الكائن الذي يأتي ليغيّب الإنسان الذي عرفناه مذ وجد الإنسان؟ فحسب، بل تتأسّس على أولويّة إدراك تكون الإجابة الممكنة عن سؤال الوظيفة؛ ما الذي يفعله هذا الكائن؟ وما الذي يمكنه فعله مستقبلا؟ هي صلب تلك التّسمية وخلاصة جوهرها.

ولقد تحقّقت التّسمية في مصطلح سُكّ في ستينات القرن الماضي من قبل عالمين أميركيين هما عالم الأعصاب، المخترع، والموسيقار مانفريد كلاينر، وعالم الطّب النفسي الحائز، لمرتين، على جائزة لاسكر الأميركية (التي تعادل جائزة نوبل) ناثان سنايدر كلين، وما كان هذا المصطلح إلاّ كلمة الـ”سايبورغ” (Cyborg) التي تصهر في أتونها اللّاهب الآلة الجامدة التي يبدو أنها لم تعد جامدة (Cybermetic – Cybernetic) بالكائن العضوي الحيّ (Organisim).

إنّها إذن تسمية إنسانيّة مخترعة للإنسان الذي تجاوز، عبر سلسلة حداثات لم تكفّ عن تجاوز نفسها، إنسانيّته، فترك الإنسان الذي كانه وراءه، ليصير كائنا آخر هو

“ما بعد الإنسان”، أي الـ”سايبورغ” (Cyborg)؛ هذا الذي لم ندرك تماما، بعد، إن كانت تسميته، على هذا النّحو الذي يتجاوز ماهيّة الإنسان ويبدّل جوهره، تسمو به أم تحطّ من قيمته.

كاتب من فلسطين

16