الإنسان يسمو بسلطان المعرفة لكنه يخسر فردوس اليقين

الأحد 2013/10/13
جاكلين روس وكتابها مغامرة الفكر الأوروبي

ثمة أسئلة أساسية وأولية تقترحها أية مقاربة لمغامرة الفكر الأوروبي، في المقدمة منها سؤال يتعلق بمدى وحدة هذا الفكر وقدرته على تشكيل هوية ثقافية موحدة تتجاوز حدود الأمم التي يتكون منها الغرب، حتى يمكن الحديث عن فكر أوروبي وعما يمكن أن يكون قد بلغه من يقين، الأمر الذي يستدعي البحث في تكوين هذا الفكر، وتاريخية نشوئه ومرجعياته وتحولاته وتاريخ تطوره، وهو ما تحاول الأكاديمية والباحثة الموسوعية الفرنسية جاكلين روس أن تجيب عنه في كتابها الهام مغامرة الفكر الأوروبي الذي صدر عن مشروع كلمة بأبو ظبي ونقلته إلى العربية أمل ديبو.

في مقدمة كتابها تؤكد روس على فكرة الوحدة الحضارية التي شكلتها أوروبا منذ زمن بعيد على الرغم من الصراعات التي مزقتها عبر هذا التاريخ، ولذلك فهي تميز في هذا السياق بين غياب الوحدة السياسية والإطار الروحي الذي كان يضفي نوعا من التماسك على تلك الوحدة الحضارية، التي استندت أساسا وقبل كل شيء إلى مكونين أساسيين هما اللغة اللاتينية المشتركة التي تعد العنصر الجامع لها خلال قرون طويلة، والعقل الفلسفي والعلمي إلى جانب الانطلاقة الفنية والثقافية المشتركة بدءا من الفن الباروكي وحتى الرومنتية، ومن الإنسانوية في عصر النهضة وحتى العقل التواصلي في عصرنا الراهن.


الصورة والإطار


يحاول الكتاب تقديم وصف لتاريخ الأفكار الأوروبية باعتباره يشكل مسارا موحدا لحركة الفكر الأوروبي، ما يستدعي من الباحثة أن تكثف عبر ثلاثة فصول يتألف منها الكتاب محاور البحث في هذا التاريخ الذي بدأ مع الكتاب المقدس والإغريق ثم نما وتطور مشكلا عالما من الأفكار والمفاهيم المتكاثرة والمتنوعة.

وقبل البحث في تاريخية هذا الفكر تكشف روس عن الصعوبات والتحديات التي تواجه الباحث في محاولته للخلوص إلى معنى يحوز عليه هذا العالم من الأفكار من خلال هذا التحليل، ما يدفعها لاعتماد اختيار منظار متميز كما تقول يقوم على تفسير أرضية الفكر الأوروبي معقدة التركيب، والتي هي ثمرة نضال بين رؤيتين للعالم، واحدة إغريقية وأخرى مسيحية - يهودية، كانتا في مجابهة مستمرة منذ بدايات عصر الامبراطورية الرومانية، واستمرت مدة ألفي عام، وما تزال ظلالهما حاضرة حتى يومنا هذا.

تعيد الباحثة هاتين الرؤيتين للعالم إلى جذورهما المشرقية، التي تعود إلى آلاف السنين في المنطقة الممتدة بين النيل والفرات، حيث قام هذا الفكر الأصلي للشرق على عدد من المبادئ منها أنه نظر إلى الخواء بوصفه المؤسس لكل شيء والذي انبثق عنه تلقائيا كل شيء، وتدلل على ذلك بالتصورات التي قدمتها الحضارة السومرية والفرعونية لفكرة الإله والعالم والبشر الذين خلقوا واحدا بعد الآخر.

وبذلك قامت الرؤية الأولى للعالم على أساس أن العالم والآلهة والبشر يشتركون في القوانين نفسها ويخضعون لها، وهي قوانين الطبيعة. لكن العبرانيين الذين اتبعوا مخططا مختلفا اعتبروا أن ثمة قوة متعالية هي الله موجودة منذ الأزل وأنها هي التي خلقت الكون من العدم كما خلقت الإنسان على صورة الإلهي.

أما الرؤية الثانية فقامت على فكرة أن الله خصّ الإنسان بحرية أصيلة وأوكل إليه مشروعا أخلاقيا يسيطر من خلاله على الطبيعة ويمنحها المعنى ويقودها وفقا لمقاصد الله والإنسان بما يملكه من حكمة. وقد اغتنت الرؤية الأولى من اليونانيين القدماء بأفكار لم تزل قوتها تجتذب العالم المعاصر وترى في الطبيعة عنصرا مؤسسا يضيء إلى جانب العقل المعرفة البشرية، في حين اغتنت الرؤية الثانية من الفكر المسيحي وهي تختلف عن الرؤية اليونانية إذ ترى في الكلمة – الإلهية الخالقة لكل شيء، كما أنها أوجدت فكرة انتصار الإنسان على الموت بعد فكرة السقوط الأبدية التي قام عليها التصور اليهودي لعلاقة الإنسان الأولى بالله بعد تناول ثمرة شجرة الجنة المحرمة.


