الإنسان يحمل موته منذ ولادته

الجمعة 2016/10/07
مجابهة الشعور بالموت

دمشق - يتحدث الكاتب والباحث السوري غسان السيد في كتابه “إشكالية الموت في أدب جورج سالم وغابرييل مارسيل وألبيرت كامو” عن تاريخ الموت في الفكر الإنساني. فمنذ الأزل بقي الإنسان حائرا وعاجزا أمام مشكلة الموت، التي مثلت التحدي الأكبر الذي واجهته البشرية. إنّ الإنسان طامح حالم تعيش معه الأحلام منذ أن يعي ذاته ويؤرقه، أن تنهد تلك المطامح وأن تنهار تلك الأحلام دفعة واحدة.

يمثل الموت المستوى الأوّل في أدب جورج سالم وغابرييل مارسيل وكامو، ومنه تنشأ كلّ الإشكاليات التي تعصف بشخصيات أعمالهم وتجعلهم قلقين لا يركنون إلى قرار. وقد يقودهم ذلك إلى الشعور بعبثية الحياة، وعندما تحس الشخصية بمأزقها الوجودي تهرب إلى الدين علّها تجد فيه ما يروي ظمأها للمعرفة، غير أنّه من الجلي أن مثل هذا الهروب لم يكن مرضيا تماما، ومن هنا تنشأ الإشكالية وتستحيل عندها المصالحة مع الموت. كما أراد المؤلف من كتابه، الصادر عن دار “معد للنشر والتوزيع”، بدمشق، أن يوصل معنى “أن الإنسان يحمل موته منذ ولادته”.

يبدأ الكتاب بأسطورة “دموزي وإنانا” وهبوط إنانا إلى العالم السفلي ليتم تجريدها من إرادتها، وتمثل أمام أريشكيغال والأنوناكي، حكيمي هذا العالم، ليسلطا عليها “عيون الموت” فتتحول إلى جثة هامدة، ثم ما تلبث أن تعود إلى الحياة. لكن الإنسان لم يتوقف عن البحث والتأمل، ومن هنا يمكننا فهم تجربة سقراط مع الموت، حيث واجه الموت بكل شجاعة، لأنه كان يؤمن بأن الحياة تتحقق بالموت. وجاءت الديانات السماوية للتخفيف من قلق الإنسان وجزعه حين قدّمت حلولا لقيت إقبالا واسعا، وذلك في ظل عجز الفكر الإنساني عن إيجاد تفسير مقنع لهذه الإشكالية.

يسيطر موضوع الموت على نظرة سالم بأكملها إلى العالم، ويمتد فيتجاوز المصير الفردي وصولا إلى مصير البشرية، فيقول «الغاية من الكتابة عندي، هي مجابهة الشعور بالموت على الصعيد الفردي والصعيد الاجتماعي والتغلب عليه، ولكنه يحاصرني أبدا».

وتحوّل قلقه من الجانب المظلم في الحياة إلى هلع أمام الجانب المظلم في الموت، وها هو يواجه موته وحيدا بينما تخلّى عنه الجميع، حتى أقرب الناس إليه. وهذا الوعي الذي يصاحب إحساسه بمشكلة الموت هو الذي يجعل منه بطلا وجوديا يدرك أنه لا معنى لحياته على الإطلاق، إنه يعيش في غربة نفسية قاتلة، وهنا يأتي الموت فيزيد من شعوره بعبثية الحياة، ويثير في نفسه الرهبة والجزع.

إنّ أكثر النقاد ألمحوا إلى العلاقة الأدبية بين غابرييل مارسيل وجورج سالم، فغابرييل كافح من أجل التحرر من فكرة الموت من خلال المعرفة الأسمى بالخالق. وهذا يذكرنا بموقف سالم الذي سيطرت عليه فكرة الموت دونما توقف، والذي كان دائم التساؤل عن سره.

14