صراع الرؤيتين


على قاعدة المواجهة بين هاتين الرؤيتين تشكل تاريخ الأفكار في الغرب مترافقا مع شعور دائم بالتأزم عبر عنه الكتاب والفلاسفة والمفكرون الغربيون. فالفكر اليوناني سيطر على الامبراطورية الرومانية المنتصرة وستتجسد تلك الرؤية المتعالية على الأعوام الألف للعصور الوسطى ما جعل الباباوات والسلطة البابوية تفرض نفسها على الأباطرة والملوك الأوروبيين، ومن خلال سيطرة اللغة اللاتينيةعلى لغة الأكليروس ولد الفكر الأوربي الجامع.

وعلى الرغم من ذلك فقد عاد المذهب الطبيعي من خلال المخطوطات اليونانية التي حفظتها الحضارة الإسلامية ما جعل المواجهة بين الرؤيتين السابقتين تشتعل من جديد ما دفع القديس توما إلى دمج المفاهيم الأساسية للمذهب الطبيعي اليوناني في النظرة المسيحية للعالم. وتؤكد روس أن المذهب الإنسانوي استعاد زخم حضوره ابتداء من النهضة عبر سيطرته على الآداب اليونانية واللاتينية والأفكار الهلينية، إلا أن ديكارت ابتداء من القرن السابع عشر استطاع أن يحقق انعطافة هامة أكد فيها على أن غاية العلم هي عملية تؤهلنا لكي نكون أسياد الطبيعة.

ومع القرن الثامن عشر استعاد المذهب الطبيعي المسيحي قوته مكرسا مجموعة من المفاهيم الأساسية تتعلق بالحرية والشخصية والتاريخ إذ ساهم عصر الأنوار في استعادتها مستبعدا في الآن ذاته فكرة الحق في السعادة الأرضية، لكن العقل الأوروبي راح يستقي مادته من الطبيعة، فأصبحت التجربة هي محور المعرفة ومصدر الحقيقة، بينما تحولت الطبيعة كما هو الإنسان إلى أساس للمعرفة والفضيلة، وبذلك تسيد العقل بعد أن تم تمجيده.

الإنسان أصبح بمثابة كائن طارئ على هذا العالم وصار عرضة للاختفاء بعد أن كان غاية مطلقة في حد ذاتها.

القرن التاسع عشر دفع برؤية العالم إلى ذروتها، فانتصر فيه التاريخ والإنسانوية والعقل والعلم مع فلسفة هيغل التي اعتبرت الله نتيجة وغاية.التحول الأبرز الذي تكشف عنه روس هو ما حققته فلسفة نيتشه في نهاية هذا القرن الذي شهد أيضا انتصار الداروينية فكانت عودة فكرة الإنسان باعتباره ابن الطبيعة.

وتبين الباحثة أن انتصار العقلانية قد استدعى ظهور حركات محافظة جدا، سياسية وجمالية وفلسفية ودينية عملت على محاربة العقلانية المنتصرة. هنا تشير إلى أن الصعوبات التي وقفت حائلا دون انتصار العقلانية والطبيعة لم تكن بفعل الرؤية المتعالية بل ولدت من داخل فعل العقلانية ذاتها، أي من الأزمات التي ولدت من رحمهما.

لقد ترتب على هذا الوضع أن العقل البشري الباحث عن أسس مطلقة قد اكتشف في القرن العشرين أن تلك الأسس سوف تبقى محظورة عليه. فالإنسان قد أصبح بمثابة كائن طارئ على هذا العالم وصار عرضة للاختفاء بعد أن كان غاية مطلقة في حد ذاتها.

وهكذا تولدت الحيرة التي باتت تحكم وجود الإنسان في هذا القرن، وجاء سقوط الإنسان الجديد الذي كان يعمل على أن يسمو بسلطان المعرفة، فخسر بذلك فردوس اليقين الذي حملته إليه الرؤيا التجاوزية وأصبح يتخبط في وضع من الحيرة الجامحة.

وترى روس أنه من داخل تصدع هذه العقلانية انبثقت في القرن العشرين حركة باتجاه اللاعقلاني الذي لم يكن يوما بنفس القوة، وقد عبرت عن نفسها في الجمالية الحديثة أو من خلال اهتمام العلم بالفوضى والخواء والغريب الشاذ، ما يكشف عن مدى الارتباك الذي بات يعيش فيه الضمير المعاصر للإنسان.

وتختم روس قراءتها لتاريخ هذا الفكر بالتأكيد على أن وجود كلّ من هذين التيارين المتنافرين بعد آلاف السنين دون أن يتمكن أحدهما من التغلب على الآخر يكشف عن كونهما أصبحا محكومين بالتعايش معا ولكن في حالة من عدم الاستقرار، دون أن يلغى ذلك ما يميزهما عن بعضهما البعض ألا وهو مفهوم مصدر القيم المتعالي عن الكون لكل منهما والذي يلازم الطبيعة بالنسبة إليهما.

14